islamaumaroc

مبادئ الموحدين السياسة الدنيوية.

  دعوة الحق

العدد 225 ذو الحجة 1402-محرم 1403/ أكتوبر-نونبر 1982

  ....تماما، كما أن لدولة الموحدين مبادئ كيفت سياستهم الدينية وصبغت حياتهم الاجتماعية، في الجانب الأخلاقي بكثير من التقشف والخشونة والتشديد على مخالفيهم في العقيدة والدين، بل وحتى في النظر إلى الدين من غير زاويتهم، فإن لهم مبادئ أساسية في مجال الواقع المعيش وتسيير الدولة، وتوجيه الأحداث في مختلف مرافقها وشؤونها خاصة وعامة.
      ومن تقصي آثار تاريخهم السياسي والحربي نستطيع أن نحدد إيديولوجيتهم في الميدان الدنيوي الذي لم تتبلور معالمه إلا في عهد مقعد هذه الدولة عبد المومن بن علي في المواقف الأربعة الآتية:
1) رغبتهم المطلقة في السيطرة على الدنيا وارغام الناس على الخضوع لدولتهم والاحتماء بكنفهم لا بوصفهم السلطة الزمنية فحسب ولكن أيضا بوصفهم القيمين على تحقيق إرادة الله على الأرض وفي عباده، تلك الإرادة التي من أجلها بعث الرسل وأنزلت الكتب السماوية.
      وهو في هذا الأمر لا يكتفون بمجرد دعوة الناس وانتظار ما تسفر عنه مؤثرات الدعوة وآياتها، وإنما يعتقدون أن الناس عليهم أن يهتبلوا فرصة الانضواء تحت ألويتهم.
     بوصف أن هذا الانضواء نعمة من الله يحب شكرها، وحمد القائمين على نشر ظلالها، والداعين لتعميم فضلها.
     وهكذا كانت جميع الخطب التي تلقى أيام الجمع، وفي مختلف المناسبات، كانت الرسائل الصادرة من ملوك هذه الدولة وعلى رأسهم مؤسسها الحق عبد المومن تضرب على هذه النغمة وعلى هذا الوتر، وتسير على هذه الوتيرة وفي هذا الاتجاه ولا تتنكب هذه المحجة.
     ومن ذلك ما جاء في رسالة عبد المومن التي حبرها الوزير ابن عطية والموجهة إلى أهل قسنطينة بالجزائر توعدا وتهديدا على محاولتهم مناهضة الموحدين والبقاء خارج طاعتهم، قالت الرسالة:
     (...واعلموا أن الواجب عليكم، وعلى جميع عمرة البسيطة، إتيان هذا الأمر العزيز في محل قيامه، والهجرة إليه وقت ظهور دلائله وارتفاع أعلامه، وهجران الأوطان والقطان لطلب الرضوان به، واغتنامه، فكيف به، وقد أظلتكم في عقر دياركم رأيته، وتحلت بين أظهركم آيته، وتأكدت في الوجوب عليكم واللزوم لكم ولايته وولايته).
     وفي رسالة أخرى له، وجهها إلى تلمسان مخبرا إياهم باستسلام أهل (القسنطينة) وقبولهم الدخول في طاعة الموحدين، جاءت هذه العبارة.
( معتصمين بهذه العروبة الوثقى، مستسلمين للأمر الذي لا يقابل بعناد).
    الموقف الثاني من موقف الموحدين الدنيوية:
وهو تبع للموقف قبله ونتجة حتمية له، هو الإحاطة بكل الحكام الذين لم يتخرجوا من مدرسة الدولة الخاصة، تلك التي كانت أنشأتها لهذا الغرض أي تكوين العمال والإداريين بمراكش، وكانت دراسات في الأدب المغربي.
    وكانت تضم فيما يتحدث التاريخ – ما ينوف على ثلاثة آلاف من الطلبة المصامدة، وفي نفس الوقت، عملوا على إبعاد الغير خريجين من مراكز القيادة والتوجيه الرسمية، ومنحهم امتيازات واقطاعات مغرية عظيمة لتشغيلهم عن البحث عن حقيقة وضعيتهم، تماما نفس السياسة التي كان ينهجها الأمويون إزاء الهاشميين في مكة والمدينة يغرقونهم في متع الحياة من مغنيات وجوار ومال وفر ليخلو لهم ميدان السياسة والقيادة والتوجيه.
    وتبعا لهذه السياسة، كان عبد المومن يرحل من يبدي الولاء والطاعة للدولة الموحدية من حكام المقاطعات والذين لم ينصبوا من طرفهم وكانوا من بقايا العهد البائد الذي سبقهم، كان يرسلهم إلى عاصمة الدولة مراكش، ثم يغدق عليهم الأعطيات السنية جزاء ما أظهروه من رغبة صادقة في التعاون مع الدولة، ومن استعداد للسير في ركابها وكان هذا الموقف يهون على أولئك الحكام ضياع مراكزهم السياسية وما كانوا يتمتعون به من نفوذ وسلطان.
     وهذا بالضبط ما رأينا عبد المومن يفعله تجاه حكام قسنطينة في الجزائر بزعامة يحيى بن عبد العزيز الصنهاجي حين استجابوا لنداء التسليم وطلبوا الأمان سنة 547هـ) فقد رحلهم إلى مراكش وأمر لهم بالمنازل المتسعة، والمراكب الفارهة والكسى الفاخرة، والأموال الوافرة، وخص زعيمهم يحيى من ذلك بأجزله وأسناه وأحفله وقد نال يحيى هذا عند الموحدين رتبة عالية وجاها ضخما، وأظهر عبد المومن عناية به لا مزيد عليها(1).
       ولما استولى أبو يعقوب، على أملاك ابن مردنيش هلال بن سعد حاكم شرقي الأندلس، أعطاه-بعد أن نحاه عن الحكم – إثنى عشر ألف دينار في يوم واحد كما أهدى له صندوق وجد في خزائنهم دون أن يفتحه، فلما فتحه هلال أمام أبي يعقوب، وجدت فيه حلى وذخائر ابن مردنيش الأب، بما يساوي أكثر من أربعين ألف دينار، وعرف عن أبي يعقوب هذا الكرم حتى كان الناس يتحدثون بما تخيله فيه جده ابن تومرت من كريم الخصال وحميد الفعال والكرم الحاتمي حيث، رووا لابن تومرت في حفيده هذا البيتين التاليين: 
   تكاملت فيك أخلاق خصصت بها
                       فكلنا بك مسرور ومغتبط
  فالسن ضاحكة والكف مانحة
                       والصدر منشرح والوجه منبسط
     ثم سنت الدولة الموحدية سنة التنحية عن الحكم والأغداق على المعزولين أو الذين يبدون الولاء والطاعة من الأكابر، حتى تجاه المنتقضين عليها من غير أفراد أسرتها، ففي ولاية أبي عبد الله محمد بن يعقوب ابن يوسف بن عبد المومن بن علين ثار يحيى بن غانية بإفريقيا، وحاول الاستقلال عن السلطة المركزية، ولكن هذه السلطة كانت له ولأمثاله بالمرصاد، فقاومته مقاومة ضارية وفرضت عليه حصارا خانقا ألجأه أول الأمر إلى محاولة الفرار من وجهها رجاء الاحتماء بسواها، وحين آمن أن لافرار على زأر من الأسد، وأنه لاملحأ من الله إلا إليه، هداه الاسترشاد بالتفكير المتزن إلى التسليم لمطارديه والارتماء في أحضان الدولة الموحدية نفسها بعد أن استأ منها الأمان فما بخلت به عليه، و إنما منحته أياه وأردفته بسيب من العطاء وعامله قادتها بما عهد منهم في مثل هذه المناسبات من عفو شامل واغداق خيرات، وتلقوه – كما يقول صاحب المعجب-أحسن لقاء ووصلوه بصلات نفسية بما لا قيمة له لكثرته ولا يصل بمثله إلا الخلفاء، كما أكرموا نزل أخيه سيرين إسحاق بن محمد، وأقطعوه الاقطاعات الواسعة بعد أن ملأوا يديه أموالا، وذلك جزاء تخليه عن مناهضتهم والاحتماء بكنفهم.
    أما موقف دولة الموحدين من المنتقضين عليها من أفراد أسرتها فإنه كان يختلف تاما، إذ كان الموقف تجاه هؤلاء يتسم بالشدة البالغة، والقسوة التامة، وكان أقل ماكان يعامل به الثائرون الإعدام والمحق الكلي، وهذا ما إنتهى إليه مصير كل من ابن عمه أبي الربيع سليمان ابن عبد المومن وإلى تادلة وأبي حفص عمر الملقب بالرشيد حاكم مرسية بالأندلس، وابن يحيى عامله على عموم الأندلس. الذي حاول أن يستغل مرض ابن يوسف، إثر عبوره إلى الأندلس، حيث استرجع مدينة (شلب) مع حصن (طرطوش) من قبضة (بيدور بن الفونس هينركيز) ملك البرتغال، سنة :585 هـ. فتقاعس ابن يحيى عن العبور معه إلى مراكش، املا في وفاته التي قد تمكنه من الاستحواذ على الملك مكانه فما كان من ابن يوسف –بعد أن أبر من مرضه وجاء ابن يحيى يعتذر عما بدر منه، ويستمنحه الأمان –إلى أن قال له: -وقد أمر بضرب عنقه – إنما قتلك بقوله ص: ( إذا بويع خليفتان بأرض فاقتلوا الاخر منهما ) واصر على أن تضرب عنقه بمحضر الناس.
    قال المراكشي: فمال أبو يوسف على القرابة فنال منهم بلسانه وأخذ منهم أخذا شديدا، وأمر بإخراجهم على أسوأ حال، حفاة عراة الرؤوس فخرجوا وكل واحد منهم لا يشك أنه مقتول(2).
 الموقف الثالث من مواقف الموحدين السياسية:
التظاهر بالقوة، وحب العظمة، والتطاول في البناء والعمران، بحثا عن ابهة الملك والسلطان، وتشغيل الرأي العام بالغزوات.
   ورغم أن منطلق هذه الدولة كان سنيا مائة في المائة، الشيء الذي يتجافى وما آل إليه أمرهم من حب العمران والتطاول في البناء مع الغفلة عن قوله في سورة (الشعراء) الآية 129: (اتبنون بكل ريع آية وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون)، وقد يكون ذلك داخلا في نظرهم على الأقل في إطار: قوله تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لاتعلمونهم الله يعلمهم)، فإن التظاهر بالقوة لدى الموحدين قد اتخذ صورا معتددة، وتعابير متنوعة، وكان من أبرزها:
  أولا: تأسيس معامل السلاح وتشييدها في مختلف العواصم لصنع كل أنواع الأسلحة أو بالأخص ما يتصل منها (بآلات الحصار..ونجد في رسالة أبي يوسف التي أنشأها أبو الحكم بن المرخي بشأن الحصار الثاني لقفصه سنة: 582هـ، دليلا لهذه السياسة، فقد وردت فيها هذه العبارات: (...فرأينا أن قاتلتكم بآلات تعلو عليهم، ويتعجل معها مرام أخذهم، أصلح بالموحدين وأصون لهم، مع ما في ذلك لهذا الأمر من فخامة التناول، وعزة القهر وظهور القوة، وارهاب العدو...إلى أن تقول الرسالة وتمادي الشغل في الآلات المباركة إلى أن تمت على المراد، وتهيأت حسب المقصد بها...الخ)
    وفي سقوط قفصة هذه واسترجاعها من يد علي بن  إسحاق الميورقي المؤيد من طرف عرب بني هلال ومن انضاف إليهم من الغز المصريين وعلى رأسهم (شرف الدين قراقوش) يقول الكاتب الأديب إبراهيم الزويلي:
سائل بقفصة هل كان الشقي بها
            بعلا وكانت له حمالة الحطب
تبت يدا كافرا بالله الهبها
            فكان كالكافر الأشقى أبي لهب
لمازنت – وهي تحت الأمر محصنة
           حصبتموها –اتباع الشرع-بالحطب
   التكثير من الجيوش المدججة بالسلاح، حكى صاحب المعجب عن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي جعفر الوزير أنه دخل على عبد المومن في بستان قد أينعت ثماره، وتفتحت أزهاره، وتجاوبت على أغصانها أطياره، فاستحسنه، فما كان من عبد المومن، بعد يومين أو ثلاثة، إلا أن أمر بعرض العسكر، آخذين أسلحتهم،و قد جلس هو في مكان مطل، وجعلت العسكر تمر عليه قبيلة قبيلة، وكتيبة إثر كتيبة، إلا والتي بعدها أحسن منها، جودة سلاح، وفراهة خيل، وظهور قوة، ثم التفت إلي وقال: يا أبا جعفر هذا هو المنظر الحسن، لاثمارك وأشجارك(3).
   ويتصل بضخامة الحروب ما اشتهر من ضخامة طبولهم، التي كان يبلغ عدد ما يصحب منها الجيوش فحسب المائتين، ويصف المراكشي هذه الطبول بهذه العبارة:
  (وطبولهم في نهاية الضخامة، يخيل لسامعها إذا ضربت أن الأرض من تحته تهتز، ويحس قلبه يكاد يتصدع من شدة دويها(4).

 دراسات في الأدب المغربي:
 ولإبراز حب الموحدين لابهة الملك والعمران، يكفي أن نشير إلى أثرين من آثارهم، وهما البيمارستان بمراكش، ومسجد حسان بالرباط، وهما معا من بناء أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المومن.
     وفي الاثر الأول يقول المراكشي: (...انه تخير ساحة فسيحة باعدل موضع في البلد، وأمر البنائين باتقانه على أحسن الوجوه، فاتقنوا فيه من النقوش البديعة، والزخارف المحكمة، ما زاد على الاقتراح، وأمرأن يغرس فيه- مع ذلك-من جميع الأشجار: المشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياها كثيرة، تدور على جميع البيوت، زيادة على أربع برك في وسطه إحداها رخام أبيض، ثم أمر له من الفرش النفسية، من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف، ويأتي فوق النعت، وأجرى له ثلاثين دينارا في كل يوم برسم الطعام، وما ينفق عليه خاصة، خارجا عما جلب إليه من الأدوية، وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال، وأعد فيه للمرضى ثياب نهار وليل للنوم من جهاز الصيف والشتاء إلخ(5).
    أما الأثر الثاني: وأعني به مسجد حسان، فإن آثاره الباقية حتى الآن ناطقة بضخامة المشروع، وشاهدة على جلال قدره.
    على أن المراكشي يصف همة هذا الملك العمرانية بقوله: (انه كان مهتما بالبناء، وفي طول أيامه لم يخل من قصر يستحده، أو مدينة يعمرها)(6).
    الموقف الرابع من مواقف الموحدين الدنيوية والسياسية:  ولاية العهد.
   وهذا أمر يتصل مباشرة بالسياسة العليا لدولة الموحدين، ويمس في الصميم أحد معتقداتهم، أعني باستمرار الامامة وخلود الأمر فيهم.
    واعتناق الموحدين لهذا المبدأ- وهم المعروفون بتشبثهم القوي بالسنة والدين – فيه ما يؤكد سنية هذه الفكرة لديهم، واعتبارها أساسية لوجود كل دولة إسلامية، تحاول تثبيت قواعد الأمن، وإبعاد البلاد والعباد عن الفوضى والثورات.
     ولهذا فإن الموحدين منذ ظهورهم وضعوا هذا المبدأ في طليعة مهامهم العليا، وهذا ما كان يعنيه بالضبط سؤال مؤسسي الدولة الروحيين- وبالأخص ابن تومرت- عن مصير عبد المومن إثر أخبار هزيمة أول سرية موحدية كانت توجهت لمنازلة المرابطين حول مراكش سنة 517هـ وما يفهمه قوله عندما أخبر بأن عبد المومن ما يزال حيا وعلى قيد الحياة، قال : إذن لم يضع شيء.
    ولا شك أن جملته تلك إيعاز بأن استمرار الدولة رهن ببقاء من يتخيل فيه الذود عنها، وشدة الإيمان برسالتها، وأولى الناس بهذا الإيمان وذلك الذود ولي العهد.
    وقد دعا ابن تومرت إلى المبدأ صراحة، وفي تأكيد قوي، في وصاته التي ألقاها حين أحس بدنو أجله، وإن أيامه على هذه الأرض قد أوشكت نهايتها، قال ابن تومرت يوصي أتباعه في أمر ولاية العهد لعبد المومن.
    ( وقد اخترنا لكم رجلا منكم، وجعلناه أميرا عليكم، وهذا بعد أن بلوناه في جميع أحواله، من ليله ونهاره، واختبرنا سريرته وعلانيته، فرأيناه في ذلك كله ثبتا في دينه، متبصرا في أمره، وإني لأرجو أن لا يخلف الظن فيه).
    تلك بعض المواقف والمبادئ التي تقيد بها القادة الموحدون، وعلى هديها ساروا، ولتحقيقها هدفوا، وفي مجالها – ولاشك –جرب الشعراء والأدباء حظوظهم ومعاناتهم كما سنرى بعد إن شاء الله.


(1)  المرجع قبله (ص) 318.
(2)  المرجع قبله صفحة 281.
(3)   المرجع قبله :201.
(4)  المرجع قبله :232.
(5)  المعجب ص 287.
(6)  المعجب ص 292.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here