islamaumaroc

مع اللغة.-4-

  دعوة الحق

العدد 225 ذو الحجة 1402-محرم 1403/ أكتوبر-نونبر 1982

   أذكر أني لا مست هذا الموضوع في الخمسينات، على ما نشرته ببعض المجلات التي كانت تصدر بتطوان، فوقعت عند هذه الكلمة التي استغربت صوغها، الذي كان يلزم أن يكون مجلى، أو مجلات، نظير ما في اللغات الأخرى من نحو Revista الإسبانية، أو Review  الانجليزية.
    أما مجلة، فالقاعدة تفرض أن تكون مشتقة من "جل" كما هو من "أم" مأم، ومأمة، ومن "بر" مبرة، ومن "نب" متبة.. ومن "ثل" مثلة، ومن "جر" مجرة، وهكذا نقول محبة، ومخدة، ومدبة، ومذبة ومرمة، ومزلة، ومسرة، ومشقة، ومصبة، ومضرة، ومطلة، ومظنة، ومعرة، ومغبة، ومفرة، ومقرة، ومكمة، وملذة، وممرة، ومنمة، ومودة، وميمة.
    فهذه الصيغة يمكن وجودها في جميع الحروف، مكانا أو زمانا أو مصدر ميميا، ولنا الاختيار في اشتقاقها من ذلك كله نعود إلى مجلة، فنجدها كما ننطقها في شتى المعاجم إلا في معجم عثماني، ضبطت بضم الميم.
    ولا التفات لهذا، فقد رويت في بيت للنابغة:
  مجلتهم ذات الإله ودينهم       قويم فما يرجون غير العواقب
إلا أن البيت روى أيضا بالحاء، فيكون هذا من قبيل المحتمل الذي لا يستشهد به.
    نعم، إنها وردت في بعض الأحاديث، بمعنى الصحيفة وعلى القول بالاعتماد على الأحاديث، فإنها تكون مقبولة، كما أنها نسبت إلى لقمان، على أنها صحيفة له فيها حكم ومواعظ، وقد نشر بعضهم، هذه المجلة، في حجم ديوانه الذي عطس به، لعهدنا.
    ويبقى السؤال من أين اشتقت الكلمة، فقيل إنها مفعلة من الجلال، ولكن ماصلة الجلال بموضوعنا الذي نريد؟
     وقيل أن الكلمة ليست عربية الأصل، وإنما هي عبرية، فإن صح هذا، وغالبا ما يكون صحيحا، فإننا سنستريح من معاناة اشتقاقها، ونستروح إلى وجودها، هكذا كما خلقت، في العبرية وانتقلت إلى العربية.
      أما استعمالها في الكناشة، فهو متأخر، بعدما عرفت الصحف، مجموعة من الأوراق مضموما إلى بعض، وإلا فإن الكتب عامة ما كانت بهذه الصورة التي هي عليها الآن بل كانت عبارة عن صحف، مقرطة، ملفوفا بعضها على بعض، في شكل قمطر، وقد قيل في هذا بيت إسلامي
  ليس بعلم ماحوى القمطر         ما العلم إلا ما وعاه الصدر

   التزام السكون في آواخر الكلمات:
ذكر ابن جني في الخصائص أن من العرب من يقف على حرف الإعراب بالسكون، هذا في الوقف خاصة، بل قال غيره بذلك عموما وإن من العرب من يستثقل الحركة في آخر الكلمات أو الألفاظ، فلا ينطقون بها، وهم قبائل مضر، بخلاف قريش، فهم لا يرتاحون إلا لتحريك الأواخر.
   وهذا هو الذي انتهت إليه العربية في عاميتها، فهل هذا الانتهاء رقي فيها ؟
    يرى ذلك بعضهم، ومنهم أستاذنا إبراهيم مصطفى – رحمه الله - كما حكى لي ذلك عنه، الدكتور عبد العزيز الأهواني عليه الرحمة- وسمعت طالبا، يذكره بهذا للدكتور فؤاد حسنين، فاستشاط غضبا، ولم يعبأ بهذه القولة، وجسم الرد عليها، في قوله هل يحمد للإنسان أن يبعثر ملابسه ويخلط بعضها ببعض، ويفضل عمله هذا من ينظم نفسه ويضع كلا في موضعه من الدولاب، أو كما قال رحمه الله: وهو رجل اللغات سامية وغيرها، والمتمكن فيها تمكنا، جعله عصبيا بين الذين امتد به زمنه إليهم من... وقبله قال جرجي زيدان في كتابه فلسفة اللغة، إن آخر ما وصلت إليه اللغات في سلم لغة القرآن، لكونه بلسان عربي مبين، وقال موسى عن نفسه "يضيف صدري ولا ينطلق لساني" وطلب  من الله أن يرسل معه أخاه هرون، كما طلب منه أن يحل عقدة من لسانه، وقال عن أخيه هو أفصح مني لسانا.
     نعم أن قريشا نفسها كانت لا تغير الأب في الكنية، بل تجعله بالواو في كل في نوادر أبي ززيد عن الأصمعي.
     وبهذا الذي عملت قريش، وقعت قراءة "تبت يدا أبو لهب، واستحسن هذا في الإعلام خاصة، لأن الواضع جعلها كذلك.
         نيابة الضمائر بعضها عن بعض:
      نجد ضمير الرفع المنفصل، يقع موقعا غير الرفع أحيانا، فهو حينئذ يؤكد الضمير المتصل الواقع موقع الجر أو النصب، كما قال الخماسي "أني أنا الموت".
      وقال غيره:
    أو فاعلموا أنا وأنتم          بغاة ما بقينا في شقاق
  وجعل النحاة هذا مطردا في التكيد في رواية من لم يعلق في غير ورد في حديث نعيم بن مسعود – في غزوة الخندق- أنه أتى بني قريظة فقال لهم: إن قريشا وغظفان ليسوا كأنتم، أدخل على المتصل إلا نزرا كما تأتي:
    وكذلك الضمائر المتصلة فإننا نجد بعضها كذلك واقعا في غير موطنه، كما في لولاك ولولاء وعساك وعساه.
     قال سيبويه في هذا والجمهور، هي لن لولا جاره للضمير، مختصة به كما اختصت حتى والكاف بالظاهر، ولا تتعلق لولا بشيء وموضع المجرور بها رفع بالابتداء والخبر محذوف، وبهذا أجراها مجرى رب، وهي أيضا مختصة بالظاهر، كما في الخلاصة:
 بالظاهر أحصص منذ مذ وحتى
                  والكاف والواو ورب والتــا
وما رووا من نحو ربه فتى
                   نزر كـذا كهـا ونحـوه أتى
    ولولا غير جارة، ولكنهم أنابوا الضمير المخفوض عن المرفوع، كما عكسوا إذ قالوا ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا قال ابن هشام في الغنى، إن النيابة إنما وقعت في الضمائر المفصلة، لشبهها في استقلالها بالأسماء الظاهرة، فالعطف عليه اسم ظاهر، نحو لولاك وزيد، تهين رفعه.
   من ذلك  الفصل بين قد ومدخولها، كما حصل الفصل بين سوف ومدخولها، كما نجد في هذا البيت:
 لعمر أبي لقد أصحاب مصر           على طول الصحابة أوجعونا
     إذ التقدير "لقد أوجعونا" ولكن تقدم الفاعل فأصبحت الجملة اسمية وصار فعلها خبرا لها، وتضمن كل ذلك الاعتراض بعلي طول الصحابة، فكان هنا تقديم ما كان مؤخرا إلى جانبه الاعتراض، والبيت لأم الهيثم بنت الأسود النخعية، جاء في رثاء لها لعلي بن أبي طالب صبر كان متعديا، فأصبح قاصرا، دليل ذلك قوله تعالى "واصبر نفسك".
   ومن هذا المتعدى القتل صبرا، أي حبسا، يموت به المصبور جوعا، ومنه بمعنى الحبس قول الشاعر:
  فصبرت عارفة لذلك حرة        ترسو إذا نفس الجبان تطلع
    وقول الآخر:
 قلت لها أصبرها جاهـدا         ويحك أمثال طـريف قليل
  فلما حذف المفعول وتوالى حذفه تنوسي فصار الفعل قاصرا، كما تقدم في أصاخ وأنصت وأقام، وقد وقع هذا الحذف في عدة آيات كذلك مثل " فاصبر كما صبر أولو العزم" و"واصبر وما صبرك إلا الله" و"لمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور".
    ولا شك أنه سيأتي وقت تصبح فيه "غفر" أيضا قاصرة، وقد بادرت العامية بذلك، فقالت: "تغافروا" في مناسبات الأعياد الدينية، فقال بعضهم لبعض " اللهم أغفر لنا ولك" نعت النكرة بالمعرفة ونعت المعرفة بالنكرة، لا يسيغه النحو، كقاعدة عامة له، ولكن الواقع يجيز ذلك، بل هو موجود في القرآن الكريم، قال "ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا" فاسم الموصول مع صلته صفة لهمزة، والذي سوغ ذلك المعنى المقصود به شخص بعينه، فنزل منزلة العلم – كما أرى أنا ذلك- فهو، كما عند الأصوليين، عام أريد به الخصوص، فالنظر إلى المعنى حول مجرى القاعدة العامة، كما تقدم، ومن ذلك "فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان" فإن "الأوليان" المعرفة صفة "آخران" النكرة.
     والمسوغ لهذا في الآية الأخيرة، أن النكرة "آخران" لما وصفت بالجملة بعدها، أصبحت كأنها معرفة، لهذا نعتت بالتعريف قاله الأخفش أما العكس، وهو وصف المعرفة بالنكرة، فكقول الشاعر:
وللمعني رسول الزور قوا فإن "قواد" صفة للمعني وكذلك قول الأخر:
 في أنيابه السم ناقع
     فإن "ناقع" صفة للسم جوز هذا ابن الطراوة فيه، لأن ناقع خاص بوصف السم، فكأنه معرف به وهذا التعليل أن تأتي في هذه، فإنه لا يدر فيما قبلها.
       وخصص الكوفيون التخالف بينهما في المدح والذم، وأطلق آخرون، كما نص على ذلك السيوطي في جمع الجوامع ويشهد للكوفيين الأمثلة السابقة، وأن القطع في النعوت، يبيحه المدح والذم، فكأن تلك النعوت السالفة، إنما جاءت جوابا لسؤال مقدر كلمة الحمى، كانت جمع حمية، على القياس "ولفعلة فعل" كما في الخلاصة، إذا الحمية ما حمي من الأشياء، والأصل في هذا المصدرية، من حمى يحمي حميا وحمية وحماية، ومن وروده مورد الجمع – كما أرى- الحديث "الاوان حمى الله محارمه" فتنسجم بذلك المحارم مع الحمي في الجمعية إنسجاما يقره الذوق والطبيعة، ولا يعدل عن ذلك إلا بضرورة، لا محل لها هنا، ثم صار "الحمى" يستعمل كأنه مفرد، وثني فقيل "حميان" على قاعدة "آخر مقصور تثني اجعله يا... كذا الذي اليا أصله نحو الفتى... وفسر بله ما يحمى ويدافع عنه.
    قبل أن تظهر الطبعة الأخيرة لكليلة ودمنة، كنت قد حضرت على أستاذنا الدكتور عبد الوهاب عزام – رحمه الله – محاضرة –ضمن أخرى- حول الأثر الفارسي في ترجمة ابن المقفع، فكان من ذلك الأثر الذي ذكره، أنه يستعمل أحيانا اسم الإشارة بدل ضمير الغائب، وقد آخذت بذلك وقررته في تدريسي، قبل أن أعلم بالطبعة المذكورة، ولنفس الأستاذ –رحمه الله –إخراجها.
   لكني وأنا أتلو القرآن الكريم، وجدت هذا الصنيع في العربية الخالصة، وفي نحو قوله تعالى:
   الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله، فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل إن ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها إن (ذلك) لمحيي الموتى.
     فإن "ذلك" هذه قامت مقام الضمير، إذ التقدير بدل إن ذلك "إنه" لمحيي الموتى، كما ورد هذا في آية أخرى وكذلك وجدنا الصنيع نفسه في قوله تعالى:
 
ألم يك نطفة من مني تمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى فاسم الإشارة هنا كذلك قام مقام الضمير الذي يعود على الرب في قوله:
" إلى ربك يومئذ المستقر".
وهو معاد الضمير كذلك المستتر في "فخلق".
 وبهذا لا يكون الضمير عائدا على أقرب مذكور، كما يقول أصحاب القواعد النحوية العامة، إذا ما قبل هذه الجملة فجمل تخص الإنسان "ألم يك نطفة من مني تمنى ثم كان علقة" أما "خلق فسوى" إلى آخره، فتخص الله الخالق وبعض اللغات كالتركية لا تفرق بين ضمير الغبية واسم الاشارة للبعيد فكلمة (أو) في التزكية تعنى الإشارة إلى المفرد والضمير و"أونكر" كذلك في الجمع.
    ومقامات الإشارة، بعيدة كانت أم قريبة، تناولها البلاغيون، ولكن ذلك مأخوذ على العموم، ولا نريد نحن هنا إلا قضية إحلال الإشارة محل الضمير، مما عرفته العربية وليس خاصا بالفارسية ولغات أخرى من فصيلة الهند أوربية، كالتركية والاسبانية.
    وقد ظهر لي أن الإشارة في هذه الأخيرة أليق من الضمير، حيث أن معاده ابتعد عنه بعدة آيات، بخلاف السابقة فيمكن أن يناط به الملحظ البلاغي القاضي فيه بالتعظيم، كما في "ذلك الكتاب لاريب".
     كاف الخطاب في الإشارة تطابق وقد لا تطابق، فمن التطابق قوله تعالى: " ذلكم الله ربكم" ومن غير التطالمتطابق قوله تعالى: "تبغون عرض الحياة الدنيا" فعند الله مغانم الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم.
       وهنا ظهر لي أيضا أنه لم يطابق هنا، لأنه لو حصل التطابق، لكان القلق في النطق، كما نحسه أن كان "كذلكم كنتم" فتقلق الحركات بالسكنات على التوالي .
        وهذا القلق هو الذي استوجب كسر عين "يرتع" في قراءة ورش أرسله معنا إذا يرتع ويلعب".
        تتفق الألمانية مع العربية، في تعدد جموعها، وفي تذكيرها للقمر وتأنيثها للشمس، وفي تقديم الآحاد على العشرات دائما، والعقود من 29 إلى 90، وأن بعض أسمائها تكون دالة على المفرد أنا وعلى الجمع أنه أخرى، كما أنها سمت الأرض باسمها العربية Erde  "إردي" أرض بخلاف الانجليزية التي سمتها باسمها العبري.
  "إرث" = أرض، أما غيرهما فسموها باسم مشترك بينهما وبين التراب وبذلك قلنا "التراب الوطني" وهذا موجود حتى في العربية، ومن شواذ القراءات "فسيحوا في الطين" بدل فسيروا في الأرض وهذا الطين هو بعينه Tierra   في الإسبانية نحوه في الرومانية والفرنسية واللغات المنبثقة من اللاتينية كالإيطالية.
  من العرب من يجزم بعوامل النصب، فإن أبا الحسن اللحياني حكى في نوادره أن بني ضبة، يجزمون بها، ثم أنشد لشاعرهم بيتا هكذا:
   وأغض من أشياء منك تريبني
                      أغمض عنها لست عنها بذى عمى
    كما أن بيتيه وأولهما:
إذا الاخلاء لم تحمد غيوثهم
               وخان ميثاقهم في البعد أو حالا
  نظرا فيهما إلى معاصره أيضا عمر الخيام، حيث قال من شعره العربي:
 زجيت دهرا طويلا في التماس أخ
                          يرعى ودادى إذا ذو خلة خانا
فكم ألفت وكم أخيت غير أخ
                         وكم تبدلت بالاخـوان إخوانا
وقلت للنفس لما عز مطلبها
                        بالله لا تألفي ما عشت إنسانا
 وبمثل صدور هذا الكلام الحصيف عن عمر الخيام، ندرك أن هذا الرجل ظلم من الدارسين الذين انصاعوا إلى الأوربيين، فحملوا عليه من أوقار لم يكن له يد ولا لسان في صنعها، وأذكر أني نفسي، نشرت وكتبت إلى معالي وزير التعليم، منتقدا تسمية ثانوية باسم عمر الخيام، لما أشيع عنه من تلك الرباعيات الهدامة الإلحادية المدمنة الشاردة، وكم من تهم تلصق بالناس فتغلف حقائقهم بالظلمات، وتنور أصحابها الظالمين وتحوطهم بالهالات، ولكن التاريخ لا يظلم الناس طويلا، وسرعان ما يذهب الزبد جفاء، ويمكث في الأرض ما ينفع الناس، كما قضى بهذا القرآن الكريم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here