islamaumaroc

أبو بكر عبد الرحمان بن سليمان البلوي

  دعوة الحق

العدد 225 ذو الحجة 1402-محرم 1403/ أكتوبر-نونبر 1982

  في إطار حديثنا عن رجالات سبتة المغمورين نذكر أبا بكر عبد الرحمان بن سليمان البلوي، ونجهل كل شيء عن حياته الأولى، وكل ما نعرف أنه من أهل سبتة-كما يذكر أبو محمد بن حزم(1)، وأنه رحل إلى الأندلس في طلب العلم، كان من رفاق ابن حزم الإمام الشهير، يختلفان إلى حلقات الدرس، ويتذكران شئون الأدب، وربما أنشد كل منهما الآخر ما عنده من شعر، وكان لهما رفيق ثالث يكبرهما قليلا، قدم من فاس تحدوه رغبة ملحمة في سبيل العلم، وهو أبو علي الحسين بن علي الفاسي(2)، ورغم ما اشتهر به من نسك ووقار، وفضل وصلاح، فقد كانت له أريحية أدبية، تطربه الكلمة الشاعرة، ويهزه الغزل الرقيق، حدث ذات مرة أن أنشد مترجمنا أبو بكر البلوي، أبياتا له في صفة متجن معهود، يقول فيها:
سريع إلى ظهر الطريق وأنه
                    إلى تقض أسباب المودة يسرع
يطول علينا نرقع وده
                    إذا كان في ترقيعه يتقطع(3)
-وكأنه يعني أن التجني قد يدعو إلى الهجر والعتاب، ويحسن إذا كان في لطف وإشفاق:
"وفي العتاب حياة بين أقوام(4)
يقول ابن حزم: (ولعمري إن فيه-إذا كان قليلا- للذة، وأما إذا تفاقم، فهو فأل غير محمود، وأمارة وبيئة المصدر، وعلامة سوء، وهي- بجملة الأمر-مطية الهجران، ورائد الصريمة، ونتيجة التجني، وعنوان الثقل، ورسول الانفصال، وداعية القلى، ومقدمة الصد..(5).
       ولقد أحسن أبو محمد إذ يقول:
لعل بعد عتبك أن تجودا
                بما منه عتبت وأن تزيدا
فكم يوم رأينا فيه صحوا
                وأسمعنا في آخره الرعودا
وعاد الصحو بعد- كما علمنا
                وأنت كذاك نرجو أن تعودا(6)            
وللأسف أن معظم تراث مترجمنا أبي بكر قد ضاع، وعدت عليه عوادي الزمان، ومن حسن الحظ أن تخطئ عين الدهر- وهو البصير الحاد- قطعة أخرى من شعره، أوردها الحميدي في جذوته(7)، وقد خاطب بها أحد أصدقائه من أهل الكلام- يمازحه ويستهديه كسوة، يقول فيها:
أيا هضبة الآداب دعوة واله
                   يناديك منبت القوى ويثوب
ويا أيها المشغول عن فرط لوعتي
                   بشيطان أهل الطارق يلهو ويلعب
ومستهترا دوني بصالح قبة
                  وذلك باب للضلال مخرب
   إلى أن يقول:
وقد أخلقت أثواب عبدك وانطوى
                  على جمرة في صدره تتلهب
(وأنت العليم الطب أي وصية
                   بها كان أوصى في الثياب المهلب)
والقصيدة طويلة، حشدها اقتباسات، وتلميحات، وعلمية، وأدبية، وتاريخية، والبيت الأخير الأبي تمام(8)، ضمنه وصية المهلب لبنيه- قائلا:
(يا بني أحسن ثيابكم         مان كان على غيركم(9)
-مشيرا إلى فضيلة الكرم، والإحسان إلى الناس.
  وقد أورد الحميدي ترجمة مختصره(10) لأبي بكر البلوي، وهي –في جملتها- لا تتجاوز ما ذكره عرضا- أبو محمد بن حزم في طوق الحمامة(11) –إذا استثنينا الأبيات السالفة، ويلاحظ:
1- أنه لم يذكر نسبته إلى سبتة، أو أنه من الغرباء- على عادته في تراجم الوافدين على الأندلس- في الغالب الأعم.
2- ذكر أنه أديب شاعر في حدود الأربعمائة، والمحتمل أنه في هذا التاريخ ورد على الأندلس وطوق بها، ودخل قرطبة وهي تعج بالعلماء والأدباء، فأخذ عن مشايخها، وقد غادرها أيام الفتنة في حدود (403 هـ)- كما غادرها كثير من أهل العلم والأدب، أمثال صاعد البغدادي، وأبي القاسم عبد الرحمان بن أبي يزيد الأزدي، وقد عاد إلى مصر، وتوفي بها سنة (410هـ)،(12) وأبى علي الفاسي، رحل إلى المشرق، وتوفي في طريقه إلى الحج قبيل سنة (417هـ)، وحتى ابن حزم نفسه قد اكتوى بنارها، واصابته شرارات كادت تودي بحياته، فلم يستطيع المقام بقرطبة(13)، فرحل إلى المرية، ومنها إلى بلنسية، ثم إلى جهات أخرى بشرقي الأندلس- وكانت أولى مصائبه.
والمرجع أن يكون أبو بكر- مترجمنا- قد عاد إلى وطنه، واختفى عن زملائه الأندلسيين، وإلا لعرفه الحميدي، ولأخذ عنه كما أخذ عن معاصريه، ولما أبعد النجعة، فجعله من أهل المائة الرابعة،(14) وهو-بلا شك- من رجال المائة الخامسة، على أننا تعودنا مثل هذه المجازفات من الحميدي، فقد جعل ابن عبدون اليابري من أهل المائة الرابعة، وهو-قطعا من رجال المائة الخامسة، وقد توفى سنة(529هـ)(15).
       ويبدو من صنيع ابن حزم في طوق الحمامة، أن أبا بكر البلوي كان في حدود سنة(418هـ)- لا يزال على قيد الحياة، ذلك أنه عندما يذكر أبا علي الفاسي، لايذكره إلا مقرونا بدعاء الترحم (رحمه الله)، والشأن أن لا يقال ذلك، إلا في حق من فارقوا هذه الحياة، بل أنه صرح بذلك وقال: أنه توفي في طريقه إلى الحج،(16) بينما يذكر أبا بكر مجردا من ذلك، ولا يشير إلى تاريخ وفاته لا من قريب، ولا من بعيد، ومعلوم أن تأليف ابن حزم لطوق الحمامة، كان ما بين سنة (417هـ)- وسنة (418).
    ومن خلال كل هذا، نستطيع أن نقول، إن مترجمنا أبا بكر البلوي، ولد في حدود الربع الأخير من المائة الرابعة للهجرة بمدينة سبتة، وبها نشأ وتعلم، ثم رحل إلى الأندلس، وانتهى به المطاف إلى قرطبة، فأخذ عن شيوخها الأعلام، والتقى برجال الفكر بها، وساجل العلماء والأدباء، وكان عالما أدبيا، وشاعرا مفلقا، اشتهر بأدبه في حدود الأربعمائة، وكان في سنة (318هـ) لا يزال على قيد الحياة، ولا نعرف بالضبط- متى توفي؟ وهو – بلا شك- من أهل القرن الخامس الهجري.
    أما تراثه الأدبي، فقد ضاع معظمه، ولم يصلني منه إلا بضعة بيات، وهي التي أوردناها في هذه العجالة، وعسى الأيام تكشف عن ذلك، والله الموفق، والهادي إلى أقوم طريق.

(1)  انظر طوق الحمامة ص72.
(2)  نفس المصدر.
(3)  المصدر نفسه.
(4)  شطر بيت من قصيدة لعصام بن عبيد الزماني، انظر ديوان الحماسة لأبي تمام ج 2 ص4.
(5)  انظر طوق الحمامة ص 72.
(6)  نفس المصدر.
(7)  انظر ص 254.
(8)  من قصيدة له يخاطب علي بن مرو ويستهديه فروا- انظر الديوان ص 44.
(9)  انظر وفيات الأعيان ج2/192.
(10)  انظر ص 254.
(11)   انظر ص72.
(12)  انظر الصلة 1/337.
(13)  انظر طوق الحمامة ص 111-112.
(14)  انظر الجذوة ص 342
(15)  انظر الصلة 1/369، ودائرة المعارف الإسلامية 1/229.
(16)  انظر طوق الحمامة ص 72.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here