islamaumaroc

ابن فضلان يصف مبارزة اسكندنافية

  دعوة الحق

العدد 225 ذو الحجة 1402-محرم 1403/ أكتوبر-نونبر 1982

   (منذ ألف سنة، أوفد الخليفة العباسي (المقتدر) (أحمد بن فضلان) سفيرا له إلى ملك (البلغــــار)، فاختطفه السكندينافيون، وأخذوه إلى بلادهم ليدرأوا به النحس في حربهم مع غيلان الضباب بكهوف الشمال.
      وعاد بعد أن رأى العجائب والأهوال، ليسجل في تقريره المسهب إلى الخليفة وقائع رحلته. فجاء تقريره صورة دقيقة حية لأهل الشمال المتخلفين المتوحشين في ذلك العهد، وأصبح وثيقة هامة في تاريخهم القديم.
       ونظرا لأهمية التقرير، كلفت جامعة (اوسلو) النرويجية الدكتور (ييرفراوس دولوس لجمع ما أصبح يسمى رسالة (ابن فضلان) الضائعة في بطون الكتب العربية والأجنبية بعدد كبير من اللغات، وقضى الدكتور (دولوس) سبع سنوات في جمعها.
    وجاء بعده الكاتب الروائي الأميريكي (مايكل كريتشتن ليصوغ التقرير الدبلوماسي في قالب روائي عصري، ويخرجه في قالب مشوق مثير.
       وقد نقل كاتب هذه السطور التقرير إلى العروبة، مضيفا إليه ما كان عثر عليه الدكتور (سامي الدهان)-رحمه الله- من فقرات الرسالة، ونشره تحت عنوان (رسالة ابن فضلان)(1).
     وهذه صفحات من تلك المغامرات الرائعة ترى النور لأول مرة باللغة العربية، في انتظار صدور المخطوط بأكمله.
   تقع مملكة (روثغار) في مكان ما بما يسمى اليوم (بالسويد). وكان الملك (روثغار) شيخا عاجزا أمام محاولات الاكتساح التي كانت تتعرض لها عاصمته من قوم شبيهين بالبشر يدعون (بالفيندول)، أو غيلان الضباب. لأنهم كانوا يهاجمون مع بداية نزول الضباب في أول الليل بأصقاع الشمال الباردة. فأرسل ابنه للاستغاثة (بيوليويف) الأمير الشجاع الذي كان يتاجر في بلاد الجنوب حيث التقى به (ابن فضلان) في جنازة قائد معسكره السابق.
     واستجاب (بيوليويف) لاستغاثة الملك (روثغار) صديق والده، وأسرع صحبة إثنى عشر من رجاله الأشداء، ومعهم (أحمد ابن فضلان) الذي نصحتهم قهرمانتهم بأخذه لدرء النحس عنهم.
    وفي مملكة (روثغار) واجه (بوليويف) ورجال (الفيندول) بشجاعة عند هجومهم تحت ستار الضباب المسائي الكثيف.
     ويقع الحدث الذي نثبه الآن أثناء ترميم التحصينات في اليوم الثاني لهجوم (الفيندول).
  في انتظار المعركة:
وفي اليوم التالي لم تكن تهب ريح، وانكب جميع أهل مملكة (روثغار) على العمل في بناء التحصينات بجد وخوف. وكان الكلام في كل مكان من (الكورغن)(2).
  وعن تأكد هجومهم تلك الليلة.
   وكانت آثار المخالب على وجهي توجعني، كانت تخزني وهي تندمل، وتؤلمني كلما حركت فمي لآكل أو أتكلم فقد كانت حمى القتال قد ذهبت عني، وعاودني الخوف مرة أخرى، وعملت في صمت إلى جانب النساء وكبار السن من الرجال.
   وعند الزوال زراني النبيل العجوز الذي لا أسنان له والذي تحدثت معه أثناء المأدبة بالقصر، بحث عني هذا  النبيل العجوز، وقال لي باللغة اللاتينية، "أريد أن أتكلم معك".

     المـؤامــــــرة:
  وقادني إلى دكة بعيدا عن العاملين بخطوط الدفاع ببضع خطوات، وفحص جروحي بجركات مسرحية كبيرة، رغم أنها، في الحقيقة، لم تكن خطيرة، وبينما كان يفحص الجروح قال لي.
    "عندي إنذار لرفاقك، فهناك ما يشغل قلب (روثغار).
     قال هذا باللغة اللايتينة.
     فقلت :"ماسببه؟".
      قال: " إنه الحاجب، وكذلك ابن الملك، (ويغليف)، الذي يقف إلى جانب أذن الملك، (يعني يؤثر عليه) وكذلك صديقه، (فويغليف)، يقول (لروثغار) أن (بوليويف) وأصحابه عازمون على قتل الملك، وحكم المملكة".
    فقلت رغم أنني لا أعرف ذلك:
   " هذا ليس صحيحا"
    وفي الواقع، كنت أفكر في ذلك من حين لآخر، فقد كان (بوليويف) شابا قويا. و (روثغار) شيخا ضعيفا. ورغم أن عادات الشماليين غريبة، فإن البشر جميعا في الحقيقة أشباه.
   قال لي النبيل العجوز: " أن الحاجب و (ويغليف) يحسدان (بوليويف)، وهما لتقول للآخرين أن يحذروا، فهذه أفعال جديرة (بباسيق).
    وبعد ذلك أخبرني بأن جرحي غير خطير، وذهب، وعاد بعد ذلك ليقول لي:
  " أن صديق (ويغليف) هو (راغنار)".
   وذهب دون أن يلتفت إلى مرة أخرى.
    وأخذت أحفر، وأعمل بجد عظيم حتى وجدت نفسي قرب (هيرغر). وكان مزاجه ما يزال عكرا كما كان من قبل، فحياني بهذه الكلمات:
   " لا أريد سماع أسئلة أحمق".
    فقلت له: " ليس لي أسئلة".
    وقلت له ما قاله لي النبيل العجوز، وقلت له كذلك إن الأمر جدير بالباسيليسق(3).
بمحضر جميع أصحاب (بوليويف)، وأهل مملكة (روثغار) الذين أحدقوا بالمكان.
  وكنت أنا الاخر هناك، ولكن ليس في المقدمة.
   وكنت أتعجب من كيف نسى القوم خطر (الكورغون) الذي أطار صوابهم من قبل. فلم يهتم أحدهم البته بشيء غير المبارزة.
   وهكذا جرت المبارزة بين (راغنار) و( هيرغر)، فقد ضرب (هيرغر) أول ضربة لان التحدي جاء من غريمه فرن سيفه رنة عظيمة على ترس (راغنار).
   وخفت على (هيرغر)، لأن الشاب كان أضخم منه كثيرا وأقوى، وفعلا، فقد أطارت ضربة (راغنارا) الأولى الترس من قبضة (هيرغر)، فنادى هذا على ترسه الثانية.
   واشتبك المتقاتلان بعنف شديد، ونظرت مرة إلى (بوليويف) الذي كان وجهه خاليا من كل تعبير، ثم إلى (ويغليف) والحاجب على الجانب المقابل، وكانا يسترقان النظر إلى (بوليويف) باستمرار أثناء المعركة الحامية.
    وانكسرت ترس (هيرغر) مرة أخرى، فنادى بالثالثة والأخيرة، وبدأ الإرهاق على (هيرغر)، وتصبب وجهه عرقا.
    واحتقن من الجهاد، أما (راغنار) الشاب فكان يقاتل بسهولة، ودون كبير عناء.
    وانكسرت الترس الثالثة، وبدأ الياأس على (هيرغر)، أو هكذا خيل إلي في لحظة عابرة، ووقف بقدميه ثابتا على الأرض، وانحنى يتنفس بصعوبة، وقد كاد يقتله الإرهاق.
    واختار (راغنار) هذه اللحظة للانقضاض عليه، ولكن (هيرغر) تجبنه بسرعة جناح الطائر، فطعن (راغنار) بسيفه الهواء الفارغ، وحينئذ رمى (هيرغر) بسيفه من يد إلى إخرى، فهؤلاء الشماليون يحسنون القتال باليدين، معا.
     وبنفس القوة، وبسرعة استدار وقطع رأس (راغنار) من الخلف بضربة واحدة من سيفه.
     ورأيت الدم يتفجر من عنق (راغنار)، ورأسه تطير في الهواء نحو جمهور الحاضرين، وشاهدت بعيني الرأس تسقط على الأرض قبل أن يهوي الجسد.
     وخطا (هيرغر) جانبا، وهناك فقط  أدركت أن المعركة كانت خدعة، فلم يعد (هيرغر) يلهث ويتهالك، بل وقد دون أن يبدو عليه علامة إرهاق، ودون أن يهتز صدره، وقد أمسك بسيفه دون عناء، وظهر عليه أنه قادر على قتل دستة من مثل هذا الرجل.
   ثم نظر إلى (ويغليف). قال:
     "شرف صديقك".
    وقال لي (هيرغر). ونحن نغادر مكان المبارزة، أنه استعمل الحيلة ليعلم (ويغليف) أن رجال (بولويف) ليسوا محاربين أشداء وشجعانا فقط، بل ما كرين كذلك وقال: " إن هذا سيزرع في قلبه خوفا أكثر، ولن يستطيع أن يتكلم ضدنا".
     ورغم ذلك (هيرغر) لم يكن سعيدا، ولا كان بوليويف، هو الآخر، مسرورا، فقد بدأت طلائع الضباب تتجمع في أعالي التلال مع اقتراب المساء.
     وفي اعتقادي انهما كانا يفكران في (راغنار) الذي قتل، وهو الشاب القوي الشجاع، والذي كان يمكن أن ينفع في المعركة القادمة.
     وقد قال لي هيرغر:
     "لا نفع لأحد في رجل ميت".

(1) الكتاب(3) من سلسلة (المختار من التراث العربي) الصادر عن (مجمع اللغة العربية بدمشق) سنة 1959.
(2)  جيش (الفيندول) الذي كان صفه اللامع بالليل يشبه تنين (الكورغون).
(3)  ابن فضلان لا يصف Basikal  ويظهر أنه يفترض أن قراءه يعرفون ذلك المخلوق الأسطوري الذي يظهر في معتقدات جميع الثقافات الغربية . و (الباسيليسق) معروفة كذلك باسم الأصلة Cockatrice  وهي حية خرافية إذا نظرت إلى الواحد سرعته، ويقال أنها نوع من الديوك لها ذيل حبة، وأربع أرجل وبعضها له قشور كقشور السمك بدل الريش، ونظرته قاتلة كنظرة (الكورغون)، وسمه مميت بشكل خاص، وحسب بعض الحكايات فإن الذي يطعن الباسيليسق يرى السم ينتقل من الحيوان  عبر السيف إلى يدم ويكون على الشخص أن يقطع يده لوقاية جسده.
 وربما كان هذا الإحساس بخطر الباسيليسق هو الذي جعله يذكر هنا.
فالعجوز النبيل يقول لابن فضلان أن المواجهة المباشرة مع أصحاب الفتنة لن تحل المشكلة. والجدير بالذكر أن إحدى الطرق للتخلص من الباسيليسق هي جعله يرى نفسه في مراه. فعند ذلك يقتل نفسه بنظرته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here