islamaumaroc

افتتاحيات البخاري.

  دعوة الحق

العدد 225 ذو الحجة 1402-محرم 1403/ أكتوبر-نونبر 1982

تعريف:
لعل الإفتتاح أو افتتاحيات الجامع الصحيح لأبي عبد الله البخاري، مما اختص به المغاربة وانفردوا، وكان من مبتكراتهم العلمية، وتأليفهم وإنشاآتهم الحديثية، وقد قصروا تلك الافتتاحيات على صحيح البخاري وحده، دون بقية كتب الحديث أو الفنون الأخرى، فلم تعرف لهم افتتاحيات  لكتاب الموطأ لمالك، أو لصحيح الإمام مسلم، أو لبقية الكتب الستة وغيرها من الكتب الحديثية والعلمية، كالنحو والفقه والأصول وغيرها، على كثرة عناية المغاربة بكتاب الموطأ، وصحيح مسلم وشدة اهتمامهم بهما خاصة.
وقد كان الأمر في الإفتتاحيات، على عكس الختمات التي لم تكن قاصرة على صحيح البخاري وحده، عند الإنتهاء من قراءته واقرائه، إذ مثلما كان يعقد المحدثون والعلماء مجالس لختم صحيح البخاري – كما سنفصل فيما بعد- كانت تعقد مجالس لختم مسلم والترمذي وغيرهما من بقية الكتب الستة، كما عرفت العلوم الأخرى مجالس الختم، كالمختصر والأجرومية وابن عاشر وغيرها، وناهيك بختمة الاجرومية للشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني بجامع القرويين، ومجالس الختم التي عقدها سيدي جعفر وولده سيدي محمد بن جعفر الكتاني وغيرهما.
أما افتتاحيات صحيح البخاري فهي من مبتكرات المحدثين المغاربة، ومن منشآتهم العلمية، غير مسبوقين إليها –فيما نعلم- كما أنها خصت بصحيح البخاري دون غيره من بقية كتب الحديث، ومن دون بقية العلوم الأخرى.
لذا كانت مظهرا فريدا، من مظاهر اهتمامهم بدراسة الجامع الصحيح، والعناية به، وتفرغهم الكامل لدراسته وتدريسه، وقراءته وسماعه وإسماعه وإفراغ الجهد والطاقة، لتفهم معانيه وألفاظه، والتعمق في دراسة متونه وأسانيده.

 مجالسها:
وقد تصدى لعقد مجالس الإفتتاح، المحدثون النابغون من المغاربة، المتفرغون لدراسته وتدريسه، حيث عرفت مراكز الثقافة، من مساجد وزوايا ومدارس بمدن المغرب وقراه، مجالس حافلة لافتتاح البخاري، من طرف العلماء والمحدثين، أمثال الشيخ عبد القادر الكوهن في افتتاحيته  المشهورة، والتي عقدها وأملاها في محفل كبير وجمع عظيم سنة 1252هـ وهي مطبوعة، وافتتاحية صحيح البخاري المسماة "بسملة الصحيح والسند إلية لأبي عبد الله محمد بن أبي الفيض حمدون بن الحاج، وافتتاحية الشيخ فتح الله بناني المطبوعة سنة 1347 والتي سماها "رفد القارئ بمقدمة افتتاح صحيح الإمام البخاري" وافتتاحيات المحدث المدني بن الحسني الثلاث ولدينا الثالثة منها والمسماة "ثالث افتتاح لأصح الصحاح" وقد أملاها في أول رجب سنة 1343 إلى غير ذلك من الإفتتاحيات التي ستذكرها في آخر هذا المبحث، على أن تقدم دراسة مركزة عن هذه الإفتتاحيات الأربع، كنموذج للإفتتاحيات المغربية وتعريفا بهذا الفن من فنون الحديث الذي ابتكره المغاربة وسبقوا فيه غيرهم، وكان مظهرا من أروع مظاهر اهتمامهم بالصحيح.

عناصرها :
 تتركز عناصر الإفتتاحيات على ما يلي:
- الكلام على فضل العلم والعلماء ومجالسه وتعليمه وخاصة علم الحديث. 
- الكلام عن سبب اقتصار البخاري على البسملة مكتفيا بها عن الحمد لتضمنها معناه اقتداء وجربا على سنن الصدر الأول، وفي مقدمتهم النبي صلى الله عليه وسلم في رسائله.
- الكلام على سبب تصدير الجامع الصحيح بترجمة بدء الوحي بيانا لمقصد المؤلف من كتابه.
- التعريف بالبخاري حياته ونشأته وفضله.
- الكلام عن الجامع الصحيح وكيفية تأليفه.
- الكلام على الإسناد والسند إلى البخاري.
- شرح حديث النية متنا وسندا.
بالدعاء والصلاة على النبي الكريم .(1)
- وائل صحيح البخاري(2)
 مصطفى بن محمد القسطموني ألفه سنة 981هـ/
- مقدمة على صحيح البخاري(3)
محمد بن قاسم بن محمد جسوس المتوفى سنة 1182/1768
توجد بالخزانة العامة تحت عدد 478 د وهي بخط المؤلف.
- نفحة المسك الداري لافتتاح صحيح البخاري
حمدون بن الحاج المتوفى سنة 1232 هـ 
- افتتاح صحيح البخاري(4)
 عبد القادر بن أحمد الكوهن الفاسي المتوفى سنة 1254هـ توجد بالخزانة العامة تحت عدد 1746 د.
- رسالة في مناسبة ابتداء البخاري (5) بقوله كيف كان بدء الوحي.
محمد بن محمد بن قدور المراكشي اليزمي المكنى بالأبيض المتوفي سنة 1270/1835
بقوله كيف كان بدء الوحي
- بسملة صحيح البخاري والسند إليه
 محمد بن أبي الفيض حمدون بن الحاج السلمي تـ 1274/1858 بالخزانة الملكية في مجموع تحت عدد 137/2 من ص 93 إلى ص 126.
- رفد القارى بمقدمة افتتاح صحيح الإمام البخاري(6)  الشيخ فتح الله بناني طبعت سنة 1347 بالمطبعة الأهلية بالرباط
- مقدمة الرعيل لجحفال محمد بن اسماعيل المدني بن الحسني ت 1378 / 1958 
- الميدان الفسيح من بسملة الصحيح (7) وهو ثاني افتتاح له المدني بن الحسني أيضا كان في أول شعبان 1342.
- ثالث افتتاح لأصح الصحاح 
لنفس المؤلف يوجد بالخزانة الملكية ضمن مجموع تحت عدد 1821د.
دراسة افتتاحيات نموذجية
1- افتتاحية الشيخ الكوهن:
لقد بدأ الشيخ عبد القادر الكوهن افتتاحية للجامع الصحيح بالبسملة والحمد لله والصلاة على رسوله سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ذاكرا " بأنها منح الهية، ومواهب اختصاصية واشراقات قدسية وامدادات نبوية من بها بارئ البريات وتفضل بها مجزل العطيات جعلتها كالشرح لترجمة بدء الوحي مع حديث إنما الأعمال بالنيات من كتاب الجامع الصحيــح..."(8)
      وقد ألمح إلى أنه رجع في شرحه لهذا الحديث إلى زهاء ثلاثين مؤلفا وأتى فيه بالغرائب، واللطائف والتحف(9).
      ثم تحدث عن وجوب اهتمام العالم، وحصر همه واختصاص عمله بالإشتغال في العلوم الدينية التي مدارها على الكتاب والسنة، باعتبار أن بقية العلوم الأخرى آلات لفهمها، فهي التي ينفق في الإشتغال بها والجري على مقتضاها من أجل الحصول على السعادة الموصلة إلى أعلى الدرجات وأن الإمام البخاري في جامعه، قد تصدى للإقتباس من أنوارهما، وأنه وفق فيما جمعه حتى أصبح جامعه قبلة الدارسين، ومرجع العلماء والمحدثين.
 -مستدلا على قوله بالحديث الشريف "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي" وبأشعار في فضل الكتاب والسنة.
  ثم تحدث عن فضل العلم من حيث هو آيات وأخبار، وأورد في ذلك آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وفصل الكلام عن مجلسه وأهله، وفضل تعليمه وخاصة علم الحديث.
- ثم تحدث عن سبب اقتصار الإمام البخاري على البسملة، دون الحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، مكتفيا بالبسملة لتضمنها معنى الحمد، ولكون ذلك كان صنيع السلف، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في كتبه إلى هرقل وغيره، ومثل مالك في الموطأ وأحمد في مسنده وأبي داود.
  كما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ليست ثابتة في أصل البخاري على عادة الصدر الأول وإنما حدث الإبتداء بها فيما بعد القرن الرابع.
      ثم بين تصدير الجامع الصحيح بترجمة بدء الوحي، بيانا لمقصده على أن العمل دائر مع النية، فدل بكتابه قصده على جمع وحي السنة، المنتقى عن خير البرية، مكتفيا بالتلويح عن التصريح، تاركا التعريف بنفسه تواضعا منه.
  - ثم تكلم عن العلماء وفضلهم على الناس، ووجوب تعظيمهم وتوقيرهم، وأورد في ذلك أخبارا وأقوالا، ثم انتقل إلى تعريف بالإمام البخاري، حيث تكلم عن حياته وأسرته ونشأته، وكيفية تعلمه وأخذه ونبوغه المبكر، وعن قصص حفظه ورحلاته، وأول ما ألف من الكتب ناقلا نصوصا في ذلك.
  ثم تحدث عن فضل الصحيح وسبب تأليفه، وكيف ألفه، وعن سبب الإفتتاح بالبسملة، ووجوب ذلك اقتداء بالكتاب الكريم، وتكلم عنها من الناحية الفقهية، وشرح البسملة شرحا، مشيرا إلى إسقاط لفظ باب، في رواية أبي ذر وغيرها، وتطرق إلى إعرابها مع بقية كلمات الحديث ذاكرا اعتراض محمد بن اسماعيل التيمي على عبارة كيف كان بدء الوحي(10) ورد عليه وأخذ في شرح الحديث.
    وتحدث عن الرواية السعادية وقيمتها وإجازة الصدفي له على وجهها سنة 493 وقراءته البخاري بها على شيخه الصدفي أكثر من ستين مرة، وعرف بابن سعادة وابن أخيه محمد بن يوسف بن سعادة كما ترجم لأبي على الصدفي.
     كما تحدث عن أوجه الأخذ وأقسام التحمل، ثم أردفه بالكلام على سند البخاري إلى ابن سعادة وترجمة الوسائط الخمس بينهما، وأتى بسنده إلى البخاري برواية ابن سعادة (11) سماعا وقراءة بجميعه على شيوخه أبي العلاء إدريس العراقي إلى الإمام البخاري، ثم ذكر روايته للصحيح برواية ابن حجر(12) ورواه أيضا بسند عال جدا وأورده سنده الأول نظما، كما تحدث عن رجال السند مبينا سبب افتتاحه الرواية عن الحميدي، بكونه قرشيا ومكيا، ثم تابع كلامه على رواة الحديث ورجال سنده، بالحديث على مناسبة افتتاحه بحديث النية، جريا على عادة السلف، لاستحبابهم استحضار الإخلاص والنية الصحيحة عند الشروع في العمل، وذكر أقوال العلماء في الترغيب عند التأهب بالإبتداء بهذا الحديث ذاكرا أنه أحد الأحاديث الأربعة التي قبل أن مدار الدين عليها، ثم أورد كلام ابن حجر على هذا الحديث وعلى صحته وعلى من خرجه من المحدثين.
   ثم أخذ في شرح كلمات المتن ومعانيه بتفصيل، من حيث النحو والاعراب والبلاغة، والكلام عن الأعمال والنية وأقوالها، التي أوصلها إلى خمسة وعشرين، عددها جميعا حسبما وصل إليه اجتهاده.
    وتحدث عن رأي البخاري في جواز رواية الحديث بالمعنى، والإختصار من الحديث، والإقتصار على دلالة الإشارة، غالبا منها، إلى أنه استعمل جميع ذلك في هذا الحديث.
    وتابع شرحه للحديث عن الهجرة وكونها كانت على وجهين في الإسلام.
    الهجرة من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
    والثاني: الإنتقال من دار الفكر إلى دار الإيمان، بعد أن استقر صلى الله عليه وسلم، وتخلص للحديث عن النساء وكيدهن وعصيانهن، محذرا من فتنتهن، ثم تحدث عن أقسام المهاجرين في الحديث، من هاجر لمجرد حظه من الدنيا والمرأة، ومن هاجر للأمرين معا كمن سافر للحج وزيارة المصطفى وللاتجار أيضا متكلما عن أحكام تلك الأقسام.
    ثم ختم باعتراض بعض العلماء على الإمام البخاري ادخال حديث الأعمال في بدء الوحي، لأنه لا تعلق له أصلا كما ذهب الخطابي والإسماعيلي، حيث أخرجاه الأول في شرحه، والثاني في مستخرجه، قبل الترجمة لاعتقادهما أنه أورده للتبرك به ذاكرا أيضا قول ابن رشد بأن ايراد الحديث من طرف البخاري، لم يقصد به سوى بيان حسن نيته في هذا التأليف.
     وأكد الشيخ الكوهن رأي ابن حجر ومن سار سيرته، أن البخاري أقامه مقام خطبة الكتاب، لأن في سياقه أن عمر قاله على المنبر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب به حين قدم المدينة مهاجرا، فمناسبة إيراده في يده الوحي لأن الأحوال التي كانت قبل الهجرة كانت كالمقدمة لها، وهو رأي استحسنه ابن حجر(13) ثم أنهى افتتاحه بالكلام عن الإخلاص والمخلصين داعيا ومصليا على النبي وجميع إخوانه النبيئين والمرسلين، وأصحابه والتابعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وكان الفراغ من هذا الإفتتاح يوم الخميس مفتح ذي الحجة الحرام عام 1252 هـ.
     2- افتتاحية الشيخ أحمدون بلحاج(14)
   وثاني هذه الإفتتاحيات التي عثرنا عليها، وهي مخطوطة أيضا، افتتاح الصحيح لأبي عبد الله محمد بن أبي الفيض حمدون بلحاج.
   بدأ صاحب الإفتتاح الكلام في الموضوع، بدون مقدمة أو مدخل، حيث ذكر سبب افتتاح البخاري الصحيح بالبسملة، لما تقل من  الاجماع على أن الله ابتدأ بها كل كتاب أنزله، ولأنها من خصائص الأمة المحمدية مستدلا بحديث كل أمر ذي بال لا يبدأ بسم الله الرحمان فهو أبتر" ولما كان تأليف هذا الكتاب أي صحيح مهما، بدأ بالبسملة، ثم عدد خصائصها ومزاياها، باعتبارها أمانا ودواء وكلمة تقوى.
    وتكلم عن الإسناد ومركزه في الدين وأقوال المحدثين والسلف فيه، وكونه من خصائص المسلمين، ومتحدثا عن رواية ابن سعادة، ذاكرا أنها هي المفضلة عند المغاربة على الروايات التي عند ابن حجر، معرضا برأي التاجموعتي فيها وعرف بصاحبها وبكيفية أخذه وملازمته لصهره أبي على الصدفي، وانتساخه لصحيح البخاري ومسلم، وسماعهما عليه أكثر من ستين مرة.
     كما تحدث عن فضائل العلم وفضل العلماء، وأورد الآيات والأحاديث المتعلقة بالموضوع، ذاكرا الطرق الموصلة إلى العلوم الدينية، ثم روى حديث المقربين إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكثر صلاة عليه وفي مقدمتهم العلماء.
    وذكره سنده إلى صحيح البخاري عن طريق والده، فشيوخه إلى الإمام البخاري رضي الله عنه، مع ترجمة رجال سنده ترجمة مطولة استغرقت حوالي ثلث الإفتتاحية(15)  وانتقل إلى ترجمة الإمام البخاري صاحب الصحيح، والتعريف به وبحياته ونشأته، وقصص حفظه ونبوغه، ورحلاته للحج والرواية، وذكر قصته مع أصحاب الحديث ببغداد، ثم ذكر أقوال العلماء وثناءهم على معرفته وحفظه وتكلم عن فتنة خلق القرآن، وما أصاب البخاري منها، والوحشة التي رقعت بينه وبين الذهلي، ثم تحدث عن بعض صفات البخاري، كالكرم والإحسان إلى الناس وزهده في الدنيا، وعن عبادته ومداومته على تلاوة القرآن إلى أن توفي رحمه الله.
    وذكر ثناء العلماء والمحدثين عليه، وفي مقدمتهم الإمام مسلم، متخلصا إلى الكلام عن أول المؤلفين في الحديث قبل الإمام البخاري الذي يعتبر أول من ألف في الصحيح.
     كما ذكر الباعث على تأليف كتاب الجامع، وكيف ألفه باختصار، منهيا افتتاحه بالكلام على فضل قراءته نقلا عن ابن أبي حمزة ذاكرا ما قيل في تفضيله على صحيح مسلم مستشهدا بقول صاحب الألفية في ذلك.
     وهكذا نرى أن هذه الإفتتاحية لم تتناول حديث الأعمال، لا من حيث المتن ولا من حيث السند، وإنما اكتفت بالحديث على الإفتتاح بالبسملة وما قيل فيها، وفضل العلم والعلماء، وذكر سند صاحب الإفتتاح إلى
البخاري، والتعريف برجال سنده ثم ترجمة الإمام البخاري وسبب تأليفه جامعة الصحيح، وفضل قراءته وتفضيله على صحيح مسلم(16).
3- افتتاحية الشيخ فتح الله بناني
تتميز هذه الإفتتاحية عن سابقتها، بكونها مطبوعة في كتاب مستقل(17) يحمل الإسم الذي وضعه لها صاحبها ومنشئها الشيخ فتح الله بن أبي بكر بناني وهو "رفد القارئ بمقدمة افتتاح صحيح الإمام البخاري" وقد عرفها بقوله في مفتتح كتابه، هذه رسالة مفيدة جليلة، اشتملت على بعض الكلام، على مبادئ علم الحديث وبغض فضائله، وفضائل المحدثين، وعلى ترجمة سيدنا الإمام البخاري وبعض أسانيدنا للصحيح رضي الله عنه، كنت جمعتها قبل عند افتتاحنا الصحيح المذكور بزاويتنا الفتحية المراكشية عمرها الله بالنور وأهله وامنها وأهلها وكل من آوى إليها وزارها بكمال الصدق ووقاه من كل سوء...الخ(18).
   بدأ الشيخ افتتاحية بالكلام على علم الحديث وتعريفه، وموضوعه ونسبته وفضله وحكمه، منبها إلى أن أولى ما تصرف له النفوس، هو الإشتغال بالعلوم الدينية، المتلقاة من الحضرة النبوية والتي مدارها على الكتاب والسنة.
    ثم تحدث على العلم الشرعي وأقسامه الثلاثة، وعن تعلم الحديث وفضل المحدثين، كما تحدث عن بداية التدوين وعن أول من أمر بكتابة الحديث، وعن أول من جمعه وأن أول من صنف في الصحيح هو الإمام البخاري، مخصصا له حيزا كبيرا من افتتاحية لترجمة حياته، متكلما عن ولادته ونشأته ورحلاته العلمية، وذكائه ونبوغه وأخلاقه، والثناء عليه متحدثا عن فضل قراءة البخاري ناقلا كلام الإمام ابن أبي جمرة في الموضوع.
    ثم أخذ في الكلام على كتابه الصحيح، كيف ألفه، وطريقة تأليفه، متحدثا عن أبوابه وكتبه، وعدد أحاديثه وتعاليقه ومتابعه.
     وذكر أسانيده إلى  الجامع الصحيح من طريق المغاربة ومن طريق المشارقة، وسندا عاليا من طريق الجان، آخر من طريق الشاميين، وعقب على سنده من طريق الجان وثبوت الصحبة القاضي شمهروش للنبي عليه الصلاة والسلام، وكلام المحدثين في الموضوع ناقلا فتوى عجيبة للشيخ أحمد دحلان في تأييد السند المذكور  (19) رأي العلماء في ذلك(20) ما بين مثبت ومعترض موردا رأي العلماء المغاربة والمشارقة في الموضوع.
     كما ذكر قصيدة الإمام أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي الشافعي في علم الحديث، وأنهي افتتاحيته بإجازة عامة بصحيح البخاري، وسائر مروياته، لكل محب ومريد وسالك، فيه أهلية للرواية والمروى، داعيا ومصليا على النبي صلى الله عليه وسلم، مسجلا أنه أكمل تخريجها من المبيضة بتاريخ 18 ذي القعدة الحرام عام ثلاثة وأربعين وثلاثمائة وألف(21).
    من هذه الدراسة نتبين أن هذه الإفتتاحية، تناولت في أولها ما تناوله العلماء السابقون، في بداية افتتاحياتهم، من التحدث على فضل العلم، وفضيلة المحدثين، وترجمة حياة الإمام البخاري، والكلام على صحيحه، وكيفية تأليفه، وذكر سند صاحب الإفتتاحية إلى الجامع الصحيح.
    غير أن صاحب هذه الإفتتاحية لم يكتف بسند واحد بل أورد فيها أسانيده الأربعة إلى الصحيح من تاريخ المغاربة والمشارقة والتشاميين والجان.
   وتميزت افتتاحية أيضا بمناقشتين مهمتين:
   الأولــى: تتعلق بمناقشة سنده إلى البخاري عن طريق الجان، وعن حقيقة القاضي شمهروش وصحبته 
 للرسول عليه الصلاة والسلام وحقيقته، مثبتا ذلك ومؤيدا له بفتوى للشيخ دحلان.
والمناقشة الثانية: تتعلق بتلمذة السيوطي وأخذه عن الحافظ ابن حجر، في حين أنه من الثابت أن الحافظ مات وسن السيوطي لا تتعدى ثلاث سنوات موردا رأي العلماء بتفصيل واسهاب.
  كما تميزت هذه الإفتتاحية بإجازة صاحبها بالجامع الصحيح وبمروياته لكل المحبين والمريدين إجازة عامة.

 4- افتتاحية الشيخ المدني بن الحسني
وقد سماها "ثالث افتتاح لأصح الصحاح" وكانت في أول رجب سنة 1343هـ (22) وقد سبق هذه الإفتتاحية افتتاحيتان : الأولى بالمسجد السائحي في فاتح رمضان سنة 1341 سماها الشيخ المدني "مقدمة الرعيل لجحفل محمد بن اسماعيل" وقد أملى في هذا الإفتتاح، ما يتعلق بالحديث وأطواره، وفائدته لعظمة قدره، وشرف مقداره، كما ذكر فيه سنده إلى الجامع الصحيح، وتفصيل حال رجاله وذكر تراجمهم مما يناسب المقام، والإفتتاح الثاني وكان أول شعبان سنة 1342 سماه "الميدان الفسيح من بسملة الصحيح" أملى في بدايته حياة الإمام البخاري وترجمته من ولاته إلى وفاته، ومن أورد في ثناء الأئمة عليه وتعظيمه وإكباره.
     وذكر في ختامه وصية البخاري الرباعية، مع شرح ما تضمنته من الفوائد الغزيرة، والفرائد الإبداعية، وذلك بغاية الاطناب وتمام الإطالة والإسهاب، لإتيانه على غالب ما للحديث وطالبه من الآداب وما يلزم للاثرى اقتفاء أثره والتمسك منه بالأهذاب (23) أما الإفتتاح الثالث الذي نحن بصدد دراسته فقد سماه "ثالث افتتاح لأصح الصحاح" كان في أول رجب سنة 1343 الموافق 1973.
    وقد ابتدأه بلفت النظر إلى ما سبقه من افتتاحيات الأولى في رمضان من سنة 1341 بالمسجد السائحي.
   والثانية في فاتح شعبان من السنة الموالية، والثالثة في رجب 1343هـ وكانت هذه الإفتتاحيات، حلقات متصلة فيما بينها، مكملة لبعضها، حيث كانت الأولى مدخلا، تكلم فيها عن الحديث وأدواره ورجاله وسنده إلى الإمام البخاري، بينما تحدث في الثانية عن ترجمة الإمام البخاري بما يشفي ويرضي، كما تحدث عن وصيته الرباعية وشرح فوائدها الإبداعية، في حين خص الثالثة بالكلام على المقصود، حيث أشار إلى سبب ابتداء البخاري بالبسملة، وجعلها تاجا لصحيحه، جريا على عمل السلف وصنيعهم، مكتفيا بالتلويح عن التصريح، بمضمون الصحيح، تاركا التعريف بنفسه تواضعا منه مشيرا إلى الكتابة الموجودة على نسخ المغاربة بأنها ليست من كلام البخاري جملة ولا توجد في نسخ المشارقة.
    ثم أتى بالشواهد على ابتداء أكثر المصنفات بالبسملة، وأورد أشعارا مختلفة فيها، وعلى ما ورد فيها من الآيات والأحاديث، وكلام العلماء، مستشهدا بكلام ابن حجر، بكون كتب الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بدأت كلها بالبسملة، مختصرا في الموضوع " رسالة الأقاويل المفصلة لبيان حديث الإبتداء بالبسملة" (24) وعدد المواضع التي بدئ فيها بالبسملة، كاللوح المحفوظ، والكتب السماوية، ثم تحدث عن البسملة وهل هي من الفاتحة أم لا، وأورد النصوص على ذلك، ونصوص كتب النبي عليه السلام، إلى قيصر وإلى كسرى، وغيرهما وهي مفتتحة كلها بالبسملة، ثم أورد حديث كل أمر ذي بال وتكلم عنه وعمن رواه وعن صيغه، وعن أقوال العلماء، وأطال الكلام عن هذا الحديث متخلصا إلى الحديث عن شروط العمل بالضعيف.
    وأورد أربعة أسئلة حول البسملة ورد عليها، كل ذلك من رسالة الأقاويل المفصلة، ولما انتهى من اختصارها وإيراد ما جاء فيها، أتى بتفريط له عليها(25)  أغلبه أشعار.         
    ثم رجع إلى موضوع البسملة، متحدثا عما ورد في فضلها العظيم، من أحاديث وأقوال، وذكر الموضع التي شرع فيها ذكر البسملة، كالوضوء والغسل والأكل والشرب والزكاة وغيرها كما جاء منظوما في الأبيات التالية:
ومثله تسمية وشـرعــت                 في غسل وتيمم كـمـا ثبت
أكل وشرب وذكاة وركـوب             لحيوان أو سفينة تـجـوب
في دخول منزل وضـــده                كمسجد ولبس ثوب نـزعه
إطفاء مصباح وغلـق بـاب               والوطء عند الأخذ بالأسباب
وفي صعود من خطيب منبرا            تغميد ميت لحـده لا أكثر (26)
     كما ذكر ما ورد في الأثر في تفسير  البسملة، مسترسلا في الكلام عن الرحمة وما جاء فيها من قول وتفسير، متخلصا إلى ما في الإفتتاح بالبسملة من البشارة إلى أن المطلوب من العبد إن أراد أن يحاول أمرا من الأمور، أتى بها، وتوج عمله بالإستفتاح بها، مستحضرا عجزه وضعفه، مستهدفا تسهيل كل عسير، فيتم توجيهه إلى الله تعالى، وانحياشه بالقلب إليه، ذلك أقرب إلى النجح(27) مختتما بقصيدة للشيخ الطيب بنكيران، لمح فيها لمعان اشتقاق إسم الجلالة، ودعاء بالقبول والثواب، ذاكرا تاريخ كتابة هذه الإفتتاحية وهو أول رجب سنة 1343هـ.
   ويلاحظ أن صاحب هذه الإفتتاحية، تأثر كثيرا بما ورد في افتتاحية الشيخ عبد القادر الكوهن، واستغرق الجزء الأكبر منها، تخليص "رسالة الأقاويل المفصلة لبيان حديث الإبتداء بالبسملة" كما أنه عندي فيها بالحديث على البسملة، وبالباعث للبخاري على تتويج صحيحه بها، دون الحمد له والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ذاكرا ما يتعلق بموضع البسملة، من جميع الوجوه، دون أن يتناول متن حديث الأعمال أو سنده، مما يجعل هذه الإفتتاحية قريبة في موضوعها من افتتاح الشيخ حمدون بن الحاج، علما بأن صاحبها جعلها تتمة للافتتاحيتين السابقتين مكملة لهما، كما ذكر ذلك صدر افتتاحية(28). 

(1)  أنظر تفصيل الموضوع في كتابنا مدرسة الإمام البخاري في المغرب 1/82 وما بعدها.
(2)  تاريخ التراث العربي المجلد الأول ص 339.
(3)  السلوة 1/330 معجم المولفين 11/199 تاريخ التراث العربي ص 31.
(4)  معجم  المحدثين ص 23.
(5)  الإعلام للمراكشي 5/294 الموسوعة المغربية 2/88.
(6)  فهرس الفهارس 2/47.
(7)  معجم المحدثين ص 35.
(8)  من افتتاحيات الشيخ الكوهن الموجودة بالخزانة الملكية تحت عدد 746 ص1.
(9)  المرجع السابق ص 2.
(10)  المصدر السابق ص 31.
(11)   المصدر السابق ص 42-44.
(12)  المصدر السابق  ص 44.
(13)  المرجع السابق ص 65.
(14)  عن مصورة مكتبتي مآخوذة من مخطوط الخزانة الملكية.
(15)  من ص 101 إلى 114.
(16)  لم يذكر في الإفتتاحية المكتوبة بخط صاحبها تاريخ وضعها ولا كتابتها كما هو الشأن في الإفتتاحية السابقة.
(17)   طبعت بالمطبعة المغربية الأهلية سنة 1348 هـ.
(18)  رفد القارئ بمقدمة افتتاح صحيح البخاري ص 1 و2.
(19)   المرجع السابق ص 20 وما بعدها.
(20)   المرجع السابق  ص 24 .30.
(21)  المرجع السابق ص 31.
(22)   مصورة مكتبتنا من مخطوط ضمن مجموع بالخزانة الملكية عدد 1821هـ.
(23)  معجم المحدثين ص 35، والحافظ  الواعية محمد المدني بن الحسني ص 19
(24)  لمحمد بن جعفر الكتاني طبع بالمدينة المنورة سنة 1329.
(25)  ثالث افتتاح لاصح الصحاح ص 188.
(26)  المصدر السابق ص 194 و 195.
(27)  المصدر السابق ص 205 و 206.
(28)  أنظر الصفحة الأولى من ثالث افتتاح لاصح الصحاح.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here