islamaumaroc

من زوايا تاريخ المغرب في البرتغال.

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

كانت العلاقة وثيقة بين فيليب الثاني ملك إسبانيا وسيبسطيان ملك البرتغال نظرا للرابطة العائلية التي تجمعهما، فقد كان سيبسطيان لا يتوفر على خبرة كافية ودراية بشؤون الملك لصغر سنه وحداثة عهده بالقضايا السياسية، فكان خاله فيليب الثاني ملك إسبانيا هو ملجأه في كل شيء ومستشاره في كل الولمات وما يعرض له من مشاكل، فقد كانت بينهما اتصالات مستمرة لا تنقطع وخاصة في قضايا الحروب الصليبية التي كان يدبرها ويريد ان يشنها سيبسطيان على المسلمين وخاصة على المغرب، كما كان خاله فيليب أيضا لا يفتر عن محاربة المسلمين في إسبانيا ونعني بهم المدعوون بالموريسكوس(1). كانت اتصالات واستشارات سيبسطيان لفيلب تدور أحيانا بينهما إما بالمراسلة أو بالاتصال الشخصي الذي جرى مرة بينهما بطلب من سيبسطيان، وكان ذلك بمكان يدعى (كوادالوبي) بناحية (استريمادورا) بشرق اسبانيا بإحدى أديار هذه الناحية، وذلك في عام 1576.
يقول مانويل ساندوفال ذي ريو في كتابه: «بورطفوليو ذي استوريا ذي اسبانيا» صفحة 210 مع نشر صورة للعاهلين: «ان ملك المغرب مولاي محمد طلب إعانة من فيلب الثاني ملك اسبانيا لإزاحة أخيه عن الملك، ولكن هذا (أي فيلب) رفض ذلك فحول طلبه إلى ملك البرتغال ضون سيبسطيان فلبى رغبته رغم معارضة الجميع ومنهم فيلب لكنه كان يحتاج إلى مساندته فطلب مقابلته شخصيا بواسطة سفيره مع طلب يد ابنته الكبرى أيضا، وفي 12 دسمبر من عام 1576 تمت المقابلة بالمكان الذي أشرنا إليه سلفا، ولكن هذه المقابلة لم تكن مجدية، لكن ملك اسبانيا ـ يقول صاحب الكتاب المذكور ـ قدم لسيبسطيان نحو خمسة آلاف رجل وخمسون مركبا حربيا في حدود خاصة، الشيء الذي لم يرق الملك البرتغالي، كما حدد فيلب لسبسطيان شروطا منها أن لا يتعدى في حملته العرائش مع شروط أخرى مقننة ـ يقول الكاتب ـ لكن سيبسطيان لم يقف عند هذا، فجهز حملة من اسبان وطليان وألمان وبرتغاليين ونزل بأصيلا وتابع سيره إلى أن وصل إلى سهول القصر الكبير أين كان مصيره المحتوم» اهـ.
كان سفير فيلب الثاني خوان ذي سيلفا يطلع ملكه على خطوات سيبسطيان اليومية، وقد بعث له برسالة من أصيلا (يظهر أن السفير الإسباني كان يرافق سيبسطيان في الحملة) قبل المعركة الفاصلة بيوم أو يومين يقول فيها: «علمت الآن من الشريف (يظهر هذا من عيون البرتغاليين في الناحية) الذي بعث يطلبه بأن لا يتحرك ـ أي من أصيلا ـ مبينا له الخطر الذي هو مهدد به في هذا المكان وأنهم في حاجة إلى الزاد، ويطلب منه أن يسلم الجنود القشتاليون الذين أتوا من الأندلس لعدم توفره على السلاح لإمدادهم به ـ وتضيف الرسالة ـ ولا يوجد أي قطر في الوقت الحاضر له رغبة في البحث عن الخطر. ثم يضيف رسالة بعدها وهي الأخيرة: «بأنه سيقلع من هذا المكان الذي لا يتوفر على الماء وسيحل غدا بقنطرة القصر الكبير».
كانت هذه آخر رسالة (من الجزء الثاني من كتاب «يوميات الملك ضون سيبسطيان» للأكاديمي  خواطين فيريسيموسيرا) أصدرته أكاديمية التاريخ البرتغالية.
كان سيبسطيان يرى أن خاله فيليب الثاني ملك إسبانيا له إلمام ودراية بحرب المسلمين، وله اطلاع واسع على شؤونهم. لأنهم متساكنون معه بالأندلس ويعدون من رعاياه لذا كان ملجأه في ذلك أي في شؤون حرب المسلمين، ولكن رغم هذا كان فيليب لا يشجعه على محاربة المسلمين بالغرب نظرا لاختلاف الوضع، ففيليب كان يحارب مسلمي الأندلس (الموريسكوس) لأنهم يوجدون معا بمملكته ويعدون من رعاياه، بينما مسلمي المغرب الذبن يريد سيبسطيان محاربتهم بعيدون عنه، يفصل بينهم وبينه البحر، وفي قطر له كيان ودولة قائمة، الشيء الذي هو معلوم عند مسلمي الأندلس، لذا كان فيليب يحذره من مغبة المجازفة في هذه الحرب.
وعلى كل حال فإن الشخصيات التي تصنع التاريخ لابد وأن يكون لدورها ومواقفها تأثير في تاريخ الأمة، فإذا كان سيبسطيان بتهوره وغروره قد جر على بلاده الويلات بأشنع هزيمة عرفتها البرتغال وضيعت استقلالها السياسي بدخولها تحت سيطرة عرش اسبانيا(2) فإنها حققت مكسبا أدبيا لا يستهان به، ذلك أن موقعة وادي المخازن أثرت في الثقافة البرتغالية وأعطت روحا جديدة للغة والأدب البرتغاليين، فصار للغة البرتغالية شخصية قائمة الذات بين اللغات الحية الأوربية المشتقة من اللاتينية إذ ذاك، فقد خلقت المدرسة السيبسطيانية نبغاء في الأدب والقصة والشعر أمثال لويس ذي كاموليس صاحب ديوان: «اوس لوسياداس» الذي يعد بمثابة نرفانطس صاحب كتاب ضون كيخوطي ذي لامانشا» عند الإسبان، فكامويس هذا له يوم خاص باسمه يحتفلون به سنويا في البرتغال، كان هذا الشخص فقيرا ومغامرا فقد قضى سنوات عديدة في الهند منفيا، فهناك تفتحت مواهبه وفاضت قريحته وكتب عدة قصائد شعرية ثم عاد إلى البرتغال وساهم في الحرب ضد المغاربة في ضواحي سبتة التي كانت دائما محل معارك بين المغاربة والبرتغايين، وفي سبتة ضيع عينه اليمنى، وكانت القواعد البرتغالية بالمغرب في ذلك العصر ميدانا للشهامة والبطولة عند شباب البرتغال كما يقول إمانويل باولو راموس في كتابه: لوثياداس للوبس كاميوس ص 23 وهو أستاذ جامعي بجامعة كويمبرا، ويقول ايضا: جوان ذي باروس في كتابه: لوس لوتيداس ص 202: «إن لويس ذي كاميوس» قد شارك في معارك عدة دفاعا عن سبتة من غارات المغاربة إلى أن ضيع عينه».
ومن غرائب الأشياء فإن الكاتبين ثرفانطس الإسباني وكامويس البرتغالي لهما قاسم مشترك، فالأول حارب ضد المسلمين في الموقعة البحرية لبانطو فأخذ أسيرا من طرف الأتراك إلى الجزائر وضيع يده، وفي الأسر كتب كتابه الشهير «ضون كيخوطي ذي لا منشا» فأصبح من أئمة الأدب عند قومه. وكامويس البرتغالي حارب ضد المسلمين بسبتة وضيع عينه وألف ديوانه الذي أصبح أيضا من عيون الأدب في لغته ومن أئمة الأدباء عند قومه.
لقد لعبت المدرسة السيبسطيانية دورا فعالا في إثراء الأدب واللغة البرتغاليين وملأت وقتا لا يستهان به من حياة الشعب، ونبغوا شعراء وكتاب وابتكرت تنبؤات من طرف مشعوذين وأنصار سيبسطيان الهالك فأكسب بهذا إثراء وغنى للغة لم تكن تصلها بجانب أخواتها اللاتينية لولا هذه الموقعة وهذا التحول الذي طرأ على حياة شعب لوتيطانيا، وقد كتب وألف في هذا الموضوع الكثير والمجال لا يتسع لكل ما كتب في هذه الحقبة، فمن أهم ما وصل ليدنا «ضون سيبسطيان المقنع» لأنطونيو ماشاضو نشره المركز العلمي بلشبونة مؤسسة كولبنكيان الدولية، وهذا كتاب من الحجم الكبير ويفع في 450 صفحة ويعد من أهم المراجع في العصر السيبسطياني وما قيل فيه من شعر ونثر.
وهكذا نرى أن موقعة وادي المخازن لم تحقق للمغرب انتصارا عسكريا وتوسعا ماديا في أفريقيا فحسب، بل حولت اتجاه الأمة المهزومة في الحياة وصنعت لها تاريخا وحققت لها أهدافا ذلك أنها أصبحت من الناحية الأدبية في صف أمم أوروبا الغربية إذ ذاك كما قدمنا.
لقد دام استعمار البرتغال لبعض نواحي المغرب ما يزيد على القرن ومع ذلك فلا نعلم عنه شيئا، وكل ما نقوله لأبنائنا، أن البرتغال انهزم في معركة وادي المخازن، يجب أن ندرس لأبنائنا كل شيء عن بلدهم ونزودهم بكل المعلومات عن مساوئ هذا الاستعمار حتى يكون أبناؤنا على بينة من تاريخ بلادهم، كنا نلوم الإسبان على أنهم يلقنون أبناءهم تاريخ الوجود الإسلامي في إسبانيا في بضع صفحات مع أن هناك فرقا بين الوجود الإسلامي في إسبانيا والوجود البرتغالي في المغرب، فالمسلمون تركوا بإسبانيا آثارا تدل على حضارة عظيمة وازدهار وعمران لم يسبق لإسبانيا أن عاشته خلال الرومان والقوط وغيرهما من الأمم التي تعاقبت على إسبانيا قبل الفتح الإسلامي، بينما لم يترك البرتغال بالمغرب إلا آثارا لبعض أسوار وأبراج إن دلت على شيء فإنها تدل على الحرب والدمار وروح الهيمنة والاستعباد، أفلا نلقن أبناءنا كل ما كانت تنح عليه روح الغرب من الضغينة والحقد للإسلام حتى يبقى دائما متيقظا حذرا وليتخذ من ذلك عبرة وموعظة وذكرى؟ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب.

(1) انظر كتاب «محنة الموريسكوس في إسبانيا» لكاتب المقال.
(2) أنظر مقالا لنفس الكاتب في عدد (دعوة الحق) رقم 4 تاريخ يوليوز 1980 تحت عنوان: «صدى تأثير موقعة وادي المخازن في نفوس البرتغاليين».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here