islamaumaroc

المجتمع الدكالي والفكر الديني.

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

كانت منطقة دكالة عند الفتح الإسلامي امتدادا طبيعيا لمنطقة تامسنا الكبرى والتي كانت تنتهي شمالا إلى حوض أبي رقراق. وهكذا فإن أغلب السهول الأطلسية والتي تنتهي عند مشارق الأطلس كانت تدخل ضمن هذه المنطقة الشاسعة، أما السكان فكانوا في أغلبيتهم من العنصر الزناتي الذي طالما أوهمنا المستشرقون والمؤرخون الأجانب، وانساق معهم كاتب هذه السطور لفترة، ومنهم على الأخص كوتيي وطيراس، بأنهم مجرد بدو رحل لهم كثير من سمات بدو العرب المترحلين والذين ينتجعون الكلأ ويتبعون موارد الماء من غير اهتمام بالبحث عن وسائل الاستقرار وايجاد حياة زراعية منظمة. إلا أن الاستقرار برهن عن خطأ هذه النظرية.
حينما شمل الفتح الإسلامي منطقة تامسنا الكبرى بما فيها دكالة، كانت كل هذه الناحية من المغرب موطنا لبرغواطة والقبائل الزناتية. وكانت دكالة على الأخص هي أكبر مقر للتجمعات السكنية من برغواطة.
وقد قيل كلام كثير عن أصل برغواطة، هل هم خليط من العناصر؟ أم هل هم زناتيون؟ أن التسمية لها أصل لا يمثل قبيلة بعينها؟ لقد تناول برغواطة بشيء من التفصيل أحيانا وبإيجاز أحيانا أخرى، بعض الجغرافيين والإخباريين والمؤرخين مثل البكري وابن عذاري وابن القطان وابن خلدون، وأهم مصادرهم جميعا هو زمور البرغواطي من رجالات القرن الرابع الهجري والذي احتفظ البكري في المسالك والممالك بقسم من أخباره عن برغواطة. لكن هذا المصدر الأصل حسب البكري نفسه لا يقدم شيئا عن التركيب الاجتماعي لبرغواطة، ولكنه يوضح أن أول من عمل على إنشاء نظام سياسي تستقل به برغواطة، هو شخص اسمه طريف الذي ينتمي إلى أصل عبراني، وأنه كان ميسرة الخفير أو الحقير، الثائر الزناتي وأحد زعماء الخوارج، وكانت دعوته بتامسنا بين زناتة وزواغة، ثم خلفه نجله صالح الذي شرع الديانة البرغواطية وادعى أنه المهدي المنتظر، وبذلك كان أول من ادعى المهدوية بالشمال الإفريقي واحد أوائل من ادعوها في الإسلام كله، ومن كلام زمور يتضح التأثير العبراني العميق شكلا وجوهرا في هذه الديانة. ومهما يكون من أمر، فلا يقدم البكري مبررا لتسمية برغواطة إلا من من حيث الصورة اللفظية، نقلا عن فضل بن مفضل وسعيد بن هشام المصمودي، وحسب هذين المصدرين، فإن الياس الذي خلف أباه صالحا، تولى بعده نجله يونس الذي كان أول من أظهر الديانة البرغواطية، وكان على علم كبير بالتنجيم، ومن ثم نجد المذهب البرغواطي يأخذ نشاطه في الامتداد ابتداء من أواخر الربع الأول من القرن الثاني الهجري. ويتجلى التأثير العبراني في هذا المذهب كما يلي:
1- في أسماء السور التي تضمنها "قرءان" صالح بن طريف والتي نجد فيها أسماء عدد من أنبياء اسرائيل وعظمائهم كيونس وطالوت وهامان. ونجد في أسمائها، فرعون والدجال والعجل ونمرود الخ. أي ما يرتبط بذكريات التاريخ العبراني. وحتى أسماء ملوك برغواطة بينها الكثير من أسماء أنبياء بني اسرائيل كاليسع والياس، وان كانت هذه الأسماء النبوية توجد في امارات خارجية مغربية أخرى.
2- في الانطلاق من التنجيم والكهانة وهما مما اشتهر به العبرانيون في القديم، وقد أصبح للتنجيم مكانة بارزة لدى البرغواطيين.
3- نصت تعاليم التوراة على قتل السارق، وتبنى البراغواطيون هذا الحكم. وهناك مؤثرات إسلامية منها:
1) الوضوء للصلاة ولكن على طريقة غير إسلامية تماما.
2) تشريع الزكاة.
3) تشريع الصلاة بكيفية مخصوصة وان كانت الصلاة في غير الإسلام أيضا.
4) رجم الزاني، ويتفق في ذلك مع الشريعة الموسوية، ومما شرعوه مما لا يتفق مع الإسلام ولا حتى مع الديانات السماوية الأخرى:
1- تعدد الزوجات بلا حد.
2- الطلاق والمراجعة بلا حد وحسب شهوة الرجل.
3- تحديد دية القتل بمائة رأس من البقر. وحرموا أكل البيض ورأس الحيوان وكرهوا أكل الدجاج لأنهم اعتمدوا عليه في معرفة الأوقات مثلما اعتمدوا فيها على النجوم أيضا.
ولقد أكد ابن خلدون بصورة قطعية أن برغواطة مصامدة. وأني لأرجح تأكيده هذا لأن بعض المؤثرات البرغواطية ظلت حتى يومنا هذا قائمة في بعض مناطق المصامدة الجنوبية مثل كراهة أكل البيض ووجود عدد كبير من المتضلعين في العرافة أو السحر،  والاعتماد على التمائم والرقي في العلاج وطرد الشر.ولا ننسى أن البرغواطيين استخدموا بصاق صلحائهم يتبركون به، وقد ظل هذا التأثير قائما مع ضعف في الأوساط القروية بدكالة وغيرها من بوادي المغرب.
إن المهم من كل هذه الفلكة أن البرغواطيين أنشأوا مذهبا خاصا بهم، بعض أصوله إسلامية وأكثرها مما استحدثوه أو تأثروا فيه بمؤثرات وئنية عريقة إلى جانب ما استقوه من أصول  عبرانية. وفي جميع الأحوال كان البرغواطيون يومنون بوحدانية الله. ولقد تقبل بربر برغواطة هذا الدين المطعم بأصول مختلفة، كرد فعل ضد التصرفات التي مارسها بعض ولاة بني أمية إزاء المغاربة، خاصة عمر المرادي الذي كان تابعا للقيروان، وكان مقره بطنجة وقد أسرف في تخميس البربر وقرر أن يواصل سياسة بعض أسلافه في شحن السبايا والرجال والأطفال حتى مع إسلامهم إلى دمشق، بحجة أن فتح البلاد تم عنوة. وهذا هو الذي فتح المجال لحركة الخوارج بالشمال الإفريقي، وسهل إقرار هذا المذهب البرغواطي الذي مر الحديث عن خطوطه الرئيسية. وهكذا ظهر أن المغاربة رفضوا إسلام القوة والإكراه وقاطعوا الحكم الأموي من أجله. وظهر أن البرغواطيين قد احتفظوا من الإسلام بخط رفيع غير متين، فوحدوا الله وأدوا الزكاة واعترفوا بنبوة محمد (ص) ومن سبقوه من الأنبياء ولكنهم بالمقابل أضافوا أشياء غريبة عن الإسلام لو تتعارض معه، فهم في هذه الحال قد أنشأوا إسلامهم الخاص، وقاطعوا المسلمين الذين يتعايشون معهم أو تحت كنفهم، من حيث التزوج منهم أو تزويجهم. لقد كان كل هذا رد فعل ضد الإكراه الديني الأهوج وضد تخميس الذين أعلنوا إسلامهم حتى بصورة تلقائية، كما يتضح من روايات ابن عبد الحكم وغيره.
وعندما تقبل المغاربة في وليلي حكم الأدارسة، وزحف أنصار إدريس الثاني إلى شاطىء برغواطة، تمكنوا من إخضاع أغلب هذه المناطق سياسيا، ولكن أزمور ومنطقة دكالة ما لبثتا أن استعادتا قوتهما السياسية عند ضعف الأدارسة. وفي منتصف القرن الرابع أي العاشر الميلادي قام الزناتيون برئاسة الأمير تميم بمحاولة للقضاء على البرغواطيين، ولكن انتصار الزناتيين كان عابرا، فإن منطقة دكالة قد شهدت خلال هذا القرن مثلما شهدت قبله وبعده نشاطا حضاريا فريدا، لأن العنصر المصمودي يتحيز بحضارته الزراعية النشيطة، والتي بفضلها أنشأ البرغواطيون شبكة كبرى من المدن في سهول دكالة وغيرها، كذلك أقبلوا على تلقي المعرفة وأقاموا اتصالات فكرية بجهات أخرى كخوارج المغرب ومثقفي الأندلس.
حتى إذا حل المرابطون في منتصف القرن الخامس الهجري قرروا تصفية الوجود البرغرواطي الذي ظل في أوجه بكل من دكالة وضواحي الرباط وسبتة، وفعلا عملوا إلى إرغام البرغواطيين على تصحيح إسلامهم، ولكي يقطعوا أملهم في الحفاظ على كيانهم المستقل خارج الوحدة الإسلامية، خربوا ما لا يقل عن أربعين مدينة أو مركزا عمرانيا أهمها وأكثرها من غير شك، في منطقة دكالة التي انتقلت إليها عاصمتهم على أثر تخريب شالة في العهد الزناتي بل أن هذه العاصمة وهي أزمور، كانت قبل العهد المذكور مركزا موازيا لشالة ثم أصبحت الوحيدة والأكثر أهمية في هذا العهد بالذات.
ومع ذلك نجد للحزب البرغواطي أثرا ظل قائما حتى العهد المريني بشهادة لسان الدين الخطيب الذي يقول في الجزء الثالث من أعمال الإعلام: "وقبيلهم اليوم قبيل ضعيف، لعب فيهم سيف الملثمين، ثم سيف الموحدين بعده". ويعني ذلك أن هذا الحزب قد استمد وجوده مدة تناهز ستة قرون مع فترات ضعف وانحصار.
وكيفما كان الأمر، وهذا يهم الشباب معرفته بالدرجة الأولى فإن الحركة البرغواطية لا يمكن أن تعتبرها ثورة تصحيحية، لأن الثورة الحقيقية هي التي تحقق الوحدة الشاملة في العقيدة ومنهج الحكم وأسلوب العمل. وكلما اقتربت من الشعوذة والمؤثرات الوئنية كانت أقل حظا في الثبات والإشعاع، بل وأخطر على حياة الشعوب التي تتبناها.
غير أن الجهاد المرابطي للبرغواطيين نتجت عنه آثار سلبية لا يمكن إنكارها:
1- أن منطقة دكالة قد انجلى عنها قسم كبير من سكانها المصامدة، إذا لم يكن معظمهم، ممن انسحبوا إلى سوس وجبال الأطلس.
2- أن منطقة تامسنا على العموم أصبحت قفراء بعد تهديم المدن البراغواطية وهجرة سكانها، فتحولت المنطقة إلى مراتع للحيوانات والنباتات البرية حسب تأكيد الحسن الوزان.
3- أن كل التراث البرغواطي المكتوب والجامد اندثر بصفة شاملة إلا بعض ما لا يسمن ولا يغني من جوع.
وهكذا فعمليا نجد دكالة قد صارت أرضا موأتا لفترة محدودة. ولكن شاء الله أن لا تطول هذه الفترة، حيث يعمد المرابطون إلى استقدام بعض المجموعات الصنهاجية لتعمير أزمور والمناطق المجاورة لها. وقبل الحديث عن أثر هذه المجموعات، وتجدر الإشارة إلى أن قيام المرابطين بتخريب المراكز البرغواطية، إنما كان الهدف منه، إقرار الوحدة المغربية التي يجب أن تحل في صورتها الشاملة، محل الفرقة التي مزقت شمل المجتمع المغربي آمادا طويلة قبل المرابطين، على الرغم من العمل الإيجابي الذي قام به الأدارسة لكن دون أن يطول أمده،وهكذا ضحى المرابطون بحضارة محلية ضيقة ليقيموا بصورة نهائية حضارة وحدة واسعة قوامها الإسلام السني المالكي الذي لا يترك مجالا للتضارب وتشتت الاتجاهات.
وإنه لمما يشرف منطق دكالة أن تقوم بدور بالغ الأهمية في تثبيت دعائم هذا الاتجاه العقائدي الوحدي. ولقد أثار اندهاشي مدة طويلة، أن تتحول هذه المنطقة بصورة مفاجئة من مركز دعوة منحرفة في منظور الإسلام إلى مركز يغلي غليان المرجل بدعاة الإسلام السني ويقدم عطاء خصبا للفكر الصوفي والثقافي، ليس فقط على نطاق المنطقة وحدها ولكن بالنسبة لسائر المغرب وخارجه. بل إن الذي كان يثير تساؤلي، هو كيف أصبحت دكالة بصورة مفاجئة أيضا، مركز للطرق الصوفية الأولى بالمغرب، أي الطرق المؤطرة في خلايا ذات اتجاه محدد، وكثيرا ما سمعنا وقرأنا بل وكتبنا أن الشاذلي هو أول من أسس طريقة صوفية بالمغرب، وهو معاصر للموحدين، مع أن الذي يصح قوله هو أن الشاذلي، إنما كان مؤسس الطريقة التي ظلت أساسا لما بعدها من الطرق الصوفية بهذه البلاد، وإلا فهناك طرق قامت قبلها، وهنا أود أن أجيب على التساؤلات التي أشرت إليها :
فعندما استقر الصنهاجيون مكان البرغواطيين والمصامدة بأزمور ومنطقة دكالة، اتجه عدد منهم إلى دراسة العلوم الدينية وتدريسها، لا سيما التصوف الذي انتهى إلى أن يتبوأ مكان الزعامة بالنسبة للتصوف المغربي انطلاقا من العصر المرابطي نفسه. وهكذا فإن ابن قنفذ القسنطيني المتوفى سنة 810 هـ - 1408م يرجع أهم التيارات الصوفية إلى ست فرق:
1- الشعيبية، أصحاب أبي شعيب الصنهاجي دفين أزمور سنة 561هـ.
2- الماجريون وهم طائفة أبي محمد صالح من معاصري أبي شعيب، ومنهم فرع يدعى بالدكاليين. وقبر أبي محمد هذا بآسفي.
3- الصنهاجيون من بني أمغار من تيطنفطر. وجدهم عبد الله أمغار من معاصر أبي شعيب.
4- الحجاج، وهم طائفة لا تقبل في حزبها إلا من حج إلى بيت الله الحرام.
5- الحاحيون، طائفة أبي زكريا يحيى الحاحي، وقبره بحاحا، وتوفي في أواخر القرن 7/13م، أي أنه معاصر لبني مرين، وأبو زكريا يحيى هذا هو غير تسميه المعروف بسوس والذي كانت له مواقف من سياسة وسلوك السلطان السعدي مولاي زيدان.
6- الاغماتيون وهم طائفة أبي زيد عبد الرحمن الهزميري الذي عاصر بني مرين، وهو دفين باب الفتوح بفاس.
فمن هذه الطوائف ثلاث على الأقل منطلقها ومراكز نشاطها الرئيسي هو دكالة. وأغلب التجمعات الدينية كانت ترتبط برابطة الأخوة مع المهاجرين كما ظهر ذلك في العهد المريني على الأخص. وأننا لمدينون بهذه المعلومات لابن قنفذ القسنطيني المذكور، والتي وردت في كتابه: "انس الفقير وعز الحقير" وقد نشر قبل سنوات بتحقيق الأستاذ الجليل السيد محمد الفاسي والمستشرق الفرنسي أدولف فور. وبصرف النظر عن بعض الغيبيات والكرامات التي أوردها مؤلف هذا الكتاب فهو يقدم بكيفية غير مباشرة. صورة جيدة للنشاط الثقافي الخصب الذي زخرت به منطقة دكالة فيما بين القرنين السادس والتاسع الهجريين.
وقد أنشأت الطوائف المذكورة أورادا وتقاليد خاصة بها، وبدا تكوين الطوائف في عهد مؤسسيها أو بعدهم على يد تلاميذهم ومريديهم. وأورد ابن قتفذ عن طريقة ادماج المريد في طائفة الماجريين على يد أبي محمد صالح نفسه، قوله: "كان إذا جاءه الفقير عرفه بعيوب نفسه، وأمره بالوحدة، ودرجه في أوراده حتى يصير من أهل المجاهدة...".
كانت الثقافة الصوفية تلقن في الرباطات قبل نشأة الزوايا، وهذه لم تبدأ نشأتها إلا منذ العصر المريني، على أنه ليس للرباطات ولا للزوايا هندسة موحدة وبالنسبة للمغرب فالأولى أبسط بناء في الجملة، أما الزوايا فلم تنشأ في البداية لاستقبال الصلحاء والصوفية وتلاميذهم، ولكن أنشأ يعقوب المريني عددا منها في الجهات المنعزلة بين المراكزالعمرانية لينزل بها الحياة والموظفون الإداريون، ثم وقع إهمالها تدريجيا وأصبحت تستقبل المتعبدين والباحثين عن مكان ينزوون فيه للتأمل والذكر، لكن هناك زوايا خصصت للعبادة كما هو الشأن في زاوية النك بسلا. إن منطقة دكالة الكبرى والتي كانت لعدة أجيال قبل الحماية الفرنسية قد عاصرت مرحلة الرباطات والزوايا والمدارس التي شهدت عهدا مجيدا امتد من العصر السعدي حتى نشأة المدارس الحديثة.
غير أن المنطقة شهدت طيلة القرن التاسع هـ- 15م محنة شديدة على يد الاستعمار البرتغالي وخلال الحكم الوطاسي الضعيف. فأمام ضغط الاحتلال الذي تسنده المدفعية والأساطيل البحرية الضخمة، تم إجلاء السكان عن عدة مدن عرفت ازدهارا طيبا في القرون الماضية، ومن بينها حسبما ساقه ليون الإفريقي (الحسن الوزان):
1- كونتي، قرب آسفي.
2- تيط.
3- المدينة، وكانت مركز دكالة في العهد الوطاسي. وقد نقل أهل تيط والمدينة إلى فاس.
4- مائة بير (سرنو) وقد هجرها السكان إلى آسفي بعد أن رفضوا الهجرة إلى فاس.
5- تامراكشت، وهي تصغير مراكش، وتقع على الضفة اليمنى لأم الربيع على نحو 50 كلم. من آسفي. وقد أسسها يوسف بن تاشفين.
6- تركة (كاف معقودة) على أم الربيع بنحو 35 كلم من آزمور، وقد انتقل أهلها إلى نواحي فاس.
وكل هذه المدن خربت، وبعضها ظل جزء من انقاضها حتى يومنا هذا، وقد كان الجلاء يتم بامر السلطات الحاكمة أو بكيفية تلقائية من السكان، وذلك حفاظا على كرامتهم وخشية وقوعهم في الأسر وتعرض النساء لنزوات جيش الاحتلال. ويعني هذا كله أن السكان كانوا يهاجرون بعقيدتهم  وصيانة لدينهم. وقد كانت محنة المسلمين باسبانيا وما تعرضوا له من اضطهاد حتى قبل سقوط غرناطة بوقت طويل، وما لقيته سبتة وغيرها من المراكز الشمالية على يد الاحتلال البرتغالي أو الاسباني ذكرى سيئة ومؤثرة في نفوس المغاربة، فمن حيث المبدأ، كانت عملية إخلاء المراكز العمرانية المعرضة للاحتلال غير وطنية ولا دينية في حد ذاتها، ولكن كانت عملية مؤقتة تظل أهون من تعريض السكان لخطر ما حق لا جدال في وقوعه إذا ترك هؤلاء من غير حماية. تواجه هذا الخطر بكيفية فعالة.
والواقع أن الأسر الدكالية التي هجرت مساقط رؤوسها وتخلت عن مصالحها الحيوية بها أضافت عنصرا اجتماعيا جديدا ونشيطا إلى عدد كبير من المراكز المغربية، وهكذا ومنذ العصر الوطاسي وحتى الآن نسمع عن أسرة الغربي المنسوبة إلى الغربية من دكالة، وأسرة الزموري والدكالي وغيرها بفاس وسلا والرباط والدارالبيضاء وجهات أخرى.
إن عطاء الفكر الإسلامي بدكالة شمل مختلف المعارف المتصلة بالدين، ولم يقتصر على التصوف وحده، ومن المثقفين الذين كان لهم إشعاع فكري واسع:
1- في العهد المرابطي: أبو ينور عبد الله بن واكريس المشترائي، وهو من شيوخ أبي شعيب أيوب الصنهاجي الملقب بالسارية، وقد برز في التصوف.
2- في العهد الموحدي: محمد بن ينصارن الماجري الدكالي المتوفى 584 هـ وهو من أعلام التصوف.
3- في العهد المريني: محمد بن علي الدكالي الذي هاجر إلى مصر وعرف هناك بابن النقاش. وتوفي بالقاهرة 763 هـ ، ومن مؤلفاته: تفسير السابق واللاحق، الذي لم ينقل فيه أي شيء، عمن سبقه من المفرين، ورسالة في استخدام أهل الذمة في الوظائف، وقد ترجم له الزركلي في الإعلام، وذكر مصادره وهي معروفة.
4- في العهد الوطاسي: أبو القاسم بن محمد الماجري استاذ عبد الرحمن بن الملجوم بفاس، وابن الماجري هذ فقيه ونحوي، وتوفي سنة 911 هـ.
5- في العصر السعدي: أبو القاسم المشترائي: محدث وفقيه ومفسر، وناقد للمفسرين واتجاهه الأخير هذا نادر بين هيئة المشتغلين بالتفسير. وقد قضى أكثر حياته بفاس، توفي سنة 978هـ.
6- في العهد العلوي: أبو القاسم بن محمد (يفتح الميم الأولى) المشترائي. وهو من الفقهاء البارزين بفاس، حيث توفي سنة 1098 هـ. ولا يمكن هنا إغفال شخصية الشيخ شعيب الدكالي الذي كان له إشعاع على نطاق المغرب والشرق العربي كمحدث كبير ومشارك ضليع، كذلك تجدر الإشارة إلى شخصية أخرى من أصل دكالي، وهو محمد بن علي الدكالي المؤرخ القدير بسلا.
والحقيقة أن سلسلة الإعلام الفكرية من دكالة لا يمكن حصرها في عرض وجيز كهذا، وتاريخ الفكر بهذه المنطقة يحتاج إلى عمل شامل ودقيق يتجاوز بجرد ذكر الإعلام في جملة أو فقرة.
إن تركيب المجتمع الدكالي الذي شهد تغيرات كبرى وذات أهمية فريدة، كان له أثر عميق وحاسم في تنشيط الحركة الثقافية وتطور أسالب ترسيخ الفكر العقائدي في مجمله بالمنطقة، وهكذا وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، وجدنا العنصر الزناتي والمصمودي يسود المنطقة اجتماعيا وسياسيا وفكريا طيلة العهد الإسلامي حتى مجيء المرابطين، وميزة العقلية المصمودية أن تتشبت بذاتيها وترتكز على ربط الواقع بالمبدأ وتقدر تصرفاتها ومخططاتها حسابيا، وأخيرا ترتبط بالأرض بشكل لا ينافسها فيه أي عنصر اجتماعي آخر، وهذا هو السر في صمود برغواطة زمنا طويلا لهجومات الأنظمة المتعاقبة.
وبانسحاب الجزء الأكبر أو قسم كبير على الأقل من العناصر المصمودية وانضمام بعض القبائل الصنهاجية إليها، يأخذ الفكر الصوفي نفسا جديدا في المنطقة: أولا كتوطيد لدعائم السنة، وثانيا لأن هذه القبائل من أصل صحراوي يعيش على الكفاف ويقنع بحياة التقشف التي تلائم الفكر الصوفي في مجمله، وبهذا يتضح تماما سر انتشار الفكر الصوفي بسرعة وعمق في دكالة على يد العنصر الصنهاجي. وقبل انصرام القرن 6 هـ - 12م تعززت دكالة بالعنصر العربي من بني هلال، وبالنظر لكثرته العددية، ولتشابه التقاليد العربية والصنهاجية، فقد عمل هؤلاء على تعريب اللسان الدكالي تدريجيا.
ومن اندماج العناصر العربية والمصمودية والصنهاجية تألف عنصر موحد بعد أجيال، فقد تأثر من العرب لسانا وحتى مسكنا في البوادي، ومن المصامدة بحب الأرض وخدمتها، ومن صنهاجة ببعض السمات البشرية لا سيما طول القامة بالنسبة لعدد كبير من السكان، وكذا بتعزيز العقيدة الإسلامية  تصوفا وفقها وإنشاء مدارس وتشيط حركة التعليم الإسلامي بشتى الوسائل. ولنفس السبب نجد دكالة تسهم بوفير حظ في علوم دينية أخرى كالحديث والتفسير والقراءات، فكونت المنطقة بحق شخصيتها المتميزة والمتنوعة، بعيدا عن مؤثرات خارجية أن توجيهات مرسومة.
وحيث أن الفكر الديني في الإسلام لا ينفصل عن النضال السياسي فإن الشعور الوطني لدى السكان لم يفتر قط مع وجود احتلال أجنبي قائم. ولقد قام الصوفية والمثقفون  بتوعية السكان وتحميسهم لطرد المحتلين، ولذلك كان هؤلاء يتعرضون باستمرار للخطر كلما غامروا بالخروج ليلا من منطلقهم بأزمور أو الجديدة أو أبعدوا نهارا عن حشودهم العسكرية.
وتتحدث التقارير البرتغالية عن نضال الدكاليين وهجوماتهم المتتالية على البرتغال بالرغم من وجود خيانات لا يخلو منها زمان ولا مكان.واقتناعا بضرورة الدفاع عن الأرض والعقيدة، تعاون الدكاليون مع المجاهد العياشي على النضال ضد البرتغال، كما ناضلوا بقيادة السلطان سيدي محمد بن عبد الله من أجل تصفية الاحتلال البرتغالي للجديدة، وأن تحرير البريجة بفضل التنظيم العسكري والتدخل الحاسم للجيش والسكان ليعد عملا إيجابيا رائعا، ومن المفاخر الوطنية التي سجلها الملك المناضل.
والواقع أن المثقف الدكالي، والإنسان الدكالي بوجه عام، ظل عبر الأجيال، إلى جانب روحه النضالية، يتسم بالجدية والذكاء والقدرة على كسب المهارات، مع التزام المروءة وحسن المعاملة، والصراحة وعلو الهمة، ولا ريب أن الجيل الصاعد سيظل متسما هو أيضا، بهذه الشمائل التي ورثها عن أسلافه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here