islamaumaroc

المغرب في مقولات كاتب مشرقي: "الإسلام الصراط المستقيم"، فصل بقلم إسحاق موسى الحسيني.

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

في خزانتي كتاب عنوانه "الإسلام الصراط المستقيم" حملته من بغداد في شهر فبراير سنة 1965، هدية من زميل كريم من أعضاء المؤتمر الخامس للأدباء العرب "الأستاذ نور الدين الواعظ، المحامي ببغداد" وهو الذي راجع الترجمة العربية للكتاب عن طبعته الإنجليزية الأمريكية بإشراف "كينيث مورغان: أستاذ الأديان بجامعة كولجيت" وكتب فصوله تسعة من كبار الكتاب المسلمين: من مصر وفلسطين وتركيا وإيران وباكستان والصين واندونيسيا. ونشرته مؤسسة "فرانكلين" على أوسع نطاق، في نيويورك وبغداد وبيروت سنة 1961.
ومن عادتي أن أقرأ كل كتاب يصل إلى يدي، ثم تحدد قراءتي الأولى موقفي منه: فإما أكتفي بتدوين ملاحظاتي عليه في مفكرتي ثم أوجهه إلى أحد أبنائي طلاب التخصص أو إلى إحدى المكتبات الإقليمية التي أزودها بما أستغني عنه من كتب بعد مطالعتها، وإما احتفظت به في خزانتي تحت النظر والمراجعة، لتعلقه بما يشغلنا من قضايا الفكر المعاصر.
في الموسم الماضي، رجعت إلى كتاب (الإسلام الصراط المستقيم) التماسا لما دونت عليه من ملاحظات أحتاج إليها في قضية التفسير الديني لتاريخنا، فوقفت طويلا عند الفصل الذي كتبه عن "الثقافة الإسلامية في البلاد العربية والإفريقية" الأستاذ المعروف "إسحاق موسى الحسيني" من أعلام المفكرين الفلسطينيين، وأستاذ الأدب العربي في معهد البحوث والدراسات العربية وفي الجامعة الأمريكية، بالقاهرة.
وقد حظيت زمانا بزمالته، عندما كنت أحاضر بمعهد الدراسات من سنة 1962 إلى أن قطعت صلتي به سنة 1973. والذي أعرفه لسيادته من القدر والمكانة، هو ما يحملني على مراجعته في ملاحظات لي، على الفصل الذي كتبه في "الإسلام الصراط المستقيم" من حيث أعرف أن ما يكتبه الأستاذ، موضع ثقة وقبول من عامة المثقفين...
والقضية، من جانبها العام، تتعلق بفكرة المشارقة المحدثين – بفتح الدال مخففة – عن المغرب الأقصى الذي عرفه تاريخ أمتنا رباطا لحماية الإسلام دينا ودولة، ولسانا وعلما، وحضارة وتراثا ..
وقد شغلتني هذه القضية من سبع سنين، حين شرفت بالدعوة الملكية لأشغل منصب أستاذة الدراسات العليا في جامعة القرويين، فتنبهت وأنا آخذ مكاني في أعرق جامعة إسلامية، إلى ما يدين به طلاب المدرسة الإسلامية حيثما وأينما كانوا، للعلماء المغاربة الذين كانوا أساتذة الأجيال منا، في عطاء تراثهم السخي الذي تزودنا منه على طول الطريق في دراستنا لعلوم الإسلام والعربية.
وكنت قبل رحلتي العلمية إلى المغرب، في غفلة من هذه المشيخة المغربية لطلاب المدرسة الإسلامية التي أنتمي إليها. فمن الإنصاف أن ألتمس العذر للكتاب المحدثين، فيما يغيب عنهم من تاريخ المغرب الإسلامي، وليس لجمهرتهم انتماء إلى المدرسة الإسلامية التي انفردت، من عصر صدر الإسلام على جيل آبائنا، بالقيادة التعليمية لأبناء الأمة، موحدة المنهج والبرامج والكتب في كل أنحاء العالم الإسلامي. وإنما بدأت ظاهرة العزلة الفكرية للمشارقة عن المغاربة، مع الغزو الإستعماري الذي قطع الأواصر العلمية بين شعوب أمتنا الواحدة، وانتهى العهد بوحدة التعليم الأساسي الأصيل في المدرسة الإسلامية، وتوزعت أبناء جيلنا شتى المدارس والثقافات، فنحن فيما بيننا غرباء..
وهذا ما ينوط بمعهد الدراسات – وهو من مؤسسات جامعة الدول العربية – دورا خطيرا في تصحيح ظاهرة العزلة، ويعطي حديث الأستاذ اسحاق الحسيني عن "الثقافة الإسلامية في البلاد العربية والإفريقية" أهمية خاصة في الفكر المعاصر.
يبدو لي أن الأستاذ المؤرخ للثقافة الإسلامية، جرى قلمه عفوا بكلمات ومقولات رسخها الغزو الفكري في وجداننا. إذ بدأ الحديث عن مصر وافريقيا، بقوله:
"غزا العرب مصر في أوائل القرن الأول الهجري..
"غزا المسلمون شمالي افريقيا عام 23 هـ -62م، بعد أن أنهى عمرو بن العاص احتلال مصر. ولكن الغزو الفعال حدث بعد حوالي أربعين عاما، على يد الأمويين الذين أسسوا حامية عربية إسلامية في القيروان".
والتاريخ لا يعرف غزوا عربيا واحتلالا إسلاميا لأقطار مصر وإفريقيا، وإننا يعرف "فتوحا إسلامية" ولا يهون علينا أن يقول كاتب عربي مسلم بغزو عربي واحتلال إسلامي، على حين فرضت طبيعة الفتوح واقعها التاريخي على المحققين من علماء الفرنجة، مثل "بتلر" في "فتح مصر" و "جوستاف لوبون" في تاريخه لحضارات البلاد التي فتحها الإسلام و "جويدي" في محاضراته عن الشرق والعمران، و "فلهوزن" في تاريخ الدولة العربية...
وقول الأستاذ: إن الغزو الفعال، حدث بتأسيس القيروان، بعد أربعين عاما من احتلال مصر سنة 25هـ، يخالف للمعروف تاريخيا من تأسيس "عقبة بن نافع الفهري"مدينة القيروان وبنائها، سنة ثمان وخمسين، بعد سنة من توجه "حسان بن نعمان الغساني" إلى إفريقيا، فصالحه أهلها على من يليه من البربر..
ويتابع الأستاذ اسحاق الحسيني تاريخه لغزو شمالي إفريقيا فيقول ما نصه:"وامتد ذلك الغزو بعزم وثبات صوب المغرب، إلى أن بلغ شواطئ المحيط الأطلسي، وأدخل في الإسلام جموعا غفيرة من البربر، هم بقايا الرومان والوندال".
ولا أدري من أين جاء بهذا الأصل الروماني والوندالي للبربر، والمؤرخون وعلماء الأنساب، يرجعون في نسب البربر إلى ما قرره "ابن حزم الأندلسي" في جمهرة الأنساب، من كونهم: من ولد كنعان بن حام. وقال ابن خلدون في المقدمة الأولى من كتابه (العبر وديوان المتبدأ والخبر في أيام العرب والعجم البربر): إن المحققين من نسابي البربر، على أنهم من ولد مازيغ بن كنعان، بن حام.
وبه قال" ابن عبد البر: حافظ المغرب" و "أبو العباس الناصري: مؤرخ المغرب" في (الاستقصا) وهم بلا ريب أعلم بأنساب قومهم وتاريخهم، فإلى من رجع الأستاذ الحسيني في قوله أن البربر المغاربة من بقايا الوندال والرومان؟
ومثله في الغرابة، قوله في نسب عرب فلسطين: "وهم في الأغلب من نسل الحجاج والزوار واللاجئين الذين كانوا قد جاءوا إلى الأرض المقدسة بحثا عن ملجأ لهم ومأوى، في موطن الصخرة والمسجد الأقصى الذي يقدسه المسلمون جميعا بعد الكعبة المشرفة" !!؟
ويتابع الأستاذ في حديثه عن المغرب، قال:
"وفي القيروان بذلت جهود لنشر الإسلام واللغة العربية بين البربر. وفي سنة 100 هـ وضع الخليفة الأموي هناك بعثة تبشيرية – كذا ! – عرفت باسم بعثة العلماء العشرة، التي يعود إليها الفضل في إقناع معظم قبائل البربر باعتناق الإسلام وتعلم اللغة العربية".
يعني بعث أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز عشرة من فقهاء التابعين وقرائهم، إلى الشمال الإفريقي الإسلامي.
قبلها بعشرات سنين دخل الإسلام المغرب، ومعه العربية، لغة الدين والدولة، من أول الفتح.
وقبل "البعثة التبشيرية" بنحو عشر سنين، عبر القائد المغربي طارق بن زياد البربري الصنهاجي المضيق إلى إسبانيا، في اثني عشر ألفا من جنده، فيهم عشرة آلاف من المسلمين المغاربة الأمازيغ !
وفي القرن الثاني- الذي بدأت في مطلعه الدروس الأولى للبعثة- كان من علماء  المغرب فقهاء ورواة، رحلوا إلى المدينة المنورة وأخذوا العلم عن "مالك بن أنس" أمام دار الهجرة، وفي الطبقة الأولى من أصحابه الذين كان لهم ظهور في العلم في مدة حياته "93-179 هـ" تسعة عشر فقيها من أهل إفريقيا والأندلس، وفي الطبقة التي تليها منهم عشرون. ومن علماء الطبقة الأولى "الذين انتهى إليهم فقه مالك، ممن لم يره ولم يسمع منه" سبعة وثلاثون فقيها من أقطار المغرب الكبير، منهم "الإمام سحنون" صاحب "المدونة" أكبر أصول الفقه المالكي بعد الموطأ..
ولم يأت القرن الثالث، حتى كان المغرب دار حديث وفقه وعربية.
وبهذا نرد أيضا قول الأستاذ الحسيني.
"وقد تأيد ولاءهم لعقائد أهل السنة والفقه المالكي من نهاية العام الثالث الهجري، عندما تأولوا الدولة الفاطمية في مصر".
وأقول: الدولة الفاطمية لم تبدأ في مصر في نهاية القرن الثالث، بل بعد متنصف القرن الرابع، وعلى التحديد في شعبان من سنة 358 هجرية.
والمذهب المالكي لم يتأخر "ولاء المغاربة له" إلى العصر الفاطمي، بل ورسخ في المغرب قبله بزمن طويل. وكانت "مدونة سحنون" المرجع في القضاء والفتا على المذهب. والمعروف من تاريخه بالمغرب، أنه مر بأزمة عصيبة في عصر الدولة الفاطمية، بسبب محاولتها حمل الناس قسرا على ترك مذهب الإمام مالك الذي حمله المغاربة، إلى المذهب الشيعي.
ونمضي مع الأستاذ إسحاق الحسيني في تاريخه للمغرب، إلى أن قال:
"وفي نهاية القرن التاسع الهجري، انهار الحكم العربي في الأندلس أخيرا، والتجأت الطوائف –كذا !- الإسلامية فيها إلى المغرب، وأصبحت أجزاء من شمالي إفريقيا تحت سيطرة الإسبان وظلوا يحكمونها إلى أن جاء الأتراك العثمانيون فحرروا طرابلس وتونس والجزائر. أما مراكش فقد ظلت في مناي عن الحكم العثماني، وظل يحكمها سلاطين الحقوا نسبهم بالنبي" صلى الله عليه وسلم...
والذي في التاريخ، إن دولة الإشراف العلويين التي خلفت الإشراف السعديين بعد القرن العاشر، لم تلحق نسبها بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل هي في النسب الشريف من الصميم. وقد كان الأجيال من آبائها الإشراف، يعيشون في المغرب ملء القلوب من عهد الدولة الإدريسية التي أسسها سنة 172هـ، جدهم "ادريس بن عبد الله بن الحسن المتنى بن الحسن بن على بن أبي طالب" رضي الله عنهم. ولم يسع الإشراف العلويون إلى الحكم، بل نهضوا به تكليفا، عندما تصدعت الدولة السعدية بعد موت السلطان "المنصور الذهبي" وصراع بينه على الحكم "فضربت الحرب بينهم، وأهملوا الثغور والرعية والجند، وتمزقت الدولة بالفتنة، بين الثوار من رؤساء القبائل، فصاروا كملوك الطوائف بالأندلس. وخيف على الثغور المغربية من خطر الغزو الصليبي، فلاذ الناس بسبط النبي صلى الله عليه وسلم: "المولى محمد بن الشريف علي" حفيد الشريف "الحسن الداخل"، وقد خلفه أخوه: "المولى رشيد" سنة 1075هـ ثم "المولى اسماعيل" سنة 1082 هـ، الذي بقى الملك في عقبه الشريف، إلى اليوم، ذرية نقية طيبة، من آل بيت النبي، صلى الله عليه وسلم.
وتحدث الأستاذ عن الطرق الصوفية التي "تعمل في تكايا، هي بمثابة جماعات منظمة لنشر تعاليمها وطقوسها الصوفية.. والتعليم في شمال إفريقيا متوفر بالمدارس الدينية الملحقة بالمساجد والتكايا. وتكايا الطرق الصوفية في مراكش، أكثر منها في تونس.. وهذه التكايا ساعدت على نشر التعليم بين الشعوب الإفريقية، إذ كانت كل تكية مدرسة تعلم الناس القراءة والكتابة والقرءان الكريم".
وأراه خلط هنا بين التكايا والكتاتيب التي يطلق عليها في المغرب والسودان: المسيد- لغة في المسجد- بل أخشى أن يقع خلط بين التكايا التي نعرفها مأوى لضيافة الغرباء، أو ملجأ خيريا لمن يطلق عليهم الشعب "تنابلة السلطان".
وبين الزوايا المغربية التي عرف لها التاريخ من المائة الخامسة للهجرة، دورها الخطير في السياسة والفكر والعلم والجهاد. ومنها تخرج قادة إعلام وعلماء، كانوا، نجوم الداجية والعلم الإسلامي ينحدر إلى ظلمات ليل الاحتلال. فإلى القرن الحادي عشر للهجرة، كانت الزوايا المغربية دور رباط وعلم، عامرة بالعلماء والطلاب وذخائر الكتب: الزاوية الدلائية مثلا –أسست في النصف الثاني من القرن العاشر- بلغت مساكن الطلبة الملحقة بها ألفا وأربعمائة مسكن ضاقت بهم على سعتها، عدا دور الضيافة المعدة لاستقبال العلماء ممن كانوا يفدون على الزاوية للقاء شيوخها الدلائيين. وبلغ رصيد خزانتها أكثر من عشرة آلاف مخطوط، من نفائس علوم العربية والإسلام. وكذلك كانت الزوايا الفاسية والعياشية، من أكبر المراكز العلمية في المغرب في القرن الحادي عشر، وما تزال خزانتها شاهدة على عهدها الزاهر" عهد تكايا، أو كتاتيب أولية بدائية "لتعليم القراءة والكتابة والقرءان الكريم".
وكتب الأستاذ عن التعليم الإسلامي بالمغرب المعاصر:
"ويدرس التعليم العالي في مراكش وفي جامعة القيروان في فاس، وفي المسجد الكبير في تطوان، ومركز الدراسات العليا في تونس هو جامعة الزيتونة القديمة الشهيرة وفروعها. وقد ألحق بجامعة القيروان بفاس، مسجد كبير آخر في عاصمة الجنوب –مراكش- يدعى مسجد ابن يوسف.. أما التعليم على مستوى عال في جامعة القيروان، في مراكش، فيشمل تدريب الأساتذة والأخصائيين في الفقه والأدب. وفي جامعة الزيتونة كليات للشريعة والألهيات والأدب والقرءان".
وفي كل هذا، وهم مستغرب من مثل الأستاذ الكبير:
فجامعة القيروان تحريف غليظ لجامعة القرويين أعرق جامعة إسلامية، ذات الماضي المشهود في تاريخ العلم بالشرق والغرب، والتي حملت منذ تأسيسها قبل منتصف القرن الثالث للهجرة، منار علوم الإسلام على حافة بحر الظلمات. فأضاءت للغرب الأوروبي ليل عصوره الوسطى.
وجامعة القرويين لا تدرب الأساتذة على الفقه والأدب فحسب، بل تخرج علماء راسخين في علوم الإسلام والعربية.
وجامعة القرويين لا تستقبل طلابها بتطوان وعاصمة الجنوب في الجوامع، بل لها مع كلية الشريعة بفاس، كلية أصول الدين بتطوان، وكلية الدراسات العربية بمراكش، ودار الحديث الحسنية بالرباط. ويتابع المتخرجون في هذه الكليات، دراساتهم العليا إلى درجة العالمية: دكتوراه الدولة في علوم الإسلام.
وتحدث الأستاذ الحسيني، بعد كلامه عن جامعة القيروان بفاس والزيتونة بتونس والجامعة الإسلامية في بنغازي، عن التعليم الإسلامي في السودان وتكاياه، دون إشارة إلى معاهده العالية التي كانت نواة لجامعة أم درمان الإسلامية، المرجوة لأن تكون منارا في قلب قارتنا الإفريقية العريقة.
ثم كتب مقررا:
"ولا شك أن العقيدة الإسلامية بين الشعوب الإفريقية –هكذا بالجملة !؟- لم تكن تخلو من تأثير الشرك الخفي، إذ لم تبلغ الإفريقيين بحالتها الصحيحة التامة"..
فماذا عساي أن أقول، سوى أن أرجع بسيادته إلى مقالي ليقرأه من أوله، وأن أستغفر الله لي وله؟ ! "ذلك مبلغهم من العلم أن يتبعون إلا الظن وأن الظن لا يغني من الحق شيئا".
صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here