islamaumaroc

من وحي ذكرى ثورة الملك والشعب

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

من سوء حظ الاستعمار الفرنسي ـ بالخصوص ـ أنه لم يكن يدرك حق الإدراك: أن العرش المغربي في مستوى العرش الواعي لمسؤوليته الوعي العميق.
وأن الشعب المغربي في مستوى الشعب الواعي لمسئوليته أولا إزاء نفسه، ولمسئوليته إزاء عرشه والجالس عليه منذ الفتح الإسلامي.
وبالرغم من «وصايا شيخ الاستعمار وامامه»: (المارشال اليوطي)، بأن من صالح فرنسا أن تتنبه إلى أنها «وجدت في المغرب عرشا وشعبا» فإن الأحفاد والأولاد تجاهلوا «وصايا» الأجداد، فامتطوا متون الطيش، والجمود، والعناد.

أول إنذار للاستعمار:
أن أول إنذار للاستعمار، كان يكمن في جرأة الملك الخالد الصالحات: المولى عبد الحفيظ، فإنه ما أحس بخطورة الغزو في عهد أخيه المولى عبد العزيز حتى أخذ بيده الحديدية زمام العرش.
ولم يكن ليفلح في «هذا الانقلاب الأبيض». إلا لأنه تجاوب مع غيره البطولة الشعبية المغربية، وترجم لها بمواقفه الصارمة: إحساساتها، ومشاعرها، ووجدانها، وأمانيها، وآمالها... وليس معنى ذلك: أن المولى عبد العزيز لم يكن في المستوى الملائم، وهو الذي كان الموفر لنا «عقد الجزيرة» على ما كان فيه، ولكن، ولكن معنى ذلك، أن الشعب يميل ـ بطبيعته ـ إلى «أقصى اليمين» فكان المولى عبد الحفيظ في نفس الخط وأشد. في حين كان اجتهاد المولى عبد العزيز يرى أن الصرامة «اليمينية» في وجه طغيان طوفان الاستعمار، ربما تكون غير مضمونة العاقبة.
هكذا أرى وأتصور شخصيا على الأقل «عوامل الانقلاب الأبيض»....
من آيات التفاعل مع المولى عبد الحفيظ:
حسبنا من هذه الآيات: ثورة بني يزناسن في نفس سنة الاحتلال. وثورة الريف في نفس السنة والتي قادها بطلا بني يزناسن والريف: المختار البوتشيشي، والشريف محمد أمزيان.
ثم تلاحقت الثورات في مختلف أقاليم المملكة.
واستغل المولى عبد الحفيظ هذا التفاعل مع غيرة البطولة المغربية. فأنقذ كل ما يمكن إنقاذه في تلك الظروف العصبية مما تضمنه «عقد الحماية»: 30 مارس 1912م.
وحسبنا من بطولته ورباطة جأش أن الاحتلال كان في غشت 1907م، واستطاع أن يطاوله حتى
سنة 1912م. وأن ذلك لمن أخلد مآثر الفكر المغربي العام، وأخلد مواقف المولى عبد الحفيظ رضي الله عنه.

وانتهت رسالة المولى عبد الحفيظ:
كان طبيعيا أن يتصلب المولى عبد الحفيظ للوقوف عند حدود بنود «عقد الحماية» حتى يتمكن من محاصرة الاستعمار في أضيق منطقة مطامعه، ريثما بعد الشعب من جديد للانقضاض على «عقد الحماية» غير أن جدة وطراوة قوة الاستعمار حملته على التخلي عن المسؤولية لأخيه المولى يوسف رحمه الله ـ بعد أن ترك له «عقد الحماية» لينطلق من أرضيته الصلبة نسبيا في تلك الظروف العصيبة.

تصلب... وثورة:
في سنة 1916م حاول اليوطي أن يجرب سياسة تمزيق الوحدة المغربية بتعطيل مفعول الشريعة الإسلامية، في الأطلس، تمهيدا للمحاولة التي وقعت في 16 مايو سنة 1930.
وحينما لم يجد تصلب المولى يوسف لإرجاع اليوطي عن محاولته، قامت ثورة نسائية في «زمور» من جهة، وثورة في «قبيلة الزكارة» بشرق المغرب من جهة ثانية.
وحينما أراقت المرأة الزمورية دماءها فداء للشريعة الإسلامية، تأكد اليوطي من تصلب المولى يوسف. فتخلى عن محاولته الخطيرة إلى حين...

نزع الملكية. بعد الهجوم على الإسلام:
174سنة 1927م وفي عهد المقيم العام: «أستينغ» قام هذا بمحاولة إصدار ظهير لنزع الملكية لمصلحة الاستعمار، لتتكامل محاولته مع تشريع اليوطي في الموضوع سنة 1914.
فالملكية، والإسلام، كانا هدفي الاستعمار الأساسين.
فالمواطن المغربي متى افتقد موضع قدمه، وافتقد ظلال الإسلام، افتقد شخصيته من طرفيها: السفلى والعليا، فتهاوى الوسط تلقائيا. وطويت نهائيا صفحة الشعب المغربي مع صفحة عرشه، وأصبح الجو هادئا مطمئنا لأبناء الغزاة...
كان ذلك في سنة 1927 بالذات، لأنه مرت سنة كاملة على استسلام بطل الريف الثاني محمد بن عبد الكريم رحمه الله.
ولم يبق أمام الاستعمار إلا ثورة أبي القاسم البوزكاوي الزروالي الإدريسي الشهير بأبي القاسم النكادي في إقليم تافيلالت.
عقب استصدار ظهير نزع الملكية لمصلحة الاستعمار، التحق المولى يوسف بربه بعد أداء رسالته جزاه الله خيرا.
وسيأتي يوم يكشف فيه التاريخ العادل عن مواقف المولى يوسف الخالدة إزاء الاستعمار. فتعلم الأجيال كم قاسى هذا الملك الطيب من ويلات الاستعمار...

الملك الصالح الميمون الطالع:
توفي المولى يوسف رحمه الله والمغفور له محمد الخامس ابن سبع عشرة سنة، فكان «مساعده» على المسئولية «الصدر الأعظم، أو كبير الوزراء: الحاج محمد المقري».
وكانت أولى الكوارث التي واقفته وجها لوجه، ما قام به خلف «استينغ»: لوسيان سان» في 16 مايو 1930، من محاولة للهجوم على الإسلام مرة ثانية علانية تأكيد الهجوم سلف سلفه اليوطي سنة 1916م.
في هذا التاريخ بالذات، كانت مرت خمس سنوات على أول «جمعية سلفية» في فاس. وأبو القاسم النكادي لما يزل يذيق الاستعمار مرائر الضربات في تافيلالت. والمجاهدون يتقاطرون عليه من كل حدب وصوب...
فالملك الصالح، والميمون الطالع. وجد أمامه «هذه الجمعية» وأبا القاسم النكادي، سياسة سلفية، وجهادا مسلحا إسلاميا.
وإزاء ثورة عارمة على محاولة 16 مايو 1930. التي تفاعلت مع العرش والجالس عليه الملك الصالح كشأن الحال في كل كارثة. كادت محاولة «لسبان سان» أن تبقى حبرا على ورق... لاسيما «والجمعية السلفية» في فاس، وفي الرباط، وسلا على الخصوص، سرعان ما تحولت إلى مؤسسة وطنية إسلامية بمعنى الكلمة، وأخذت تصعد النضال في منتهى الوعي والصمود. فانسحب لوسيان سان تحت جناح الظلام، وفي قلبه من المرارة ما الله به عليم من تفاعل ثورة العرش والشعب.

جس نبض الملك الصالح:
وجاء المقيم: «بونصو» خلفا «للسيان سان» ليدفع بعجلة الاستعمار إلى الأمام «بلون ثالث» من ألوان المكر الاستعمار.
ويتعلق الأمر بمحاولة تمثيل الجالية الأجنبية الفرنسية أصالة وجنسية في البرلمان الفرنسي، ومعنى ذلك بصريح التعبير: تحويل المغرب إلى مقاطعة من مقاطعات فرنسا. وعلى العرش والشعب ءاخر تحية وسلام.
في هذه الظروف أيضا تفاعلت طاقات الشعب بطاقات الملك الصالح فانسحب «بونصو» يجر ذيول الخيبة والهزيمة. فضاعف ذلك من تلاحم الشعب بالعرش بقدر ما اهتزت صدور الاستعماريين، وكادت قلوبهم تقفز إلى أفواههم. وعاد جس النبض عليهم بعائدات الويل والثبور. وكان ذلك في سنة 1935، وهي نفس السنة التي ألقى فيها السلاح المغفور له أبو القاسم النكادي.

طيش.. وانحطاط خلقي:
كان الفرنسي: «بيروتون» في هذا العدد في منتهى الحماس بكونه «نجح» في القضاء على الوطنية التونسية، حيث كان مقيما عاما بها. فأسندت إليه نفس المهمة بالمغرب. وكان ذلك في أبريل 1936.
وقبل أن يغادر مارسيليا للدار البيضاء صرح للصحفيين: بأنه «يفتخر بكونه» قضى على حزب الدستور في تونس وأنه كذلك سيقضي على «الكتلة الوطنية بالمغرب»، وأن القوة والعنف هما الشعار الذي يجب أن يتبع في السياسة الأهلية بشمال أفريقيا».
وطرب مقيم إسبانيا بتطوان: «السنيور موليس» فاستدعى الصحافيين وصرح لهم بأن ما قاله مسيو «بيروتون» هو الدستور الذي سيتبعه هو أيضا في السياسة المغربية، وأن «التجربة» علمته أن كل تهلون في الموضوع لا يؤدي إلا إلى استفحال أمر «المهيجين الوطنيين».
وهكذا «تغازلا المقيمان» تغازل الاغرار البسطاء. فما كان من «بيروتون» إلا أن استقرض في الحين مبالغة طائلة للميزانية المغربية وأعطى منها للمعمرين ما رفضه «بونصو» كما فرض بعض كبار القواد ستة ملايين من الفرنكات. ولكن لم يكاد يصل إلى الرباط حتى تشكلت حكومة «بلوم». كما قامت ثورة «فرانكو» فأصيب المتغازلان بصدمتين خطيرتين.
فتدهور فكر «بيروتون» فاستقبل على كرسيه الملولب «وفدا من الوطنيين».
وبرغم ما كان منه من خلق رديء حيال هذا الاستقبال. فإنه أول مقيم اعترف ضمنيا بالوطنية المغربية وإذا بالملك الصالح الميمون الطالع يقف من عجرفته موقف المؤمن الصادق. ثم انسحب تحت جناح الظلام غير مأسوف عليه، وتلك عاقبة الطيش والخلق الدريء...

العسكريون بدل المدنيين:
إن سياسة العنف والقوة التي أعلن عنها «بيروتون» وتابعه «موليس» هي عقيدة الاستعمار لأنه يعلم أن كل تسامح يؤدي إلى الانهيار، فأقدامه لا تثبت قليلا إلا على أرضية العنف. إذ أن وضعيته غير طبيعية. فلا صيانة لها وقتا ما، إلا بالعنف والقوة.
ذهب «بيروتون» وخلفه الجنرال «نجيس» في عجرفة متناهية، فمازال يتعجرف برتبته وأوسمته الذهبية..
والملك الصالح ـ ومن ورائه الوطنية الصادقة، يقلم أظفاره حتى حانت فرصة ثمينة بانعقاد مؤتمر «أنفا»: الملك الصالح روزفيلت، تشيرسيل.. فاختلى بهما الملك الصالح وقرر الإذن لهما بدخول جيش الحلفاء إلى المغرب على أساس ضمان حق تقرير المصير. فاصطدم بذلك نجيس، وقرر مدافعة جيش الحلفاء، فنزل الجيش بالرغم عنه في ثاني نوفمبر سنة 1942، وفي يوم الأربعاء بالضبط.
فكان من أمر نجيس أن فشل في المدافعة وفر إلى البرتغال، ثم حكمت على «بيتان» بالإعدام وعشرين سنة، ولما دفن «بيتان» الموالي للمحور أحيط قبره بسلسلة علامة على أنه لما يزال سجينا في قبره، ولن تزال تلك السلسلة حتى تنقضي مدة سجنه عشرون عاما!
و«بيتان» هو الذي جاء على رأس باخرة حربية لمساعدة الإسبان على حرب محمد بن عبد الكريم رضي الله عنه وتلك عاقبة الظالمين.

الجنرال المشئوم على قومه:
كانت الحرب العالمية الثانية في أعنف ضراوتها فأرسلت فرنسا الجنرال كبريال بيو مقيما عاما خلفا للجنرال الهارب: نجس...
وفي هذا الظرف بالخصوص، وصل التحام النخبة الوطنية بالملك الصالح منتهى السمو والثقة المتبادلة حتى كان الملك الصالح يجتمع بها في «قبو» بالقصر الملكي.
فأسفر هذا الالتحام، وذلك التبادل العميق في الثقة والسمو عن «وثيقة 11 يناير 1944م»، التي كانت مفاجأة لخبراء الاستعمار، وللرأي العام الدولي، فكانت مظاهرات دامية واعتقالات، وأحكام بالإعدام، فوجد «كاتبه» نفسه في قلب المعركة ولله المنة والحمد والشكر.
حاول الجنرال المقيم المشئوم على قومه أن يتدارك الخطر.. ولكن تهاوى أمام هذه الضربة القاسية، فانسحب إلى غير رجعة.

يد من حديد في قفاز من حرير:
لقد فسلت سياسة الجنرالات المقيمين العامين في المغرب على طول الخط.
فالعنف والقوة صعدتا النضال الصامد المشترك بين العرش والشعب ضدا على الاستعمار.
فعاد الاستعمار لتجربة المقيمين المدنيين، فكان «اريك لبون».
جاء هذا المقيم «بيد من حديد في قفاز من حرير» فلقد «فتح ءافاقا» في وجه الأنشطة الوطنية عرشا وشعبا، وأول خطوة كانت في إطلاق سراح المعتقلين الوطنيين التي بدأها سلفه «الجنرال كبريال بيو» وترك منها «بقية» لخلفه المذكور.
وكان على رأس لائحة الباقين: الزعيمان علال الفاسي.. ومحمد بن الحسن الوزاني رحمهما الله، والحاج أحمد بلافريج شفاه الله.
وتغاضى المقيم الجديد عن الحفلات التي استرسلت قرابة شهر في فاس والرباط حيث تدفقت سيول الوطنيين على المدينتين من جميع الأقاليم.
وإثر ذلك استأنفت الصحف الوطنية أنشطتها مع «رقابة خفيفة».
واجتذب هذا الوضع السياسي «المتفتح» كثيرا من المترددين في الانعمار الوطني. وكثيرا من مستغلي الفرص الرخيصة، إلى انطوائية في أوساط أفاعي الخيانة...
بالإضافة إلى استحواذ الوطنيين على «الجمعيات الخيرية» واستئناف أنشطة التعليم الحر إلى تسهيل الانخراط في نقابة «س.ح.ت.)  والمجاملة العامة من طرف المراقبين للوطنية بصفة عامة.
وبالأساس، تلكم «المجاملة الفائقة» للعرش والجالس عليه. حيث كانت الوطنية لا تجد سابق الصعوبة في الاتصال بصاحب العرش.
بينما الشعب المغربي بصفة عامة، والمناضلون والعرش بصفة خاصة يستغلون هذا «التفتح» بكل حذر ويقظة إذا بالمقيم «لبون» يركز الاقتصاد الأجنبي ليكون الاقتصاد المغربي عالة عليه، أو على الأكثر ليتهاوى إلى الحضيض...
وكان المقيم «لبون» يتخيل أثناء تركيزه للاقتصاد الأجنبي أن رأسه محمي من «طاقة الإخفاء»..
وما شعر إلا والعرش والوطنية الصادقة يجاذبانه الحبل بقوة، ويناقشانه ويعارضانه بكل ضبط ودقة، وإذا مشاريعه تتراكم في الديوان الملكي بدون توقيع حتى بالحروف الأولى!

الموقف الملكي الرائع من المشاريع المقيمة:
بينما كان «لبون» يتردد من حين لآخر على صاحب الجلالة المغفور له محمد الخامس بغية التوقيع على «الإصلاحات الاقتصادية»، كان صاحب الجلالة يتدارس خطة رائعة مع إبراز الشعب ومناضليه.. لا لتحطيم «الإصلاحات الاقتصادية» الماكرة، ولكن لثورة عارمة عليها من جهة، والإعلان عن «حق تقرير المصير ـ داخليا ـ وإعادة العلاقات الطبيعية التاريخية مع العروبة والإسلام خارج نطاق الحدود المغربية، مع عدم إغفال طبيعة علاقات الجوار مع العالم الغربي عموما، وفرنسا وإسبانيا خصوصا.
فلم يشعر «لبون» إلا وصاحب الجلالة يخبره بمشروع الزيارة إلى الشمال عموما، وطنجة خصوصا.
وحينئذ أفاق «لبون» من غفلته المطبقة عما كان يجري في الخفاء، وهو يدور حول نفسه متصورا أن «مشاريعه الاقتصادية» الماكرة سترحم المغاربة من وضع أقدامهم على الأرض.
حاول أن يعرف فحوى الخطاب الملكي بطنجة، أو إفراغه من فحواه المستهدف، فلم يفلح.
وهنا «وجد نفسه مضطرا» إلى محاولة يائسة لعرقلة الزيارة، فقال له «حاكم البيضاء»: بونيفاس: «أنا لها» فكانت مجازر تاسع أبريل 1947م.
استبعد الملك الصالح الجانب العاطفي السلبي من الحوادث، مع القيام بما يقتضيه المقام ازاها. وأنجز زيارته المباركة التي تقدمت بالقضية المغربية أشواطا إيجابية في منتهى الإيجابية.

عودة إلى الجنرالات:
استدعى «لبون»: «الاشتراكي» للمشاورة معه إلى فرنسا، ولكنه كان استدعاء نهائيا...
ثم عرضت فرنسا مسئوليته على بعض المدنيين: المقيم القديم: «بونصو»، «جوفونيل» وغيرهما، فاعتذروا بأن الديبلوماسية الفرنسية قد فشلت في مراكش، وأنهم غير مستعدين لصوغ حلقة من حلقات هذا الفشل، مادامت الحكومة غير مستعدة لوضع حل نهائي للمسألة المغربية»..
إذن، فليكن لهذه المسئولية أكبر جنرالات فرنسا المولود بشمال افريقيا، والمتشبع أكثر من غيره بالروح الاستعمارية.
فصفق لتعيينه من كان يتخيل يسر القضاء على الحركة الوطنية، وجعل حد للنضال المشترك بينهما كقاعدة شعبية، وبين الملك الصالح كرئيس أعلى للمقاومة الصامدة.
ومن سوء حظ «اجوان» الذي عين في شهر «جوان» 1947، أنه وجد أمامه الرأي العام الدولي كله متجها إلى «مراكش» وقضيته المصيرية بسبب نزول البطل محمد بن عبد الكريم بالقاهرة...
نزل في مرسى الدار البيضاء، ومن هناك ـ وفي موكب أناني يسافر بين الدبابات والمصفحات، اتجه إلى القصر العامر بالدار البيضاء لمقابلة الملك الصالح.
وكانت صدمة عنيفة له بانتظاره الإذن عند باب القصر.
وتضاعفت الصدمة بالمقابلة الصارمة التي تخللت بالمراشقات.
وإزاء حدث نزول محمد بن عبد الكريم بالقاهرة.
وإزاء الموقف الصارم من لدن الملك الصالح.
إزاء ذلك، أبعد «الجنرالية» قليلا عن نفسه، ومستعيرا أعصاب «المدنيين» الهادئة، ثم أخذ يرضي «جنراليته» بالخطب التهديدية المتنوعة.
و«علم النفس» يقول: «إن الإكثار من الكلام يستنفد كل طاقات العمل، ثم يعرض صاحبه للفشل ثم التهاوي أمام الوقائع الحية فالانهيار...».
ومن سوء حظه أيضا: أن وصل إلى المغرب في ظرف المصادقة على مشروع الميزانية. وكانت المصادقة عليها أولا بتوقيع الصدر الأعظم في منتهى السهولة.
ولكن «الصدر الأعظم: المقري» امتنع من التوقيع بحجة أن الملك الصالح أمره بعدم التوقيع إلا بعد دراستها والإذن له في التوقيع.
وقد استغربت الإقامة العامة كلها فضلا عن «جوان» هذا الموقف من «المقري» الذي لم يسبق له نظير منذ تاريخ عقد الحماية...
وإزاء مثل هذه الاصطدامات حتى من ناحية «الصدر الأعظم»! أخذ «جوان» يدرس نفسية الشعب المغربي بصفة عامة. وقيادة قاعدته. والقيادة العليا للمقاومة الهادفة الرائعة. ولكنه بعد تغلغله فيها، وجد نفسه مضطرا إلى الابتعاد عن خطها الذي من شأنه انفلات زمام المغرب من يد دولته.
لذلك عاد إلى استعمال أساليب إثارة الفتن ضد أعلى عناصر المقاومة الحق. فالتجأ إلى «بعض الزوايا» وإلى رؤوس الفتنة في الأقاليم، وان اعترف في بعض تصريحاته بأن الوطنية المغربية صادقة، برغم أنها رفضت كل اتصل به ووجهت عنايتها إلى تركيز الوعي المصيري تحت قيادة الملك الصالح...

الأزمة المتصاعدة، ورحلة الملك الصالح إلى فرنسا:
حينما وصلت الاتصالات بين الملك الصالح واجوان إلى الباب المسدود، قام جلالته بزيارة إلى فرنسا لعرض ملف القضية المغربية على رئيس الدولة، وكان ذلك في شهر شتنبر 1950م، برغم معارضة اجوان لذلك. ولكن رئيس الدولة الفرنسية لم تساعده الظروف إذ ذاك على تقبل القضية المغربية في خطها الطبيعي.
ونتيجة لذلك، اشتد غليان الأزمة بين اجوان والملك الصالح.
وفي فبراير 1951 بلغ التوتر مستوى الغليان حتى في أوساط الأجانب، والأوساط الشعبية، ويشهد الله، ويسجل التاريخ أننا شعرنا حينذاك بأن قيامة القضية المغربية حان أوانها.
والذي كان يهم أبرار الوطن وأحراره في الدرجة الأولى: أن لا يمس الملك الصالح والأمراء الكرام بسوء.
وكم كان سرورنا مضاعفا حينما صرح لنا المغفور له ـ في مؤتمر قيادي بالدار البيضاء ـ الأخ الحاج عمر بأن سلامة الملك الصالح الآن في مستوى 95 في المائة. وابتسم قائلا لنا: أما «الحزب» فليستعد لأساليب العنف والتضحية من الآن.
وللضغط على الملك الصالح، أخذت الاعتقالات بالسجن والنفي تواصل في مختلف الأقاليم. فرأي الملك الصالح من المصلح أن يترفق بشعبه وقادته بصفة خاصة، فكانت «هدنة» بتوقيعه على «إصلاحات» اجوان بما جرت به العادة: «صار بالبال».

فرصة الانقضاض على الوطنية المغربية:
من سنة 1951، إلى أواخر سنة 1952م كانت المعتقلات والمعسكرات في الصحاري والجبال تضم عشرات المناضلين الأبرار.
واستغلت الإقامة العامة برئاسة ـ اجوان ـ حوادث التضامن مع تونس الشقيقة باغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد رحمه الله في يوم الاثنين 8 دجنبر 1952. فسفكت الدماء البريئة خصوصا في الدار البيضاء، وحشرت كل من له وطنية ما تغريبا في المعتقلات والأماكن السحيقة في المغرب، وتوقفت كل الصحف الوطنية عن الصدور.
وبهذه العملية الاعتقالية العامة، أخذ الشعب المغربي ينظر إلى ذلك اليوم المظلم الحزين الذي يقع فيه الإجهاز على العرش بالذات، ونسي ءالامه بما يعانيه أبراره من ألوان التنكيل في كل إقليم.
وأثناء هذه العملية الاستعمارية القاسية الشاملة. وبعد انسحاب اجوان، وتعيين الجنرال «كيوم» أخذ هذا الأخير يقوم بضغوط متنوعة على الملك الصالح بتجنيد القبائل «لحماية العرش»: ممن؟!
وفي الوقت ذاته أخذت «المؤتمرات» تنعقد من «كبار القواد» لإفراغ العرش من صاحبه الشرعي وملئه بمن يمالئ الاستعمار على سياسته.
وفي 20 غشت 1953، تمت العملية الإجرامية الكبرى بتنحية الملك الصالح عن عرشه وإقصائه مع أعضاء البيت المالك إلى «كرسيكا» أولا، ثم إلى «مدغسكر» ثانيا.
الحقيقة أن صدمة الكارثة كانت في منتهى العنف حملت «الأبرار» على الشروع في تنفيذ وصايا قادة القاعدة الشعبية التي تلقوها منذ أوائل فبراير 1951، و«كاتبه» ممن تلقاها مباشرة من المغفور له محمد غازي رضي الله عنه.

الثورة العارمة:
ذهب الطيش، وقلة الخبرة للاستعمار بالنفسية المغربية عامة،  وبالقاعدة الشعبية الوطنية بصفة خاصة، إلى أن كل شيء قد انتهى، فلا عرش، ولا قادة القاعدة الشعبية، ولا قضية مغربية، وإنما هو المغرب صار مقاطعة فرنسية موقتا، أو دولة فرنسية تابعة لفرنسا بالروابط التي تمليها الظروف...
نفس الذي تحلم به إسرائيل في غزوها للبنان في الظروف الحالية: تمزيق وحدة لبنان، فالقضاء على الثورة الفلسطينية، و«يتبع»... ما أشبه الليلة بالبارحة!
لم يكد قادة الاستعمار يشربون نخب «الظفر والانتصار» حتى انفجر النضال المسلح في كل شبر من هذه التربة المجيدة، وإذا بالأجانب يغلفون أبواب منازلهم على أنفسهم وأسرهم في كل أصيل!.. وتبقى الساعات الباقية لغروب الشمس لا يستفيد منها إلا المجاهدون الأبرار، الذي أرغموا الحراسة على التغاضي عنهم ولما تغرب الشمس صاحت «فرنسا»: ما هذا؟.. أين كيوم؟ فيجيبها رصاص الأبرار: هذا.. هو هذا.. ولا كيوم.. ولا غيره.

إلى المخادعة:
وإذا بحكومة فرنسا تستدعي «كيوم» وتعوضه بمدني «ماهر» في المساومات: «كرانفال»(1).
وحسب الإنسان أن يرجع إلى «مذكرة هذا المقيم كرنفال» التي قدرت لي قراءتها مترجمة ليعلم التيه الذي عاشه هذا المقيم، وما كانت عليه وضعيته من تناقض ومرارة، بما دفعه إلى الهروب من المغرب دون وداع...
ثم يعوض بلاكوسط، الذي لم يكن حظه السيء أقل من زميله كرنفال. فتنحى للجنرال: بوايي دولاتور، الذي ترفق بالجنرال «دوفال» وهو من مواليد المغرب كما كان نجيس من مواليد الجزائر، ويثور إقليم بني ملال ثورة لم يتقد لها نظير، ويتوجه «دوفال» إلى إخماد الثورة فيحترق في طائرته. وإذا بفرنسا تعود إلى رشدها ـ كما تعودناها ـ فتأمر بوايي دولاتور بتنحية العرش من تحت من عينته عليه.
وإذا بالملك الصالح محمد الخامس وأمرائنا الأبرار يدخلون القصر الملكي في جو من التقدير والإكبار.. وإذا بالحفلات تستمر نصف عام...

انتهت رسالتك أيها الملك الصالح:
في السنوات القلائل التي عاشها الملك الصالح رضي الله عنه استطاع أن يقطع المرحلة الانتقالية من الاستعمار إلى الاستقلال في هدوء شامل، وتخطيط بناء عميم، داخلا وخارجا، وبقي عليه أن يلبي نداء من أهله إلى ذلكم الجهاد الطويل المتواصل في سبيل العروبة والإسلام ليتمتع بما سينعم الله به عليه من جزاء وفير. وليرتح قلبه على العروبة والإسلام في هذه الديار، وقد خلف لها من أهله الله لها أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني حفظه الله وساير أصحاب السمو الأمراء الكرام.
وبعد، فهذه تحيتي المتواضعة لذكرى ثورة الملك والشعب. والله أسأل التوفيق والسداد للمحافظة على وحدتنا الترابية، وقيمنا الأساسية إنه نعم المولى ونعم النصير.

(1)  سبق فلم : لاكوسط قبل جلبير اكرانفال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here