islamaumaroc

انطباعات قديمة وحقائق ثابتة عن بعض المدن الأمريكية -3-

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

                                                -3-
أما مدينة "بافللو" Buffalo فتقع على ضفة بحيرة "ايري" Lac Erie، ولا تبعد إلا قليلا عن شلالات "نياكرا" Niagara Falls التي يحج إليها في كل عام ما يقرب من مليون نسمة، وتكتسي هذه الشلالات الفريدة من نوعها جمالا وروعة خاصة في الليل، عندما تسلط عليها أضواء مختلفة الألوان، فتكسوها رونقا يقصر القلم حقا عن وصفه، وتتصل بحيرة " إيري" هذه ببحيرة أخرى تسمى بحيرة :أونطاريو"Lac Ontorio الواقعة في بلاد "كندا" Canada بواسطة قناة لها أهمية تذكر من الوجهة التجارية والسياحية.
ومدينة " بافللو" مدينة جميلة لطيفة شبيهة بالمدن الأوربية، وحتى سكانها لذين يبلغون 589 ألف نسمة تبدو عليهم ملامح الأوروبيين، وقد يعزى ذلك الشبه إلى جوارها لكندا التي تقطنها، كما هو معلوم، جالية كبرى فرنسية لأصل ما تزال متشبثة أشد التشبث بلغتها وعوائدها وأنظمتها الدينية والاجتماعية.
وتعتبر مدينة "بافللو" مدينة صناعية هاجرت إليها أولى جالية انكليزية عام 1784، ولم تكن سزى قرية صغيرة سنة 1820 إذ لم يكن عدد سكانها إذ ذاك يتجاوز 2000 من السكان، ثم جعلت تكبر وتزدهر شأن المن الأمريكية كلها التي راحت تنمو بسرعة تدعو إلى الدهشة نتيجة لحركة التصحيح التي ظهرت بوادرها بالولايات المتحدة في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي كما هو معلوم.
و "بافللو" مدينة تجارية قبل كل شيء، وبعد كل شيء، اشتهرت بطاحوناتها العديدة الرافية. ومن أجل ذلك فهي تصدر كميات هائلة من الدقيق إلى مختلف الولايات الأمريكية الأخرى وإلى الخارج.
وتحتضن هذه المدينة بالطبع عددا لا يستهان به من المؤسسات العلمية على اختلافها، وهي تعتز بجامعتها التي تهتم، بالإضافة إلى كافة العلوم والفنون التي تدرس في عموم الجامعات، بالبحث في الوسائل التي من شأنها أن تعين على تنمية صناعة الخزف، لأن المدينة مشهورة كذلك بما تصدره إلى الخارج من أوان طينية رقيقة بيضاء، هي آية في حسن السبك ورقة الاتقان.
وهكذا، بعد تلك الجولة التي استغرقت مني خمسين يوما على وجه التقريب عدت من حيث أتيت، إلى مدينة "نيويورك" عاصمة الولايات المتحدة في عالم التجارة على الإطلاق. أجل، فهي أول مدينة يشهدها الواردون على هذه القارة الهائلة العجيبة، سواء عليهم دخلوها من جهة البحر أو وصلوها عن طريق الجو، ولذلك فهي تبدو لهم كخلية نحل دائبة الحركة والنشاط. فنيويورك تعتبر بحق عالما بمفردها، وهي تمتاز عن بقية المدن الأمريكية بتمثال الحرية الذي ينبعث قائما نحو السماء على شاطئ المحيط كأنه عملاق يرحب بالوافدين على القارة الأمريكية بقصد الاستجمام أو الاستيطان.
إذا ذكرت نيويرك خطرت ببالك ناطحات السحاب التي هي عمارات ضخمة يتكون بعضها من 70 طبقة أو تزيد، كما تخطر ببالك قناطرها العجيبة وكذلك نهرها العنيد المدعو نهر " هدسون" Hudson River، وشوارعها التي لا نهاية لها وتجارتها الضخمة وصناعاتها المختلفة المتعددة.
وإذا ذكرت لك "نيويورك" خطر ببالك أيضا شارع "برودوي" Broadway وما أدراك ما شارع برودوي؟ شارع فريد من نوعه حقا من العالم أجمع؛ فمن أين له هذه الحركة الدائمة المستمرة في الليل وفي النهار؟ ومن أين له هذه الأنوار الساطعة المتلألئة الألوان والأشكال بحيث لو قطعت هذا الشارع ليلا لخيل إليك أنك تمر به في وضح النهار؟ و"برودوي" اجتمعت فيه كل الأجناس وأصناف البشر؛ وفيه من المقاهي والمطاعم مالا يحصى عددا، تسمع فيه كل اللغات؛ لافتات المسارح ودور الفرجة تتبدل وتتغير في كل حين؛ إذا جاءت بك الأقدار ليلا إلى شارع برودوي هذا حسبت أنك في ليلة حفل بهيج. فالليالي في نيويورك وخاصة في شارع برودوي زاهية مرحة وبهية بهيجة. ومع ذلك فإذا نحن عدنا بالذاكرة إلى ثلاثة قرون إلى الوراء نرى أن هذه الساحة العريضة الواسعة التي تقع فوقها أعظم مدينة في العالم لم تكن تكسوها سوى مجموعة الأولون لهذه الأرض، لكن عددهم كان قليلا، وإن كانت الحكايات التي بلغتنا عنهم تغري السامعين بالإنصات إليها : ويحكي لنا رواة التاريخ أن هؤلاء الهنود كانوا سمرا في وجوههم وشعرهم : وكانوا كبقية البدائيين يرتدون لباسا يتخذونه من جلود الحيوانات التي كانوا يتغلبون عليها طلبا للقوت؛ وكانت نساؤهم يهتممن بشؤون المنزل وتربية الصغار. أما أماكن سكناهم فهي عبارة عن أكواخ تقع على شكل نصف دائرة مسقفة بأغصان الشجر؛ وكانت القبيلة التي كان ينتسب إليها أولئك الهنود تسمى "الكونكان" Algonquins. هذا، وفي سنة 1609 وصل أول رجل أبيض إلى تلك البقعة التي بنيت عليها هذه المدينة؛ ذلك أن سفينة تحمل طائفة من الهولنديين كانوا قد بلغوا على تلك الناحية، باحثين عن أقصر طريق تؤديهم إلى الصين والهند حيث يتزودون بالمواد التي كانوا يبحثون عنها كالابازير والحرير والذهب؛ وكان ربان تلك السفينة يدعى "هدس" Hudson، وهو الذي أعطى اسمه للنهر الذي يخترق تلك المدينة العظيمة؛ لكن اتضح لتلك الجماعة الهولندية أنه لا سبيل إلى الوصول إلى بلاد الصين والهند عبر الولايات المتحدة فإنهم ثرروا الإقامة على ضفاف نهر الهدسن، وراحوا يتاجرون في الأفراء يبتاعونها من الهنود وتوجه على يدهم إلى هولندا حيث تشتد حاجة السكان إليها نظرا لبرودة الطقس هناك" وكانوا يبيعون للهنود جملة من البضائع كالسكاكين والبندقيات والكحول.
وبعد ذلك كثرت جماعة البيض وأصبحوا يتعاملون مع جماعة أخرى من الهنود اسمهم "الايروكوا"Iroquois؛ ثم جعلوا يبنون بعض الأكواخ في الجهة المعروفة اليوم عندهم بحيث "منهاتن" Manhattan؛ ولا بد من الإشارة في هذا المكان إلى أن مختلف الأحياء الرئيسية التي تكونت منها مدينة نيويورك استعارت أسماءها، منذ ذلك الحين، من المهاجرين الهولنديين والانكليز الذين انضموا إليهم فيما بعد طلبا للربح وسعيا وراء الغنيمة. وقد سميت تلك الأحياء بادئ ذي بدء باسم "نيو امستردام" أي امستردام الجديدة تيمنا بالعاصمة الهولندية التي كانت تحمل هذا الإسم ٍآنذاك" وكانت "نيو امستردام" في أول عهدها قرية صغيرة تحتوي على 17 طريقا، أهمها طريق من جنوب القرية إلى خارج المدينة، هو بالضبط شارع بودوي الشهير الذي سبق عنه الحديث؛ وكان الناس يبنون منازلهم في غير نظام، ولا يراعون في ذلك أي قانون حتى صدر أمر من حاكم القرية بأن من أراد أن يبني لنفسه منزلا وجب عليه أن يقيمه على قارعة الطريق بحسب نظام معروف، فجعلت من ثم أمور القرية تنتظم شيئا فشيئا. وكانت للسكان طريقة غريبة للمحافظة على منازله من الحريق الذي كثيرا ما كان يشب هنا وهناك. كانت تلك الدور بسيطة ولكنها كانت مع ذلك مستوفية لشروح الحياة المنزلية على كل حال، إذ كانت تشتمل على عدة غرف أهمها قاعة كبرى تتوسطها مدخنة عزيمة صنعت من الخشب؛ ومن أجل ذلك فكثير ما كانت تلتهمها النيران بسهولة. وكان لإطفاء تلك الحرائق نظام وطريقة خاصة بالسكان، إذ كانوا يعلقون فوق باب كل منزل قربة أو دلو بحيث كانت هذه السلسة من القرب تصل من النهر إلى مختلف المنازل؛ ومتى ما بلغ المسؤول إشارة بقيام حريق في منزل ما راح ينفخ في مزمار، أيضا طلبا لعزائم السكان؛ فيخرج الناس مسرعين ويستلم كل واحد منهم قربة يمدها للآخر، وهنا يسلمها إلى رجل ثالث حتى تصل إلى النهر؛ فتملأ ماء ثم يسارع القوم في القيام بحركة عكسية غايتها إيصال القرب المملوء من يد إلى يد أخرى حتى تصل إلى الدار التي نشب فيها الحريق؛ وكلما أفرغت قربة سلمها صاحبها إلى طفل يكون بجانبه واقفا، فيقدمها إلى طفل آخر حتى تصل إلى ذلك الرجل الواقف قريبا من النهر فيملأها منه، وتستمر هذه الحركة حتى يقضي على الحريق.
أما عن حياة أولئك النازحين الأولين من هولندا فقد كانت حياة تسير سيرها العادي بمعنى أن الرجال كانوا يعملون في الحقول و كانوا يهتمون بالتجارة بينما النساء كن يشتغلن في مساعدة أزواجهن بالإضافة إلى قيامهن بأعمال ترتيب البيت وشؤون الأطفال. وكانت هناك صناعة ناشئة كصنع الآجر اللازم لبناء البيوت. أما م كان من قطع الأخشاب وخزانة الأرض وغير ذلك من الأعمال الشاقة الصعبة فقد كانوا يكلفونها إلى مجموعة من العبيد وقع استقدامه خصيصا من أجل ذلك من جنوب افريقيا، أو إلى طائفة من الأطفال الهولنديين الفقراء. ولم يكن في قرية " نيو أمستردام" إذ ذاك أطباء بالمعنى الصحيح لمعالة المرضى؛ وإنما كان هناك مجموعة من الحلاقين فقط؛ هم الذين كانوا يباشرون أعمال التمريض ومعالجة أسنان المصابين؛ ومع ذلك لم يكن هذا النقص في الأطباء ليضايق الهولنديين أو يقلق راحتهم لأنهم كانوا لحسن حظهم أصحاء الأجسام نظرا للحياة الريفية التي كانوا يحيونها إذ ذاك.
وشيء آخر كانت تمتاز به الحياة في تلك القرية هو المكانة التي كانت تحتلها الكنيسة البروسطنطينية في ذلك العهد؛ وهنا أيضا معلم القرية الذي كان يتمتع خاصة بمركز محترم لدى كافة القرويين، إذ هو الذي كان يسند إليه القيام بإحياء الشعائر الدينية زيادة إلى أعمال التدريس، إذ كان يصلي بالناس ويقرئ الصغار في آن واحد؛ وكان يتقاضى مرتبه من شركة هولندية تسمى الشركة الغربية الهندية الهولندية (Deutch West India Company) واسكانه يقع على عاتق أهل القرية.
أما الدروس فكانت تعطى في منزل المعلم بالمطبخ نظرا لعدم وجود بناية خاصة بالمدرسة؛ وكان الصغار يتلقون تعليمهم في النهار؛ أما كبار الأميين فكانوا يقصدون المدرسة ليلا. وكبار التلاميذ كانوا يجلسون ف مكان أبعد منه؛ أما البنات فكان المعلم يخصصن لهن زاوية في المطبخ. هذا وكان الأطفال تعلمون لكتابة والهجاء ومبادئ الدين من 8 إلى 12 صباحا ثم من الواحدة إلى 3 بعد الزوال؛ يضاف إلى ما تقدم أن المدرسة كانت تظل مفتوحة طيلة الأسبوع ما عدا يومي السبت والأحد وأيام الأعياد طبعا.
وكان النظام التربوي يقضي باستعمال العقوبات البدنية عند الاقتضاء؛ ثم كانت مدارس حرة؛ وبعد ذلك بقليل فتحت مدرسة لتعليم اللاتنية كان يحج إليها الطلبة من كل فج عميق.
أما عن الحياة البيئية فيمكن القول بأنها أصبحت طيبة ناعمة بعدما اهتدى الهولنديون إلى التفنن في بناء منازلهم وتزيينها؛ وقد أصبحت هذه البيوت بعدما كانت ضيقة متواضعة، واسعة فخمة؛ وكان صاحب المنزل بمجرد ما ينتهي العمال من بناء البيت ينقش السنة التي بنيت فيها الدار على واجهتها الأولى. ومما لاحظ أن هذه المنازل رغم سعتها إلا أنها لم تكن تتوفر على نوافذ واسعة، بل كانت نوافذها صغيرة جدا، بدون زجاج نزرا لارتفاع ثمنه؛ وكنت ترى في كل زاوية من زوايا البيت براميل تتجمع فيها مياه الأمطار الصالحة للشرب والتي كانوا يستعملونها أيضا في عملية الطبخ والتصبين؛ وكان يوجد على الباب الرئيسي دقاقة ثقيلة. وأعظم قاعة في المنزل هو المطبخ الذي كان أهل البيت يقضون فيه سحابة يومهم نظرا لشدة البرد كما أنهم يستضيئون بلهيب النار المتصاعد من الكانون نظرا لقلة وجود الشمع. وكانت الأسرة تقضي معظم ليالي الشتاء في السمر؛ فبينما الأب يدخن وهو يقص على أبنائه أساطير الهولنديين أو الهنود. كانت الأم تشتغل بأعمال الإبرة والتطريز؛ وكانت حجرات تتوفر على عدة طاولات ومقاعد خشبية مغطاة بالجلد؛ وفي بعض المنازل كانت توجد مرايا تستعين بها النساء على إصلاح شؤونهن؛ ولم يكن هناك من يملك شيئا من الكتب إلا كتاب الانجيل الذي كنت تراه في زاوية خاصة من كل بيت.
وكان الهولنديون في ذلك الزمان ينامون على فراش من التبن مغطى بقطعة من الجلد؛ وفي كل بيت يوجد مخزن تحتفظ فيه ربة البيت بالمواد الغذائية الضرورية كالقمح واللحم المقدد والشحم والبطاطس والجعة والكحول والجبن والفواكه اليابسة؛ وكان البيت جناح خاص لتربية الدجاج والديكة الرومية. ولم يكن الهولنديون يشربون القهوة ولكنهم كانوا يشربون الشاي مع قليل من السكر.
أما النساء فكن يرتدين ملابس فضفاضة زاهية الألوان تتخذ من الحرير والملف، ويضعن على رؤوسهن قبعات عريضة الأجنحة تصل أحيانا حتى إلى أكتافهن؛ وكان الرجال يميلون كذلك إلى الملابس الزاهية بينما كانت بذلة الموظفين سوداء؛ وكان من عادة الرجال إلا يخلعوا قبعاتهم إلا أثناء الحفلات الدينية.
ومن عادة سكان "نيو امستردام" أن يستمتعوا بأوقات الراحة وكانوا يقضونها في الصيد، والرقص وطلب الراحة والاستجمام في البادية، كما كانوا يميلون إلى الألعاب المختلفة؛ وكانوا في أوقات معينة يخرجون إلى الأسواق حيث يقدم لهم سكان لبوادي كمية من البضائع التي هم أمس الحاجة إليها كالزبدة، والبيض، والأفراخ، والخضر؛ وأحيانا كان الهنود يأتون بالسمك كما أن النساء الهنديات كن يجلبن الأفراء والأقفاف يقدمنها للهولنديات مقابل بضائع أخرى؛ ولا يقبلن مقابل ذلك النقود التي كان الهولنديون يتعاملون بها؛ وكان السوق لا ينقض إلا بعد أن يأخذ لقوم حظهم من الرقص والاستمتاع.
وبمناسبة الأعياد كان الهولنديون يغتنمونها فرصة لتقديم مراسيم التحية والتهاني لإخوانهم في الدين؛ ومن معظم الأعياد عندهم عيد القديس "نيكولا" St Nicholas الذي كانوا يحتفلون به يوم السابع من دجنبر؛ وبصورة عامة فقد ك هؤلاء المهاجرون يعملون كثيرا ويمرحون كثيرا، كما أنهم كانوا يقابلون أبناء جلدتهم الواردين عليهم من هولندا بالفرح والترحيب الحار.
هذا ورغم أن الهولنديين كانوا يعيشون في نوع من الاطمئنان، إلا أن الحياة لم تصف كلها من الغيوم والكدر؛ ذلك أن المشاكل كانت قائمة بينهم وبين حاكم المقاطعة من جهة، وبين الملاكين والشركة الهولندية من جهة أخرى؛ فالشركة المذكورة أصبحت تعتقد أن المعمرين يتمتعون بحقوق واسعة جدا، بينما المعمرون يصرحون بأن الشركة لا تتصور بالضبط مقدار المشاكل والصعوبات على الحرمة التجارية التي كانت الشركة أول من ينتفع منها.
يضاف إلى ما تقدم أن مطلق الناس كان يجد صعبة ومشقة في الحصول على قطعة أرضية يرغب في استثمارها كما كان يفعل الهندليون أنفسهم؛ ومن ثم جعلوا يغادرون "نيو امستردام"، قاصدين جهة أخرى على ضفة نهر " هدسن"، كان الانكليز قد شرعوا في احتلالها وتعميرها؛ ثم اختلت الأحوال عموم وتشبعت المشاكل وساءت العلاقات بين المعمرين والهنود الذين صاروا يهاجمون مساكنهم فيرقونها كما كانوا يحملون على دوابهم، فيسرقونها، وأحيانا على نسائهم وأبنائهم، يلحقون بهم أنواع العذاب والتنكيل. ولما علمت الشركة الغربية الهولندية ما أصبحت عليه المستعمرة من سوء المصير صممت على تدارك هذه الحالة؛ فأرسلت إلى المستعمرة حاكما جديدا ليضبط البلاد ويعيد لها طمأنينتها، هو "بيتر ستيو فزنت"Peter Stuyvesent وكان هذا الحاكم قوي الإرادة، صلب العريكة؛ فما ان استقرت قدمه بنيو أمستردام حتى اضطر لمواجهة حملة شديدة من طرف الهنود، كان من نتائجها أن قطعت ساقه؛ فعرف منذ ذلك الحين عند أهل المستعمرة بالعجوز صاحب الساق القصبية، وكان "ستيوفزنت" كان نزيها ومحبا للعدل والإنصاف فقد أثقل على القوم بتصرفاته حتى راحوا يكرهونه، ولو أنه تمكن من أن يعيد الطمأنينة إلى البلاد بعدما كانت القرية قد فقدت كل أمل في الحياة؛ ومع ذلك فقد اشتد الفقر بالسكان إلى درجة أن الكثيرين منهم أصبحوا لا يفكرون إلا في الارتحال إلى بقعة أخرى تمكنهم من الحياة فيها حياة هادئة مطمئنة. ولم يكن هذا الحاكم المستبد على استعداد بالطبع ليشاركه أحد في الحكم ولم يكن مستعدا ليشاور حدهم غي أمر من الأمور، بينما كان الناس يلحون عليه في أن يسمح لهم بالمساهمة في حل المشاكل التي تعترض القرية؛ فلما أحس بأن الحلة تسير من سيء إلى أسوأ قبل أن يتخذ له بطانة تتكون من 9 أشخاص Nine Men تسموا بمجلس التسعة؛ فكان يعود إليهم من حين إلى حين قبل أن يتخذ أي قرار يتعلق بحل المشاكل التي عرفتها القرية؛ وأثر ذلك أصبحت الحياة تدب من جديد إلى بلدة امستردام التي جعلت تكبر وتعظم وتتسع على مر الأيام.
وكانت طائفة من السويديين قد وصلوا في تلك الأثناء إلى أمريكا، واستقروا جنوب "نيو أمستردام" مهتمين بزراعة الأرض في هدوء واطمئنان؛ لكن الهولنديين لم يطب لهم العيش والجالية السويدية بجانبهم كما أن الشركة لغربية الهولندية الآنفة الذكر لم ترضى هي الأخرى بوجود السويديين هناك لأسباب تجارية محضة؛ ومن أجل ذلك أشارت على الحاك أن يعلن الحرب على تلك الطائفة من المعمرين لإبعادهم عن المستعمرة الهولندية؛ فلم يمض أسبوع حتى وضعت للجالية السويدية السلاح معترفة للهولنديين بحق السيادة على تلك البقاع جميعا؛ لكن كان هناك الهنود؛ معنى ذلك أنه بمجرد ما انته قضية السويديين التفت الحاكم وجماعته لمقاتلتهم؛ لمكن الهنود عرفوا كيف يصلونهم نارا حامية من البنادق التي كانوا يبتاعونها من الهولنديين أنفسهم مقابل الافراء التي كان هؤلاء يجتهدون في الحصول عليها بواسطة الهنود قصد تسويقها إلى بلادهم. ثم تعقدت المشاكل حينما قام الانكليز من جهتهم ف وجه الحاكم "ستيوفزنت". ومعلوم أن هؤلاء الانكليز الذين كانوا يكونون مجموعة لا يستهان بها من السكان هناك كانوا قد نزحوا في وقت واحد مع الهولنديين إلى تلك الناحية؛ ومن ثم قاموا هم الآخرين يطالبون بملكية القطعة الواقعة على ضفة نهر الهدسن؛ لكن الهولنديين لم يقبلوا شيئا من ذلك. وكان الملك في تلك الاثناء قد أفضى في أنكلترا إلى ملك جديد اسمه "شارل الثاني"؛ وكان لهذا الملك أخ يلقب باسم " دوك يورك"؛ فأشار عليه الملك بالتوه حالا إلى القارة الجديدة لحمل الهولنديين على مغادرة البقعة المتنازع فيها، وهذا رغم أن العلاقات بين أنكلترا وهولندا طيبة إلى حد بعيد.
وهكذا، فلم يمض إلا زمن قصير حتى بلغ الحاكم أن هناك أربع بواخر انكليزية تتوجه في اصرار ونظام إلى الحصن الذي كان يسكنه؛ وكانت البواخر المذكورة قد سبق لها أن استولت على بعض الجز التي كان الهولنديون ينسبونها إليهم. فجمع الحاكم مستشاريه لإقناعهم بضرورة إعلان الحرب على البواخر المذكورة، وكان منهم من ينتسب إلى الجنسية الانكليزية، فأشاروا عليه ألا يفعل خاصة أن الزاد الذي كان بيد الحاكم يقصره قليلا،لا يسمن ولا يغني من جوع؛ يضاف إلى هذا أن العشرين مدفعا التي أعدها الحاكم للدفاع عن الحصن كانت قديمة بالية بالنسبة للأسلحة الانكليزية التي كانت تفوقها عددا وعدة؛ ومع ذلك فقد كان بنية الحاكم أن يدافع عن القلعة، مقر قيادته، حتى النفس الأخيرة، ولذلك لم يستطع أحد من مستشاريه أن يحمله على الخضوع؛ ولكن بعدما تقدم إليه ولده مصرحا بأنه لا حاجة في الدفاع وإراقة الدماء ما دامت قوة العدو أشد وأقوى خصوصا وأن إرادة الهولنديين أنفسهم تميل إلى الخضوع والاستسلام إذ ذا لات قناعته وسلم الحصن للقوات الانكليزية؛ وحينا بعد ذلك رفع العلم الانكليزي مكان العلم الهولندي، كما تقتضيه الأعراف؛ وهكذا انتهى الحكم الهولندي بانصراف الحاكم "ستيوفزيت" إلى حال سبيله بصورة نهائية. كان ذلك الحادث الخطير عام 1664؛ ومنذ ذلك الوقت أصبحت "نيو امستردام" تسمى "نيويورك" تيمنا باسم الدوك الانكليزي "يورك" الآنف الذكر.
ثم صارت المدينة تعظم وتتسع يوما عن يوم بسبب نزوج طائفة كبرى من المهاجرين إليها ن مختلف أنحاء العالم، إذ رحل إليها الانكليز خاصة والهولنديون، والألمانيون، والتشكيون، والفرنسيون، والإيطاليون، والمسلمون من العرب، واليهود؛ فصارت كما صارت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها عبارة عن خليط من لأجناس والأديان. وإذا كانت هذه الأجناس مختلفة في سحنتها ودياناتها ورغباتها فإن القانون الذي يحميهم جميعا هو قانون واحد في بلاد موحدة في أخلاقها، وتاريخها، وعوائدها، ونشاطها التجاري والصناعي واهتماماتها الأدبية والعلمية.
ومن أجل ذلك تعتبر مدينة "نيويورك" اليوم من أعظم عواصم الدنيا، ولا يكاد يصدق الإنسان ما تحويه هذه القاعدة الضخمة من البشر؛ فعدد سكانها اليوم يربو على 12 مليون نسمة؛ كل يدب ويعدو، ويسعى ليلا ونهارا في حركة دانية مستمرة لا تنقطع؛ واستطيع القول بأنه يكون من العسير على شخص تعود الراحة والاطمئنان أن يعيش في هذه المدينة التي تبلغ بناياتها الشاهقة في بعض الأحيان مائة طبقة أو تزيد.
ونيويورك، هذه الحاضرة الضخمة التي فاقت عواصم الدنيا علوا وانتشارا مقسمة إلى خمسة أقسام، أو أحياء كبرى أولها حي "منهاتن" Manhatan، وهو الحي المشهور بناطحات السحاب وبناياته العلاقة أهمها قصر البلدية المسمى "امباير ستيت" Empire Stat الذي يشتمل على مائة وطبقتين بالضبط؛ يسكن خارج مدينة نيويورك ما يقرب من مليون ساكن، يتركون المدينة يوميا بعد العمل للعودة إليها  مع الصباح الباكر؛ ومنهم من يسكن على بعد 25 أو 30 ميلا من العاصمة. وحي (منهاتن) هو حي الأبناك والعمليات التجارية الضخمة والدكاكين التي يتصرف أصحابها يوميا في عشرات الملايين من الدولارات.
ثم هناك حي "البرونكس" The Bronex حيث توجد الجامعات على الأخص؛ وهذا الحي يقطنه ما يقرب من مليونين من السكان؛ به جامعة نيويورك الكبرى وجامعة فوردام" Fordham University وكلية مناهتنcollege   Manhatton وكذلك الأكاديمية البحرية لولاية نيويورك New York State Montine Academy وبهذا الحي توجد أيضا حديثة الحيوانات الكبرى.
أما ثالث هذه الأحياء فهو حي "بروكلين" Brooklyn الذي يعيش فيه ما يزيد على ثلاثة ملايين من السكان؛ وهو عدد يفوق عدد سكان أي مدينة من المدن الأمريكية ما عدا شيكاغو؛ وحي بروكلين في القديم يحتوي على ست مدن صغيرة، منها خمس هولندية وواحدة انكليزية؛ فتكاثرت فيها أعمال البناء والتعمير حتى التحمت كل منها بالأخرى، وأصبح الكل يكون مدينة كبرى واحدة. وبما أن هذا الحي وقع عليه اختيار الأغنياء وكبار المتمولين والتجار ليكون مقر سكناهم فقد أصبح مزينا بالحدائق الغناء، والغابات الباسقة، والطرقات المعبدة الجميلة، تظللها الأشجار العالية من كل جوانبها. وبحي بروكلين توجد حديثة لعلوم الطبيعية، كما توجد به مصانع ضخمة تفرغ الأسواق كل يوم ملايين الأطنان من مختلف السلع والبضائع التي تستهلك العاصمة بعضها في الداخل بينما تصدر السلع الباقية إلى الخارج. وتجدر الإشارة إلى أنه ما زالت بهذا الحي بعض المنازل القديمة التي شيدت على عهد الهولنديين الأولين، وهي منازل في منتهى البساطة، لا تلبث أن تثير في المرء الدهشة والاستغراب عندما يأخذ في تقدير السرعة التي طرأت على نمو هذه المدينة الضخمة والتقدم البارع اللذين طبعا هذه العاصمة الوحيدة من نوعها بعد مدة قليلة من الزمان.
أما الحي الرابع في هذه العاصمة فيدعى "كوينز" Queens ؛ وقد احتفلت هذه المدينة بذكراها المائوية الثالثة سنة 1947؛ وهذا معناه أن الشروع في بناء هذا الحي يعود إلى سنة 1645؛ ويكتنف هذا الحي الهائل أعظم مطار في العالم هو مطار "لاكوارديا" La Guoardia، كما يوجد به أيضا مطار آخر اسمه مطار نيويورك العالمي وهذا المطار سائر في الاتساع والتضخم بحيث يمكن التنبؤ بأنه سيفوق مطار "لاكواريديا" في المستقبل القريب، إذ يستقبل كل يوم ما يزيد على 100 طائرة.
وقد اشتهر حي "كوينز" بعدما انعقدت في رحابه لأول مرة جمعية الأمم المتحدة وذلك سنة 1945، عقب الحرب العالمية الثانية؛ أما الآن فيقع مقر هذه المنظمة الهائلة بحي "منهاتن" في بناية ضخمة تستأثر بإعجاب الزائرين نظرا لدقتها وعلو هيكلها.
وأخيرا هنا حي "ريتشموند" Richmond  الذي بني فوق جزيرة لا يمكن الوصول إليها من بقية أحياء نيويورك أو من مقاطعة "نيوجرزي" New Jersey إلا عن طريق سكة الحديد؛ وحي "ريتشموند" حي صغير إذ قيس بأحياء العاصمة التجارية الأخرى، ومع ذلك فله أهمية كبرى من الوجهة الملاحية على الخصوص؛ ذلك أن وجود هذا الحي على شاطئ المحيط جعله يتوفر على ميناء هائل، ليستطيع عن طريق تلك المدينة، تصدير كميات هائلة من السلع إلى الخارج كما يعطيه الصلاحية لاختزان البضائع الواردة بكثرة من البلدان الأجنبية في مستودعات عظيمة قبل توزيعها على مختلف المدن الأمريكية. ومن الملاحظ أن وجوده على باب المحيط الأطلسي حمل السلطات الأمريكية على تشييد أكبر مستشفى هناك خلال الحرب العالمية الثانية بغية إيواء الجرحى والمعطوبين والعناية بهم فور وصولهم إلى الولايات المتحدة.
بعد هذا الوصف الوجيز المتعلق ببعض المدن الأمريكية التي قدرت لي زيارتها خلال هذه الرحلة المفيدة الممتعة بقي على أن أتعرض لبعض الأوصاف التي يمتاز بها الأمريكيين على غيرهم من الشعوب؛ فتجعل منهم شعبا متطورا متقدما، يهوى الحياة ويعمل على دفع عجلتها إلى الأمام رغبة في اسعاد لأمة الأمريكية جمعاء.
وأول خصلة تطبع الأمريكي هو ما يتصف به من نشاط بالغ وإقبال بكل جوارحه على العمل المفيد، لا يعتريه في سبيل تحقيق مقاصده ككل ولا ملل؛ وأحيانا قد يبعد المكان الذي يزاول فيه الامريكيين أعمالهم اليومية بعشرين أو خمسة وعشرين ميلا عن مقر سكناهم، ومع ذلك فلا يقعدهم ذلك البعد عن القيام بما يفرضه الواجب عليهم؛ وغني عن التوضيح أن الامريكي لا يستسلم للكسل أبدا ولا يخلو للراحة إلا في أيام السبوت والآحاد؛ وحتى لو خرج للصيد أو لمزاولة رياضةيهواها كالانزلاق على الماء مثلا، فإنك تراه يندفع إلى المكان بمنتهى الجد والمثابرة، ثم إنه يقضي سحابة يومه في مزاولة الصيد أو العبث كأنه في يوم عمل سواء بسواء؛ فإذا انقضى النهار عاد إلى منزله منهوك القوى، استعداد تام ليستأنف عمله في صباح اليوم التالي، ولا يخطر بباله أن يترك لنفسه الراحة بدعوى أو العياء.
ويقال ن هذه الحركة المستمرة وهذا النشاط المتزايد يؤثران في حالة الأمريكيين الصحية إلى حد أنهم يموتون قبل الأوان نتيجة ما تتحمله أعصابهم من الضغط والإرهاق لمدة سنوات عديدة. ويتجلى هذا الصبر على المشاق والقوة على العمل المرهق خاصة في كل ما حققه الامريكيون في سائر الميادين الاقتصادية والصناعية والفلاحية على الأخص؛ نلتمس مثالا على ما نقول في ذلك النجاح الباهر الذي أحرزوه في مدينة "فينكس" Phoeinx بولاية "أريزونا" Arizona التي انتزعوها انتزاعا من أحضان الطبيعة الافة، فجعلو منها جنةعلى وجه الأرض رغم أن المدينة بضاحيتها لم تكن شيئا مذكورا قبل هذا التاريخ بنصف قرن على وجه لتقريب. نعم، كان من نصيب المهاجرين إلى هذه الولاية التي تمتاز بهوائها الحار، وشمسها الوهاجة المحرقة ان امنكنهم بفضل سواعدهم وإرادتهم القوية أن يعيدوا إليها الحياة؛ وهكذا عمدوا إلى النهر الذي يجري في تلك المقاطعة، ويدعى "صوت ريفه" Solt Rive، وشيدوا فوقه سدا هائلا كان مصدرا للقوة الكهربائية التي أنارت المدينة كلما استعملوا الماء المتجمع في خزان ذلك السد لري الأراضي الواقعة بين مكان السد وعاصمة الولاية، فراحت تعطي أكبها بغير حساب؛ ذلك أنها لم تلبث ن جادت بمنتوجاتها الطيبة من خضر وفواكه مغروسة وغير مغروسة؛ وهكذا استطاع الامريكيون بفضل قوة إرادتهم أن يحولوا أرضا صحراء إلى جنة نعيم.
وشيء آخر لا يفك أن يثير إعجاب الزائرين للقارة الامريكية هي تلك الروح التعاونية التي طبعت أعمالهم كلها؛ وهذه الروح هي التي مكنت الأمريكيين من تأسيس الجمعيات والنوادي المتعددة التي تهدف خاصة إلى تقديم العون المادي والمعنوي لمن هم في حاجة إليه المعوزين وطلبة لعلم ؛ ويكون ذلك عن طريق الشركات التجارية والصناعية الكبرى، وبيان ذلك أن الساهرين على تسيير هذه المؤسسات التجارية يخصصون مما يتوفر لهم من أرباح عريضة واسعة قسطا من تلك المداخل لصرفها في أوجه البر والإحسان؛ ومعلوم أن هذا الأموال التي ينفقوها ف أغراض اجتماعية وثقافية تكون، بحسب القانون الأمريكي، معفية من الضرائب؛ وبالتالي يمكن القول بأن الروح التعاونية السائدة بين أفراد المجتمع الامريكي هي التي كانت السبب في خلق عدد كبير من المشاريع الاحسانية والثقافية في سائر أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية.
يضاف إلى هذا أن الامريكي كريم بطبعه؛ يحب بلاده حبا متناهيا، ويحرص على أن تترك مشاهدتها أطيب الأثر في نفوس الزائرين من الأجانب وفلسفتهم في الحياة تتلخص في ضرورة العمل على استثمار أكثر ما يمكن مما تنتجه بلادهم حتى يستهلكوا أكثر ما يمكن من المنتوجات؛ ونظام الحياة عندهم مبني على السلف والقرض لتحقيق أغراضهم وإرضاء متطلبات الحياة، وما أكثرها في الولايات المتحدة ! ومن ثم يمكن القول بأن أعظم بلية يمكن أن يصاب بها الامريكيون هي التي قد تتجلى في ميلهم إلى الاقتصاد على أنفسهم أو في تعودهم ما وصفه الجاحظ بعملية الجمع والمنع أو تجميد ما تصل إليه أيديهم من أموال في مختلف المصارف والأبناك.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here