islamaumaroc

الشروح المغربية لصحيح البخاري -1-

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

تمهيد :
لعل المكتبة الإسلامية لا تعرف كتابا من كتب البشر الدينية اهتم به الباحثون والدارسون والعلماء ووقفوا جهودهم عليه مثلما تناولوا كتاب الجامع الصحيح لابن عبد الله البخاري بالشرح والتعليق والدراسة، وذلك منذ العصور الأولى منذ ألف هذا الكتاب وصدر عن صاحبه للناس.
وقد كانت هذه العناية والاهتمام من لدن الباحثين الدرسين هي التي أحلت كتاب البخاري محل الصدارة بين الكتب المؤلفة في المكتبة الإسلامية وجعلته في مقدمتها على الدوام بفضل استمرار الاهتمام وتواصل العناية مما يعتبر مظهرا من مظاهر التقدير والاعتبار لهذا التراث العظيم الخالد الذي عم مشارق الأرض ومغاربها.
وقد امتدت العناية به إلى العلماء غير المسلمين حيث درس وترجم وكتب حوله مئات المؤلفات من طرف الكتاب المستشرقين الأجانب في مختلف أصقاع العالم حتى وضع أحد المستشرقين ختمة عليه سماها ختم البخاري(1).
وبذلك كان كتاب الجامع الصحيح أعظم المؤلفات تقديرا وأعلاها منزلة وأكثرها شهرة(2).
ولقد واكبت هذه العناية والاهتمام – من طرف العلماء والباحثين – الجامع الصحيح منذ تأليفه فقد ظهر أول شرح له – فيما نعلم – في منتصف القرن الرابع الهجري وهو المسمى "أعلام السنن" للإمام الخطابي للمتوفى سنة 388 هـ ثم توالت فيما بعد الشروح والحواشي والتعليقات متلاحقة متصلة ودون انقطاع طوال القرون العشرة التي تلت تأليفه إلى اليوم حيث لم يتوقف اهتمام العلماء بصحيح البخاري أو يفتر انتاجهم حوله إذ أخرجت لنا المطبعة في هذه السنة حاشية عليه للشيخ المرحوم الطاهر ابن عاشور(3).
وقد ظهرت عناية العلماء والدارسين بالجامع الصحيح في هذا العدد الضخم من الكتب المؤلفة حوله شرحا وتعليقا وحاشية وغيرها حتى عد صاحب كشف الظنون منها اثنين وثمانين(4) وأصل العدد الكاو هلوى في مقدمة اللامع إلى نيف وثلاثين ومائة(5) إلى غير ذلك مما ذكره طاش كبرى زادة في مفتاح السعادة وما ذكر في اتحاف النبلاء والديباج المذهب ونيل الابتهاج وغيرها.
إلا أننا وجدنا بعد الاستقصاء والبحث في المكتبة المغربية وحدها أن هذا العدد لا يمثل الحقيقة وأن ما كتب المغاربة وحدهم حول الجامع الصحيح يفوق ذلك العدد بكثير مما اكتشفناه وعثرنا عليه من بين تراثنا الضخم المبثوث في خبايا وزوايا خزائننا العامة والخاصة حول هذا الكتاب الخالد.
أجل لقد شغل المغاربة بكتاب الجامع الصحيح لأبي عبد الله البخاري منذ عرفوه ورووه ودرسوه فاهتموا به أيما اهتمام واعتنوا ب أعظم عناية واحلوه بعد كتاب الله مكان الصدارة في حياتهم الدينية والفكرة والاجتماعية وآية ذلك أن ثاني شرح له ظهر في الدنيا- فيما نعلم – هو شرح مغربي يسمى "النصيحة" لأبي جعفر أحمد بن نصر الداودي المتوفى سنة 402 هـ أي بعد مدة يسيرة من ظهور أعلام السنن أول شروح البخاري على الإطلاق.
وقد استمرت عناية المغاربة وإقبالهم على صحيح البخاري على الدوام وانصب اهتمامهم به من جميع النواحي والوجود فوضوا له الشروح وكتبو عليه الحواشي وعلقوا على متونه وأسانيده واختصروه، ولخصوه وجردوا متونه وبحثوا في مشكلاته وألفاظه، ووضعوا له التكملات وبحثوا تراجمه وفقه أبوابه وعرفوا برجاله وأسانده وكتبوا حوله الافتتاحيات والختمات ونظموا عشرات القصائد حول ترجمة صاحبه وفضائله ومزايا صحيحه وكتبه إلى غير ذلك من مئات المؤلفات والكتب التي ألفت حول البخاري والتي تزخر بها خزائن القرويين وابن يوسف ومكناس والرباط وغيرها وما تضمه المكتبات الخاصة كالكتانية والفاسية ولناصرية والسودية والسوسية والتي تنتظر العناية والرعاية لإخراجها للناس بعد تحقيقها وطبعها كي يستفيد عظيم اهتمام أجداده وكبير عنايتهم بالجامع الصحيح مما يدحض دعاوى باطلة وأقاويل ملفقة زائفة تزعم للناس أن المغاربة تركوا الأصول واهتموا بالفروع وأنهم تركوا الكليات واشتغلوا بالجزئيات، فلو نشر هذا التراث العظيم حول الجامع الصحيح وحده لعلم الناس جميعا أن المغاربة كانوا دوما في المقدمة في هذا الميدان والسباقين في هذا المجال وأن ما كتبوه وألفوه حول البخاري قد يفوق بكثير ما وصفه غيرهم.
وأن مسؤولية الوزارات المعنية كوزارة الأوقاف والشؤون السلامية ووزارة الثقافة في ها المجال لتعظم وتتضخم مع تقدم الأيام وتكاثر الدارسين والباحثين وإنشاء الجامعات وانتشارها في أنحاء البلاد، وأنه ليعز على بلاد أنتجت قرائح أبنائها ما لم ينتج عشرة غيرهم أن يلاقى هذا الإنتاج العظيم أصالا وأعراضا قد يؤدي إلى الضياع للاندثار، كما لا يجمل بالبلاد التي ألف أبناؤها ثاني شرح للجمع في الدنيا ألا تطبع بعض شروحه وتنشرها على الناس خاصة وقد عرف هذا القرن وحده في مفتتحه شرحين مربيين للجام يعتبران من أعظم وأروع ما كتب حول صحيح البخاري وهما :
" النهار الجاري في شرح البخاري" للشيخ محمد سالم المتوفى سنة 1302 هـ، في سبع مجلات ضخام تخرج في عشرين جزءا لو طبعت.
"والفجر الساطع على الصحيح الجامع" للفضيل بن الفاطمي الشبيهي المتوفى سنة 1318 هـ 100م في ست مجلدات.
كما تعتر خزائننا بملكيتها للنسخة السعادية من الجامع الصحيح المنقولة عن الأصل الصدفي الذي يعتبر نفسه ملكا للمغرب بالشراء الصحيح ولولا الموانع لكان إلى جانب الرواية السعادية يحتل مكان الصدارة في خزائننا.
وأني أتوجه هنا بالدعوة والرجاء إلى أمير المؤمنين أن يصدر أمره الكريم بطبع الأصل السعادي مع أحد الشرحين المذكورين، وفي ذلك إحياء لتراثنا وحفظا له وأداء لبعض الدين الذي طوق
جيدنا به أجدادنا العلماء اعترافا بفضلهم وتقديرا لجهودهم وكدهم ونشرا لعلمهم وأظهارا لعبقريتهم المغربية التي ظلت حبيسة بين رفوف الخزائن وخبايا الزايا.

التعريف ببعض الشروح المغربية
1- النصيحة لأبي جعفر الداودي
أبو جعفر أحمد بن نصر(6) الداودي الأسدي المتوفى بتلمسان سنة 402 الموافق 1011، كان بطرابلس وبها أصل كتابه في الموطأ ثم انتقل إلى تلمسان وأصله من المسيلة وقيل من بكرة.
وهو من أئمة المالكية بالمغرب كان فقيها فاضلا متقنا متقنتا مؤلفا مجيدا له حظ من اللسان والحديث والنظر(7).
وكان درسه وحده لم يتفقه في أكثر علمه على إمام مشهور ونما حصل بإدراكه.
أخذ عنه الجم الكثير من أهل العلم منهم أبو عبد الله البوني وعليه تفقه، وأبو بكر بن الشيخ أبي محمد ابن أبي زيد وأبو علي بن الوفاء وغيرهم.
وحدث القاضي عياض أن أبا جعفر كان ينكر على معاصريه من علماء القيروان سكناهم في مملكة بني عبيد وبقاءهم بين أظهرهم . وأنه كتب إليهم مرة بذلك فأجابوه. اسكت لا شيخ لك، أي لأن درسه كان وحده ولم يتفقه في أكثر علمه عن إمام مشهور "وإنما وصل إلى ما وصل بإدراكه، ويشيرون أنه لم كان له شيخ فقيه حقيقة الفقه لعلم أن بقاءهم مع من هناك من عامة المسلمين تثبيت لهم على الإسلام وبقية صالحة للإيمان وأنه لو خرج العلماء من افريقية لتشرد من بقي فيها من العامة الآلاف فرجحوا خير الشرين والله أعلم"(8).
ولأبي جعفر الداودي كتب كهمة وتآليف نفيسة منها كتابه "النامي" في شرح الموطأ "والواعي" في الفقه و"النصيحة" في شرح البخاري و"الإيضاح" في الرد على القدرية وغير ذلك(9).
على أن أعظم كتبه وأهمها كتابه : النصيحة في شرح البخاري الذي يعتبر ثاني شرح البخاري – فيما نعلم – بعد اعلام السنن للخطابي وقد ذكرته أمهات المصادر ونقل عنه اشراح كابن التين الذي نقل عنه في شرحه كثيرا(10).
فقد أورده القسطلاني في مقدمة إرشاده التي خصها لذكر شراح البخاري وما كتب حوله من حواشي وتعليقات(11) وأورده القاضي عياض وترجمهفي "ترتيب المدارك" كما نقلنا آنفا عنه وأورده صاحب "الديباج" وذكره صاحب "نفحات النسرين والريحان"(12).
ونص عليه ونوه به في "تاريخ الجزائر العام"(13) كما عده من بين شروح البخاري حاجي خليفة في الكشف(14) ومعجم المؤلفين(15)، هذا وأن كتاب النصيحة لا يخرج وجوده عن أحد احتمالين : إما أنه موجود من بين كتب القويين ومخطوطاتها وخرومها التي لم تفهرس بعد، أو أن استعير فيما استعير من مئات الكتب من نفس الخزانة وبقي عند المستعير إلى الآن.
وقد بذلت الجهد وما زلت للبحث عنه بأغلب الخزانات المغربية العامة والخاصة وكاتبت المشرفين عليها والقيمين ولكنني لم أعثر عليه إلى الآن، وحسبي أنني نفضت الغبار عن هذا التراث العظيم وسلطت بعض الأضواء على صاحبه إلى أن يوفق الله إلى العثور عليه ونشره ليستفيد الدارسون والباحثون بنشره وتحقيقه ولله الأمر من قبل ومن بعد.
2- النهر الجاري في شر البخاري
للشيخ محمد سالم المجلسي الحسني.
محمد بن محمد سالم المجلسي العلوي الفاطمي الحسني الإدريسي المتوفى يوم الجمعة بعد الظهر آخر ذي الحجة عام 1302 للهجرة، عاش تسعا وتسعين سنة(16).
تربى يتيما وكانت أمه بنت شريف كشف وكرامات ظاهرة فخرجت به بعيدا عن والدها ليتربى في حضنها حيث سكنت به مع رعاة وكانت تكتب له بينما يظل هو راعيا مؤاجرا فقيرا إلى أن أتم تسع سنين، وقد أصبح في ملكه نحو عشرين من الإبل.
ثم بعثه أمه نحو حامد بن عمرو الوارتلي وكان صاحب خدمة وقراءة فبقى بجانبه ستة أشهر ثم بعثه بعدها نحو "الكرار" حول العيون ليمتار له الشعير على ابل وحضه أن لا تعقل ولا تدلل، فقام بالعمل وحمل عليها الشعير وهو يسر على قدميه مسافة طويلة فلا بلغ شيخه خاطبه قائلا : (اذهب إلى أمك وعندما تعلم بوصولنا إلى (بجرك) آتني قتمة هناك سيكون الفتح عليك).
فبقي إلى جانب أمه ينتظر وصول الشيخ ولما علم بنزوله على بجرك ذهب إليه فلما لقيه الشيخ ضربه براحته بين الكتفين والثديين.
وعن ذلك يقول الشيخ :"ولم أزل أجد برودتهما على قلبي وكنت كلما نظرت إلى جهة رأيت خليلا مكتوبا بمعناه وحتى أنني أنظر الورقة من الشجرة فيوسعها الله لحمل خليل. ووقع لي هذا مع البخاري والقرآن".
وقد صار هو الشيخ العام في موريطانيا والصحراء تضرب إليه أكباد الإبل في العلم والعمــــــــل(17)، حيث تفرغ للتأليف والتعليم وأقبل عليه الناس يروون عنه ويتعلمون منه ويتربون بتربيته فكان كثير التلاميذ وحمل عنه خليل في ألواح الخشب.
وألف كتبا مهمة في أغلب الفنون في التفسير والحديث والفقه وكان يقول : "لم أؤلف كتابا إلا بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما اشتهرت تآليفه وطار صيتها في الصحراء أتاه شيخه قائلا.
"إنما جئت لأنظر تآليفك في الحديث والقرءان والفقه فأجابه قائلا : "لم أرعف قلما في كراسة ألا وقد احضرت لما أكتب في الورقة جواب الملكين". فقال له شيخه : "اعمل واعتمد فهذا اجتهاد حسن".

(1) ختم البخاري لجولد تسيهر – تاريخ التراث العربي – المجلد الأول، ص : 311.
(2) الجامع الصحيح للإمام البخاري – أبو الحسن الندوي – مجلة منار الإسلام – ع.10، س.3 – 1398 هـ -1978 م.
(3)  صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن الدار العربية للكتاب. تونس -1399 هـ - 1979 م.
(4)  كشف الظنون ص :545 -554.
(5) مقدمة اللامع ص : 126 وما بعدها.
(6)  سماه القسطلاني في الإرشاد أحمد بن سعيد ص :35.
(7)  ترتيب المدارك 4/623 طبعة لبنان. والديباج المذهب ص :35.
(8)  ترتيب المدارك 4/624.
(9)  لمصدر السابق 4/623 – الديباجص : 35 – معجم المؤلفين 2/194 و195 .
(10) الإرشاد ص :35 – مقدمة  اللامع ص : 133 .
(11)  الإرشاد ص :35.
(12)  نفحات النسرين والريحان ص :90.
(13) تاريخ الجزائر العام 1/361.
(14) كشف الظنون ص : 545.
(15) معجم المؤلفين 2/194 و195.
(16)  أخذت هذه الترجمة عن ولد حفيد المترجم الشيخ العبد بن الجيلالي بيمين أحد علماء العيون وإمام مسجدها ورئيس محكمة الداخلة حاليا.
(17) تبيين الراغبين في حياة آل محمد سالم المجلسي ص :4 "مخطوط المؤلف".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here