islamaumaroc

القرآن كلام الله.-3-

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

ج ـ بدء الوحي:
تحدثنا في الحلقة الماضية عن ماهية الوحي وإمكانياته، وفي هذه الحلقة نعالج: بدء الوحي ـ التدريج فيه ـ الوحي به وهو القرآن.
ورد في الجامع الصحيح للإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
«أول ما بدئ به رسول الله (ص) من الوحي، الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إلى الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث (أي يتعبد) فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع (ي يشتاق ويذهب) إلى أهله. ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه (في رواية: فجئه) الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ. قال ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني (أي ضمني إلى صدره وعصرني) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسام من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم...) فرجع بها (أي الآيات الخمس) رسول الله (ص) يرجف فؤاده. فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني، زملوني. فزملوه حتى ذهب منه الرعب».
تفصيل رائع للجو النفسي، والتهيء الروحي الذي سبق أو صحب عملية تلقي الوحي الرباني لأول مرة، نبأتنا به سيدتنا عائشة أم المؤمنين، ولا ينبئك مثل خبير.
ونقف هنا وقفتين قصيرتين:
أولاهما: تتعلق بالأمر بالقراءة، كيف يأمر الملك محمدا بالقراءة وهو لا يحسنها؟ أجاب البعض بأن المراد من قول المفلك (اقرأ) هو: تهيأ للقراءة. ولكن هذا لم يحل الإشكال، لأنه قد يوهم بأن محمدا يعرف القراءة، فما عليه إلا أن يتهيأ لها!
وأرى معنى القراءة هنا هو اتل، اتبع ما سأقوله لك. ولا ريب أن أصل معنى التلاوة هو الاتباع.
والوقفة الثانية: تتعلق بجواب الأمر «ما أنا بقارئ». هذه رواية صحيحة في معناها، سليمة في مبناها، أي أنا أمي لا أقرأ ولا أكتب. وتوجد رواية أخرى صحيحة صريحة تقول: ما احسن أن أقرأ. ولكن، توجد رواية ثالثة تقول: «ما اقرأ». و(ما) هنا، نافية، تمشيا مع الروايتين السالفتين، وتحتمل أن تكون استفهامية، ولكن بعض الذين في قلوبهم مرض، فاعتبروها استفهامية لا غير، وغرضهم من وراء ذلك واضح، هو إثبات أن محمدا (ص) لم يكن أميا... وهذا يتيح لهم الفرصة للزعم بأن محمدا هو مؤلف القرءان. كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبا.

د ـ التدرج في الوحي:
بهجرة الرسول (ص) من مكة إلى المدينة، انقسم الوحي إلى مكة وآخر مدني. حاول بعض الباحثين تتبع أطوار الوحي في مكة أولا، ثم في المدينة ثانيا، ولكنهم اختلفوا في تحديد كل طور، ولم يتفقوا.
وبتتبع عملية الوحي في عهد ما قبل الهجرة، نجدها مرت بمراحل يمكن إبراز أربع منها:
فأولى مراحله: الرؤيا الصالحة في النوم تكون جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة. ذلكم أن هذه المرحلة استمرت نصف عام، فإذا ضربنا اثنين في مدة الوحي (23) نتج العدد 46.
وثانيا المراحل: نزول الملك على محمد بأوائل سورة العلق، وإبلاغه أنه نبي مرسل من عند الله. وكانت الحادثة ذات وقع شديد على قلب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما كانت كانت المرحلة نقطة تحول خطير الشأن في حياة الرسول والعرب وسائر أمم الدنيا... وفتر الوحي مدة، فارجف المكيون قائلين: أن رب محمد قد ودعه وقلاه، أي تركه كرها وبغضا. بيد أن الوحي لم يلبث أن نزل من جديد، مخيبا ظن أهل مكة، ومؤكدا أن الله لم يودع نبيه ولا قلاه، يقول الله تعالى في قسم بار: (والضحى والليل إذا سجا، ما ودعك ربك وما قلى).
وثالثة المراحل: أمر النبي (ص) بإنذار الناس، وتحذير من لم يومن منهم بعذاب الله وعقابه الصارم: (يا أيها المدثر، قم فأنذر...).
ورابعة المراحل: أمره (ص) بنعيم الإنذار، وبتبليغ الرسالة على نطاق واسع. قال تعالى:
(فاصدع بما تومر، وأعرض عن المشركين). وقال عز من قائل: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا).

هـ ـ الموحى به:
أنزل القرءان إلى سماء الدنيا جملة واحدة، في شهر رمضان المعظم، وفي ليلة القدر منه بالذات، بدأت تنزيله منجما على رسول الله (ص).
وبالتأمل في آيات التنزيل، نجد ثلاثة أفعال أو صيغ، بثلاثة معان:
• نزل (الثلاثي اللازم): ويفيد هذا الفعل الانحدار أي الانتقال اما رأسيا من أعلى إلى أسفل، وإما أفقيا من مكان إلى آخر، مع شيء من الاستقرار في كلتا الحالتين. قال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
                  ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
                  وحنينه أبدا لأول منزل
• انزل (الرباعي المتعدى بالهمر): ومعناه: جعله ينزل من أعلى إلى أسفل دفعة واحدة.
• نزل (الرباعي المضعف العين): ومعناه: جعله ينزل من أعلى إلى أسفل تدريجيا وعلى تؤدة ومهل.
ويلفت نظرنا الاستعمالان الأخيران، فالفرق بينهما تمتاز به لغة الضاد على ما عداها، كما امتازت بقدمها، واستمراريتها، وبثرتها وثرائها الهائل، سواء في الأصوات أم في الدلالات أم في القواعد. ومن هذه القواعد أن تضعيف الفعل يفيد المبالغة والتكرار.
ويلفت نظرنا كذلك أن صيغة (هبط) الثلاثية اللازمة، لم تقترن بلفظة القرءان، واقترنت بغيرها. قال تعالى: (وإن منا ـ «أي من الحجاره) ـ لما يهبط من خشية الله). وقال سبحانه: (وقلنا اهبطوا. بعضكم لبعض عدو). وقال عز وعلا: (قلنا اهبطوا منها جميعا).
والعلة في ذلك ـ والله أعلم ـ تكمن في أن مادة (هبط) تفيد الانحدار، والسقوط، والتردي، ومن غير اللائق أن يوصف القرءان الكريم بشيء من ذلك.
ينفرد القرءان، بالتنزيل منجما، ومن أسمائه التنزيل، بينما أسفار التوراة الخمسة (التكوين ـ الخروج ـ اللاويين ـ العدد ـ التنشئة) نزلت على موسى عليه السلام دفعة واحدة. ومثل ذلك يقال في الإنجيل الأصيل، نزل على عيسى ـ عليه السلام ـ دفعة واحدة كذلك... ولعل نزول الكتابين السماويين، بهذه الطريقة الجمعية الفجائية، هو الذي شجع كفار قريش على معاندة النبي محمد (ص) ومطالبته قائلين (لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة). ولكن المشيئة الإلهية اقتضت الجمع بين الإنزال والتنزيل. ثم إن تنزيل القرءان منجما كان لحكم بالغة هي:
1) تثبيت فؤاد رسول الله (ص) وتقوية قلبه.
2) تيسير حفظ القرءان وفهمه على المسلمين.
3) بيان إعجاز القرءان وتحديه للعرب الفصحاء.
4) التشريع التدريجي المساير للحوادث ولمقتضيات الأحوال.
5) التدرج في تربية الأمة الإسلامية من النواحي الدينية والخلقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
القرءان الكريم، كتاب الله المنزل، هو أقدم كتاب سماوي، نزل وبقي محفوظا في الصحف والصدور، جيلا بعد جيل، وعن طريق التواتر، الذي هو طريقة علمية سليمة، دون أن يصيبه أي تحريف بالزيادة والنقصان، أو بالتبديل والتغيير، ودون أن تحط من قدره السامي أية معارضة يؤبه لها، أو أي كلام بليغ آخر.
لقد تكفل الله ـ سبحانه ـ بحفظه، ولم يشأ أن يكل حفظه إلى غيره، كما فعل في السابق، حين استحفظ الربانيين والأحبار كتبا سماوية أخرى، فلم يحسنوا حفظها وصيانتها، لأنهم اختلفوا فيما بينهم، فبدلوا وغيروا حسب ما أملته عليهم أهواؤهم. وصدق الله العظيم، في قوله ووعده، وقوله الصدق، ووعده الحق:
(إنا نحن نزلنا الذكر. وإنا له لحافظون).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here