islamaumaroc

الفكر الدفاعي والحضارة.

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

الدفاع الوطني عن الأمة والوطن واجب مقدس لأنه دفاع عن النفس، وعن الحرمات والمقدسات، وعن الحوزة والحياض والكرامة والسيادة.
وأثناء الصراعات والحروب يكون الدفاع في جوهره هو الدفاع لا يلحقه تبديل أو تغيير في أي موقع من المواقع.. لكن وسائله وإمكاناته تختلف عند المتصارعين والمتحاربين وتتفاوت باختلاف مستوياتهم الحضارية وتباين درجات رقيها.
وتتقرر مصائر الصراعات والحروب غالبا على رقي مستوى الحضارة إذا توفرت شروط أخرى تواكب مبادئ الحرب وتتطلبها المواقف السياسية والعسكرية.
والدفاع ـ قبل أن يكون علميات وسائل اصطدام بأخرى دفاعية متعارضة في حرب لتقرير مصير صراع على نزاع معين ـ هو في حقيقة أمره فكر متخصص نابع من فكر حضاري شامل.
لذا كان من الضروري أن تعرف مكانة الفكر الدفاعي بالنسبة للحضارة، وأهميته في تنميتها والدفاع عنه.
يرتبط الدفاع بالحضارة ارتباطا التحاميا متينا فلكما تقدمت أسبابها وارتقت مستوياتها تقدمت وسائله وارتقت.
فالحضارة المتقدمة تتيح للدفاع وسائل متقدمة تختلف عن تلك التي تقدمها الحضارة البدائية أو التي تسير في تدرجها نحو الارتقاء لدفاعها وتتوفق عليها، وتكتسحها، وتنتصر.
إن لمحة سريعة في تاريخ الحروب التي خاض غمارها جميع أبناء الإنسان في كل مكان من الأرض منذ بدئها حتى الآن تؤكد لنا هذا.
لم يكن الدفاع في يوم من الأيام، وفي أي مكان من الأرض جهازا مكتفيا بنفسه، مستقلا عن الأجهزة الأخرى في الأمة ومستغنيا عنها وغير محتاج إلى التكامل معها.. فالتاريخ يبين لنا أيضا أنه يحتاج إلى هذا التكامل ويتطلبه بل ويفرض الانفتاح على أمم أجنبية للتعامل معها في هذا الموضوع بحكم التعاون والتبادل وبضرورة التعامل والتكامل طبقا لإملاءات وشروط التعايش والتضامن.
انطلاقا من هذا الواقع الثابت الذي يقره التاريخ كقاعدة أساسية يتدعم عليها الدفاع نجد الفكر الدفاعي يتعاون تعاونا وثيقا مع الفكر السياسي، ومع الفكر الاقتصادي، ومع الفكر الدبلوماسي، ومع الفكر الاجتماعي، ومع الفكر الإداري، ومع الفكر التشريعي، ومع الفكر الديني والأخلاقي، ومع الفكر الأمني، ومع الفكر المستقبلي... وبالتالي مع مقومات ومعطيات حضارية بأسرها، بل وينسق تكاملها وانفتاحها ليكون منها آلة دفاعية متكاملة موحدة متوليا ريادة توجيهها ومسؤولية قيادتها.
كلما ارتقت الحضارة ارتقى معها الذكاء والفهم والفكر المتخصص في سائر ميادين الحياة الإنسانية، وارتقى معها الفكر الدفاعي ارتقاء ذاتيا.
إن التطور السريع المدهش الذي تعرفه التقنولوجية المتفوقة جدا في صناعات وسائل الدفاع يبرهن على هذا، وينبهنا مسبقا إلى توالي ارتقاء بحوثه العلمية ومبادراته التجريبية واتساعها بقصد صنع وسائل دفاعية أخرى أكثر تقدما من التي يشهدها عالمنا حاليا، في الوقت الحاضر، على ساحات الصراع والحروب في الفضاء والجو البحر والبر.
هذا يعني أن الأكثر تفوقا في الحضارة هو الأقوى وتتاح أمامه فرص كثيرة للتفوق في ميادين الدفاع والانتصار في الحرب.
أما الأقل حضارة فإنه يظل باستمرار تحت رحمته، ويستمد بقاءه من ظروف سياسية وأمنية ناتجة عن عوامل حضارية كثيرة منها تعارضات المصالح بين الأقوياء، ومفاهيم التوازنات بين القوى، وسياسات الحفاظ على الدول العازلة، وإقامة أخرى بينها لنفس الغرض، والصداقات والتحالفات العلنية أو غير العلنية، والأخلاقيات السياسية التي توجبها «الإنسانية» ومبادئها والتي يصعب ضربها عرض الحائط في كل الظروف والأحوال، ثم الاحتياط لضمان بقائها بعدم المغامرة في حروب خاسرة بالوقوف مواقف سياسية منطقية يقبلها الجميع ويستحسنها.
الحضارة بالدفاع، والدفاع بالحضارة كما نرى.
والحضارة هي القوة التي إذا أصابها الوهن وزالت بقيت الحضارة مجرد أطلال وذكريات تحكى..
هكذا ما يقوله لنا التاريخ ويؤكده عبر عصور وهو ما نشاهد في حاضرنا.
وطبقا لمقولته هاته نجد الفكر الدفاعي يتغلغل في صميم الحضارة تغلغلا شاملا يتوليه فيها مكانة الزيادة فارضا عليها توجيهاته وتعاليمه الآمرة الناهية حتى يكاد يكون لها بمثابة العمود الفقري الذي يهيكلها هيكلة أساسية..
أما عن تجلياته في نشاطاتها ومظاهرها فإنها تكون مباشرة واضحة أحيانا وخاصة فيما يتعلق باختصاصات الميادين الدفاعية بينما تظل غير مباشرة ولا ترى في غالب الميادين الأخرى وإن كانت أدوارها ومهامها تترك ارتسامات بينة لدى الجميع بتكميلها الدفاع ووسائله بأية كيفية ما من الكيفيات.
هذه الحقيقة الإسلامي للحضارة التي تختفي وراء زخارف مصطنعة من ضجيج الترف والمترفين، وعبث الترفيه واللذة والميوعة، ودعة العيش وسهولته، وترنحات المترددين في الحياة والمتمردين عليها لأسباب اجتماعية وشخصية شتى لتضليل الجاهلين والأغنياء والمغفلين واصطيادهم لجلب اهتماماتهم إلى ميادين سلبية غير جادة لا خبر فيها، ولا تجدي نفعا، تضيع فيها جهودهم هبا تخسرها الإمكانات الدفاعية التي تحرم منها أممهم فتظل ضعيفة، عاجزة، وفي مستوى أدنى من القوة لا تسمح لها بالتفوق، ولا بالوقوف في صف الأقوياء، ولا بتحدي أية قوة حضارة متفوقة والصمود في مواجهتها طويلا..
هذا التضليل الحضاري ضرب من الخداع تستخدمه الحضارة على مستويات متنوعة لفوائد عديدة منها فائدة الدفاع والأمن... ولقد صدق رسول الله في قوله: «الحرب خدعة».
ثم إن الروح الاسبارطية في الحضارة ماتزال حية، لكنها تزينت بأزياء أكثر أناقة ونعومة وشفافية تلائم العصر وروحه تختلف عن الأزياء الخشنة التي كانت سائدة أيام نفوذ اسباركة، ويجري تطبيق تعاليمها بأساليب أوفر لباقة وأقل تقشفا، ووسط جو يسمح للحريات الشخصية بأن تروي ظمأها وتشفي غليلها بالاستمتاع بما أريد لها أن تستمتع به..
الدول الآن في حاضرنا تسيطر على كل شيء، وتراقب كل شيء وتوجه كل شيء، ولها رأي في كل شيء، وتستطيع بسهولة أن تمد يدها إلى كل شيء في أي وقت تشاء.. ولمصالحها العليا الأولوية والأسبقية دائما مهما كانت الظروف والأثمان لتسمر يدها عليا.
هذا يؤكد حياة الروح الاسبرطية وسريانها في حضارتنا الحاضرة بأساليب وأزياء أكثر نعومة ورقة.
فإذا كان تأليه الأبطال قد اختفى، وحل محله التوسيم والتنويه بأعمالهم ومآثرهم والتقدير لشخصياتهم حينما تبين لنا الهدى، ووصلنا إلى هذا المبلغ الذي نشاهده من الوعي والرشد، فإن القوة ماتزال تمجد تمجيدا عظيما، وما تنفك تزداد عن غير توقف ودون تنقل، غايتها النفوذ الواسع والصدارة في العالم.. وهدفها الانتصار والتفوق ولو بلغ ثمنهما ما بلغ.
للقوة المتفوقة دائما الكلمة المسموعة المرموقة، ولكل قوة أخرى دونها تفوقا الكلمة الدنيا..
ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه: «اليد العليا خير من اليد السفلى».
هذا منطق الواقع الذي تعيشه إنسانيتنا في جميع حضاراتها القديمة والحديثة والمعاصرة منذ فجر وجودها حتى يومنا، وربما ستعيشه أيضا حتى في المستقبل إذا لم تلغ الحرب إلغاء نهائيا، وتبدل بالتحكيم لدى المحاكم والهيآت الدولية لحل قضايا النزاع بين الدول وتوجيه الصراع بينها إلى التعاون والتكامل والتوافق لقضاء مصالحها الخاصة والعامة عوض التعارض والتناقض والاختلاف.
مايزال القوي يقهر الضعيف «كالسمك الكبير يأكل السمك الصغير»، ومفهوم القوة ماانفك هو الآخر ينتظر فهما راشدا لتنظيمه وتقنينه وتوجيه استخداماته.
هذه روح حضارات عصرنا، تقدمت كثيرا كما نرى لكنها رغم تقدمها وارتقائها ماتزال محافظة على جوهرها الاسبرطي الكامن.
في مثل هذا المناخ الحضاري الثقيل السائد في عالمنا يجب أن تكون الأمة قوية لتتمكن من الدفاع عن حوزتها، والحفاظ على استقلالها وكيانها وإلا فإنها ستكون كريشة في مهب الرياح العاتية، قد تعصف بها عصفا لا يذرها في مكانها، وستذرب من جرائه وتندثر، أو تدمج دمجا في كيان الأقوى، ولا يبقى لها أي وجود بين الأقوياء.
هذا ما يقوله التاريخ ويؤكده منطق الواقع.
الغرض من الحضارة هو إدامة القوة وتطوير وسائلها المتنوعة للتمكن من الدفاع بها عنها، وهو غرض الدفاع نفسه، ويمارسه بالفكر الدفاعي، وبواسطة التنسيق بين سائر نشاطات الحضارة والتكامل فيما بينها، والانفتاح على الأمم الأجنبية لتأمين نفس القصد لتلافي الحصار والانعزال وكسب الأصدقاء والأنصار والحلفاء..
الحرب ضرورة، عندما تندلع نيرانها الحارقة المدمرة، المبيدة، والضرورات تبيح المحظورات.
الأمة التي تريد أن تبقى وتستمر يجب عليها أن تكون قوية قادرة على الدفاع عن نفسها دائما في كل حين.
وإذا ما ضعفت وسائل دفاعها، أو انعدمت، أو لم تكن في  مستوى جيد وملائم، فإنها تكون في حالة خطيرة لا تسمح لها بالصمود في المواجهات العدوانية التي تفرض عليها.
ولأجل أن تدافع عن نفسها يجب أن تكون في مستوى حضاري لائق بالنسبة لمستويات الحضارة التي تعاصرها في كل زمان.
الحضارة بالنسبة للأمة غاية إنسانية رفيعة للاستقرار والعمران والازدهار والرفاه، وهي كذلك وسيلتنا للدفاع عن كيانها وبقائها واستمرارها.
إذا كان رقي الحضارة في الأمة ثمرة من نشاطات عقول أبنائها، فإن فكرها الدفاعي نتيجة من نتائجها أيضا.
هذا يبين لنا قيمة العقل في الأمة وأهميته في بناء الحضارة وتنمية الفكر الدفاعي فيها.
العقل يبني الحضارة ويدافع عنها..
عندما يضعف العقل تضعف الحضارة، وتضعف بالتالي وسائل الدفاع عنها.
وبالعكس عندما يقوى فإنه يكون سببا في ارتقاء الحضارة، وفي زيادة قدرة دفاعها وإمكاناته..
وحيثما توجهنا بألبابنا وأبصارنا وبصائرنا في العالم قديمه وحديثه ومعاصره نجد أنفسنا وجها لوجه أمام هذه الحقيقة العالمية التي يؤكدها التاريخ، ويؤكدها الواقع الثابت.
هكذا يفهم الأقوياء والمتفوقون تقنولوجيا الحضارة.. أنها عندهم مرادفة للقدرة الدفاعية المتفوقة من أجل النفوذ والسطوة والعداوة في العالم..
لكن هناك إلى جانبهم من يفهمها فهما آخر غير هذا يوقعهم في أوهام غريبة تدفعهم إلى ارتكاب أخطاء كبيرة تسبب لهم الوهن والضعف يمنون من جرائها بالهزائم وبالتخلف والقعوس في مؤخرة الركب الحضاري العالمي.
على ضوء هذا نستطيع أن نفهم مسلكنا الحضاري بين المسالك الحضارية المعارضة، وأن نحدد موقفنا منها تحديدا منطقيا، وأن نسعى بجد للحصول على الموقع اللائق بحضارتنا في قائمة حضارات عصرنا.
ولن يتأتى لنا هذا إلا إذا فهمنا الحضارة كما يفهمها الأقوياء والمتفوقون حضاريا وتقنولوجيا في إطار التمسك بروحانياتنا والحفاظ على مقدساتنا الأصلية.
ولن تكون لنا سطوة ومكانة مرموقة وصدارة في العالم إلا إذا جعلنا الدفاع الوطني عن أمتنا صلب حضارتنا، و الفكر الدفاعي رائدها وقائدها.
ولنا من صميم حياتنا وواقعنا وماضينا وحضارتنا تجارب تاريخية عريقة وغنية تؤكد لنا هذه الحقيقة الضارية.
كلنا على علم تام بما جرى لنا منذ غياب فكرنا الدفاعي عن ساحة حضارتنا..
ليس بغريب أو مدهش أن نطمح إلى استرداد مكانتنا في صدارة العالم، فقديما قال شاعرنا العربي:
ونحن أناس لا توسط عندنا
               لنا الصدر دون العالمين أو القبر
مسيرتنا إلى غايتنا ماتزال طويلة.. وعلينا أن نقطعها مرحلة مرحلة بوعي وحكمة وتبصر وتفكر في العواقب..
لكن مهما كان الأمر فكل شيء يبدأ بالإرادة والعزم وبالفهم السليم.
آن الآوان لأن تتبدل نظرتنا إلى الحضارة تبدلا جذريا متوخية بعميمها في كل ربع من ربوع بلادنا وتوعية كل فرد في أمتنا بمزاياها وخيرها وصلاحها، وتدعيمها بتعليم شامل تزول بفضله الأمية وتحمي آثارها لئلا تظل السذاجة والغفلة والغباوة مخيمة في أرضنا، ولكي يكون كل إنسان فينا، ذكرا وأنثى، في خدمة فكرنا لدفاعي مستعدا لأداء واجبه الدفاعي إلى جانب واجبه الحضاري في كل حين بفهم واع لحقيقة دور الدفاع في حضارتنا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here