islamaumaroc

آراء وأبحاث عن يوم القيامة -1-

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

قدمت في العدد الثالث صفحة من كتاب لمؤلفه العلم في مواجهة المادية وترجمة عماد الدين خليل (عالم الفكر ص 513 المجلد عشر سبتمبر). وكان المراد من ذلك كله تقديم علمي لتفسير البعث والقيامة كما تظهر من خلال الدراسات العلمية.
ونود في القسم الثاني من البحث أن نعرض للبعث والقيامة كما هي في الأديان السماوية وفي الإسلام بصفة خاصة. فقد جاءت في القرآن الكريم آيات كثيرة تصف القيامة والبعث والنشور. ولعل أشد الجدال بين قريش وبين الإسلام تمحور في قضية البعث والنشور والقيامة، بل لعل الصراع الدائم بين الماديين والدهريين من جهة وبين المؤمنين تمحور حول موضوع القيامة. والواقع أن الدين بصفة عامة بمفهومه الفسلفي يقيم تعادلية الحياة بين الدنيا والآخرة، أي على (دار العمل) و (دار الجزاء). فالموت في المفهوم الديني هي مرحلة انتقال وليست نهاية للإنسان، ولا نخوض في شرح مشكلة الموت وأثر هذه المرحلة على شخصية الإنسان في حياته الدنيوية، والإسلام يقر أن الإنسان كائن مبرمج يخضع للقدر والقضاء وأنه التزم بالميثاق منذ الخلق الأول، وظهوره في الدنيا هو مرحلة للابتلاء، ثم يعاني الموت فينقل إلى عالم آخر هو القيامة وهذا ما يفسر الآية الكريمة (وقال الذين كفروا ربنا أمتنا اثنتين واحيينا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا) كما يصور الإسلام مرحلة الموت للإنتقال إلى القيامة بأنها مرحلة يعانيها كل إنسان وتشتد وطأتها أو تقل حسب سعادته الدنيوية، أما في الفلسفة الحديثة، فإن الفيلسوف الفرنسي فيكس جودانتيك (1869-1917) يذكر بأن هذه المرحلة ليست مشكلة لو أراد الناس أن يتخذوا منها الموقف الذي يتخذه علماء الفيزياء إزاء ظواهر الطبيعة. ففي كتابه "مشكلة الموت والوعي الكلي" حيث يحدد تصوره للموت في الصورة الآتية التي نقلها إلينا (جيم بيتروبي) في كتابه "مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا"، ويقول في تحديده لهذه الصورة، يوسف يتوسف (ويتوسف مشتق من يوسف) أي يعيش بوصفه يوسف، ويريد بذلك أن الكائنات التي ماتت لا تدخل في ظواهر العالم لأن الموت هو تحطيم واختفاء جهاز آلى كانت له مدة محدودة وشخصيتنا الواعية المركبة  من الذاتيات الجزئية  لمخلتف أجزاء جسمنا أي الجسم بروطوبلاسمي الذي يتحلل شيئا فشيئا أثناء الاحتضار. فهذا التحلل الجزئي من الشخصية الكبيرة إلى جزئيات تتقاسم العبء الكلي للألم. فاللحظات الأخيرة للإنسان لا تصاحبها الآلام التي لا تحتمل.
فالتجزؤ يساعد على تخفيف الألم بقدر ما يكون أكبر عددا. وهكذا يرى هذا الفيلسوف أن من لا يخشى أن يكون ميتا ينبغي أن لا يخشى الموت. فلقد كان يرى بعض المفكرين المعتزلين المسلمين أن الاقتناع بعدم تأثير الموت والخوف منها مما يعطي القوة على احتمالها. وفي الحديث (إن للموت سكرات) أي غيبوبة، ولم يقل بأن للموت آلاما.
وقد انصب تفكير الفلاسفة القدماء على محاولة تحليل عالم ما بعد الموت حيث تبدو القيامة كعالم الخلود للجزاء عن الأعمال الدنيوية والاستعاضة بعالم الحواس الناقص بعالم المثالية الكامل ... فالإنسان روح ومادة. وهو في الحقيقة هيولي محايده في فرديتها مترابطة في تجمعها.. ولقد أصبح من الواضح بعد تقدم علم البيولوجيا أن تتغير النظرة أو الزاوية التي تحلل منها المادة إلى مجرد طاقة مستوعبة للزمان والمكان والحركة.. فالكأس مثلا هي ظواهر منتشرة في المكان وهي في مادته ذرات متراكمة منتشرة في حيز فقط. وكل نقطة في المكان تستوعب جزءا من هذه الذرة التي تتغير مع الزمان نظرا لتغير الذرات بعملية التأثير الزماني وعندما تختلف نظرتنا إلى الكأس حسب الزوايا. فمعنى ذلك أن الكأس ليس بمادة منفصلة بل هو شيء مادي متعين بالمكان... فهو حدث، والحدث يتحلل إلى حوادث. أو ما يعبر عنه بالظاهرة أو المعطيات الحسية، وكل حادثة تكون مع أخرى مجموع الحوادث التي هي (الكأس).. فالإشعاع الذي ينبعث من الكأس هو ظاهرة حسية منتشرة في المكان وهو ذرة مادية يدخل في حسابها الزمان والمكان.
والعقل الإنساني هو سلسلة من الصور الذهنية والحوادث الحسية.. ولذلك فإن بقاءه واستمراره لا ينتهي بموت الجسم.
فالكأس الذر الذي كان يظن أنه كتلة مادية صلبة هو في الواقع سلسلة من لمعات ضوئية ولمسات أصابع وموجات صوتية عندما يرتطم بجسم آخر.
فالمادة إذا هي كهرب إشعاع وهي كهارب وإشعاعات كهربائية.. فإذا شيئتها، تحللت إلى طاقات متفاعلة.. أو ما يعبر عنه علماء الكلام بالحوادث .. ولهذا فالفلسفة الدينية ترى أن الإخلاص في العبادة تصفية للروح والسمو بها بالعبادة، حتى لا تكون الحياة في الدنيا سلبية تفقد المعاناة لتسمو وتتعالى. والسمو الروحي في الإنسان يحتم أن يجد في عالم القيامة الجزاء مستعيضا عن عالم الحواس الناقس في مثاليته القيامة..
ولهذا فالدين يسمو بالإنسان باطنيا وجوانيا ويمنحه العضوية في المجتمع ليرتبط بالوحدة والتكامل ليتحقق وجوده في مرحلة العالم الدنيوي حيث تظهر أعماله مدى الإشراقة في روحه ومدى استعداده للخلود، والحياة هي ابتلاء واختبار لتظهر مدى السمو الروحي في حياة الإنسان. وإذا كان الإنسان يرتبط في دنياه بالمجتمع لتحقق ذاته وتجربته وتجربة أعماله ليجازى على ذلك له في القيامة، فإن المجتمع يظل وفيا للمخلصين الأتقياء الذين يظلون يجدون في روحه التوجيه الصادق والوفاء والحق. ولعل غربة الإنسان دفعت به ليحكم العلاقات الاجتماعية مع الآخرين... هذا الأحكام الذي يكون في الواقع سلاسل معنوية قوية تشعر بحدتها عندما يفاجئها الدهر بموت أليف فنشعر بالألم لأننا نقطع الخيوط الاجتماعية معه... فالألم في البئر والقطع لحبال العلاقات يجعل ألم الفراق أشد عسرا علينا من كل ألم.
ولذلك فالجداد في التحليل النفساني تعبير عن الأسى، هو التزام اجتماعي.. فالمرأة التي تفقد زوجها لا تذرف دموع الحزن فقط أسفا لموته، بل تحترم العادات الاجتماعية التي تعرب عن مدى التأثر الاجتماعي لقطع علاقاته بعضو من جماعته.
ويرى بعض علماء الاجتماع أن طقوس الموت هي عبادة سلبية لا إيجابية أي تفرض تحريم بعض الأشياء ولا توجب عملها وهو ما يعبر عنه في اصطلاح علم الاجتماع (بالطابو).
ومن خلال التحليل الديني للقيامة تظهر الصورة الواقعية لفلسفة الحياة، فإذا كان ا لعلم يفسر الحياة فإن الدين هو الذي يخلق الحياة. فالعلم محلولات متجددة للتفسير لا يقدم. أما الدين فإنه هو الحياة نفسها التي تتحرك، منجذبة بقوة الإيمان لتحرك التاريخ والعمل الإنساني... ولهذا فالقيامة هي الجزء الثاني من الحياة الإنسانية التي تظهر في مرحلتين (الدنيا) و(الآخرة).
لقد وجد (الأبراهميون) بلسما لحل مشكلة الفراق للأموات بعودة الميت إلى الظهور في جسم آخر، أي (التناسخ). فإذا مات الإنسان ولم يعد في أسرة الأحياء فهو ما يزال موجودا مثله مثل الحي.. لأن الجثة الميتة والجسم الحي لا يفترقان في الجوهر.
أما الإسلام فلا يرى في الموت نهاية بل استمرار لشكل آخر من الوجود، فهو إذ يقر خلود الروح والجسم والمادة والنفس، (فالتناسخ) عودة إلى الدنيا وأمزاج الأحياء مع الأموات. أما الإسلام فالإنسان لا يعود إلى الدنيا وإنما ينتظر الجزاء في عالم القيامة.
أما عن القيامة في الفلسفة الإسلامية، فسأنتقل في العدد المقبل آراء الفارابي وابن سينا وابن رشد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here