islamaumaroc

أسباب انتشار المذهب المالكي واستمراره بالمغرب.

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

لا يخفى أن اجتهاد المسلمين الأوائل في ممارسة الحياة السياسة والفكرية لدولة الإسلام التي اتسعت رقعتها بفتوح البلدان وانضواء شعوب هذه البلدان تحت لواء الدين الجديد، أتاح لهم أن يواجهوا قضايا عدة فرضتها عدة فرضتها الظروف الطارئة التي كانت تواكب عملية الاتساع والانتشار، وما كانت تولد من احتكاك وصراع أغنيا الفكر الإسلامي وأمداده بتجارب تتسم في غالبها بالإيجابية، على الرغم مما أفضت إليه في بعض الأحيان من سلبيات. وهي تجارب متعددة الجوانب، ترتبط أبعادها بكل مقتضيات الحياة. ويمكننا أن نذكر منها:
أولا: بعدا سياسيا تمثل في مشكل الخلافة. وقد واجهه المسلمون منذ وفاة الرسول عليه السلام، ثم تطور بعد مقتل عمر بن الخطاب ليفضي في عهد عثمان بن عفان وعلي إلى أزمة أدت في أيام ابن أبي طالب إلى انقسام الخلافة شطرين: أحدهما في العراق والجزيرة يدين لعلي، والثاني في الشام ومصر خاضع لمعاوية، كما أدت إلى ظهور الخوارج.
واتسع نطاق هذه الأزمة بعد انفراد معاوية بالأمر، وما ترتب عن تحرك ابني علي – والحسين خاصة – من معاناة كان طبيعيا أن تفرز تنظيما شيعيا لم يلبث أن شكل مع حركة الخوارج حزبي معارضة للدولتين الأموية والعباسية على السواء.
ثانيا: بعدا عقديا متمحورا حول ما سمي بعلم الكلام، وهو علم يدور حول أصول العقائد الإسلامية لإثباتها والدفاع عنها ضد الآراء المخالفة لها بالحجج العقلية.
والحقيقة أن المسلمين لم يكونوا محتاجين إلى هذا العلم أول الأمر، لعمق إيمانهم واقتدائهم بالرسول واعتمادهم على العمل أكثر من اعتمادهم على الجدل والمناقشات النظرية. ولكنهم شغلوا به بعد أن انقسموا إلى فرق وأحزاب، وبعد أن أخذ النزاع صبغة عقدية ربطت الموقف من الخلافة عند تلك الفرق والأحزاب بقضية الإيمان والكفر.
وينطلق علم الكلام من جانبين: أحدهما نقلي قائم على ثبوت شرعي يقيني للمبادئ العقدية، والثاني عقلي يهدف إلى البحث عن الأدلة التي تكشفها هذه المبادئ وتدافع عنها. ومن ثم نشأ الخلاف حول الكلام بين فريقين:
1- الذين يرون ضرورته، معتمدين على أن القرآن نفسه يدعو إلى الجدل العقلي ويحث عليه للإثبات والإقناع. وهو الخط الذي سار فيه المعتزلة، مثيرين بذلك مباحث تتعلق بصفات الله وبالقضاء والقدر ومصير الإنسان وحريته وبقضايا العدل والوعد والوعيد.
2- الذين يقفون ضده، لأنهم يرون أنه لا داعي لأدلة عقلية في إثبات شيء قررته العقيدة، لا يحتاج لغير الإيمان به. ومعظم هؤلاء من أهل السنة، وإن اتجه بعضهم فيما بعد إلى استحسان الخوض فيه، لا سيما مع اتجاه الأشعري الذي صاغ العقيدة صياغة عقلية وافقت من كان من أهل السنة ميالا للجدل والنقاش.
ثالثا: بعدا فقهيا بدأ باجتهاد الصحابة والتابعين في القضايا والنوازل التي طرأت عليهم وليس فيها نص صريح من الكتاب والسنة. واتضحت من هذا الاجتهاد المبكر أو بدأت تتضح ملامح مدرستين فقهيتين:
احداهما: في المدينة يميزها فقه الأثر، من حيث أن فقهاءها لا يأخذون بالرأي إلا اضطرارا وعند الضرورة، مع اتباع لجانب المصلحة.
والثانية: في العراق، يطبعها فقه الرأي، ويعمد فقهاؤها إلى الاجتهاد كلما أعوزهم النص، سالكين فيه جانب القياس مع تماد عندهم في بعض الأحيان يعتمد على الافتراض والتقدير.
ثم اتسع نطاق الاجتهاد بعد التابعين على يد الفقهاء الأئمة، وكان فيهم من أدركهم وأخذ أبو حنيفة عن أساتذة من فقهاء الرأي كإبراهيم النخعي والشعبي وعطاء بن أبي رباح. وأخذ مالك عن تلاميذ ابن عمر كابنه سالم، وكنافع، فضلا عن كبار التابعين الذين كانوا بالمدينة، وفي طليعتهم سعيد بن المسبب الذي أخذ عن ابن شهاب تلميذ عمر بن الخطاب، وقاسم بن محمد بن أبو بكر الصديق الذي روى عن عمته عائشة أم المؤمنين.
والحق أن ظروفا كثيرة جدت، هي التي حثت هؤلاء الأئمة على التفكير في حماية الفقه مما قد بداخله من شؤائب، وبدراسته وتقعيده والاجتهاد فيه، منها:
1- ظهور قضايا ومشاكل ونوازل لم تكن مطروحة من قبل.
2- انتشار ظاهرة الوضع والكذب في مجال الحديث.
3- ابتداعات الفرق والأحزاب، وخاصة ما يتصل منها بفقه الشيعة والخوارج الذي كان يقابل فقه الجماعة أو فقه السنة.
وتجدر الإشارة إلى أن اختلاف الأئمة المجتهدين لم يكن يمس جوهر الشريعة، ولكنه كان يمس فهم بعض النصوص وتطبيق كلياتها على الفروع.
كان طبيعيا – بعد أن تم فتح المغرب على يد عقبة بن نافع ابتداء من سنة 61 هـ، ثم على يد موسى بن نصير ابتداء من سنة 79 هـ - أن تقوى أواصر اتصاله بالمشرق الذي أخذت أصداء أحداثه تتردد فيه بكل أبعادها السياسية والعقدية والفقهية.
ففي المجال السياسي كان الاضطهاد الذي مارسه الأمويون على الخوارج ولا سيما في عهد عبد الملك وابنه هشام يحثهم على الفرار من قبضة الدولة ومحاولة نشر مبادئهم في الامصار، وكذلك كان الأمر في عهد العباسيين.
وهكذا وفدت على المغرب والشمال الإفريقي عامة فئات هؤلاء الخوارج، وخاصة منها الإباضية والصفرية، من أمثال سلمة بن سعد الإباضي الذي يعتبر من ألمع القادمين، فضلا عن اتصال بعض البربر بزعماء المذهب الخارجي في المشرق، ومن أولهم أبو داود وعبد الرحمن بن رستم اللذان أخذا عن أبو عبيدة مسلم بن أبو كريمة أمام الإباضية في العراق.
ويبدو أن مبادئ الخوارج وافقت مزاج البربر وناسبت وضعهم السياسي والاجتماعي، إذ كانوا يعارضون به كل من يحاول أن يفرض عليهم سيادة تقوم على التمييز. فقد كانوا موزعين بين أمرين:
أولهما: رغبتهم في الدين الجديد لاقتناعهم به واختيارهم له.
ثانيهما: تضايقهم من المسؤولين العرب الوافدين وما كان يطبع سلوكهم – والدولة الأموية عامة – من سمات العنصرية والقبلية.
وليس يخفى أن الهدف عند قادة جيوش الفتح وعند الولاة كان – بعد نشر الإسلام – يتمثل في الجانب العسكري والإداري فضلا عن جمع الأموال والغنائم والأسلاب. وربما بالغ بعضهم في ذلك، على حد ما فعل عمر بن عبد الله المرادي عامل طنجة، فقد "تعدى في الصدقات والاعشار وأراد تخميس البربر وزعم أنهم فيء المسلمين، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله" (1).
ولا شك أن مثل هذه السياسة أثارت اضطرابا في العلاقات بين العرب والبربر أدى إلى ظهور زعماء خوارج وطنيين كمسيرة المدغري الذي قاد ثورة طنجة سنة اثنتين وعشرين ومائة، وكان على رأي الصفرية.
وتسنى للمذهب بذلك أن يكون له نفوذ حتى في الجنوب، إذ تأسست إمارة خارجية في سجلماسة بزعامة بني مدرار الذين كان يغلب على أمرائهم المذهب الصفري إلى أن تحولوا لمذهب السنة في عهد محمد ابن الفتح بن ميمون الملقب بالشاكر لله في أوائل القرن الرابع.
وعلى الرغم من ميل المغاربة إلى مبادئ الخوارج، فإنه لم يتح لهؤلاء أن يقوموا بدور في المغرب كالذي قاموا به في بقية بلاد الشمال الإفريقي (2) ، حيث ظهرت زعامات من الفقهاء الذين تمكنوا من الوقوف في وجه الدولة المركزية ومن إقرار حكم محلي في طرابلس والقيروان ثم المغرب الأوسط، وكان في طليعتهم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الذي كانت له الرئاسة في طرابلس أن قتله العباسيون، وكان قد خرج في سجلماسة سنــــة 141 (3) ومنها توجه إلى القيروان ثم طرابلس، وهو الذي ساند عبد الرحمن بن رستم إلى أن ثبته في القيروان، لولا أن العباسيين طاردوه واضطروه إلى الانتقال للمغرب الأوسط، مما أتاح له أن يقيم دولة في تاهرت التي ستصبح مركز الخوارج الإباضية في الشمال الإفريقي، لاسيما بعد أن انتهت زعامتهم في طرابلس.
وكما وفد الخوارج على المغرب، فكذلك وفد الشيعة فارين من الاضطهاد الذي كانوا يعانون منه سواء في عهد الأمويين أو العباسيين، وكان لهم دور كبير فيه بالقياس إلى ما قام به الخوارج. ونرجح (4) أن يكون فشل هؤلاء في النهوض بدور كبير في المغرب ناتجا عن إقبال المغاربة على آل البيت، في حب لهم وإشفاق عليهم مما أنزل بهم من نكبات.
وقد تجلى هذا الإقبال في الترحيب الذي لقيه المولى ادريس حين وفد إلى المغرب فارا من وقعة فخ سنة تسع وستين ومائة في عهد الهادي العباسي، أو مبعوثا قبل تاريخ هذه الوقعة بنحو عشر سنوات من لدن أخيه محمد بن عبد الله الذي كانت له مواجهات مع المنصور العباسي (5).
وفي نطاق الترحيب الذي لقيه، تنازل له اسحق بن عبد الحميد الأوربي عن إمارته في وليلي وبايعه ودعا القبائل أن تبايعه.
وإذا كان المولى إدريس لم يحاول نشر المبادئ الشيعية في المغرب كما سنرى بعد، فإن زعماء شيعة آخرين قد حاولوا ذلك على حد ما فعل عبد الله المهدي الفاطمي الذي تسنى له أن يؤسس بمساندة دولة مذهبية حاولت أن تفرض نفوذها على جميع الشمال الإفريقي بدءا من القيروان إلى سجلماسة، دون أن ننسى دولة الموحدين التي أسسها المهدي بن تومرت والتي أقامها على مذهب يستند في بعض جوانبه إلى مبادئ الشيعة الأمامية.
وهو موضوع سنعود إليه بعد.
ولم تكن مبادئ الخوارج والشيعة وحدها التي انتقلت إلى المغرب والشمال الإفريقي، ولكن انتقلت كذلك إلى المغرب والشمال الإفريقي، ولكن انتقلت كذلك أفكار المعتزلة، إذ يبدو أن واصل بن عطاء بعث أصحابه للأمصار ينشرون مذهبه، وكان من بينهم عبد الله بن الحارث الذي أرسله إلى إفريقيا، وقد "كان مجمع الواصلية قريبا من تاهرت، وكان
عددهم نحو ثلاثين ألفا في بيوت كبيوت الأعراب يحملونها" (6)، ثم إنه لا شك أن وفود العلماء الذين كانوا يفدون من العراق كانوا يحملون معهم مبادئ الاعتزال.
ولقد ظهر من بين العلماء الأفارقة بعض المعتزلة، ربما كان في طليعتهم سليمان الفراء. بل أن بعض المؤرخين تحدثوا عن اعتزالية بعض زعماء القبائل كاسحق بن الحميد الأوربي الذي وصفوه بالمعتزلي (7) وغير خاف يعد هذا أن دولة الأغالبة كانت تنتصر لآراء الاعتزال، وأن دولة الموحدين كانت كذلك، بدفاع المهدي عن العقيدة بالحجج العقلية، وتحليله فكرة تنزيه الله، ودعوته إلى تأويل المتشابه.
أما في الميدان الفقهي، فيبدو أن "إفريقيا كان الغالب على أهلها السنن إلى أن قدم إليها عبد الله بن فروخ أبو محمد الفارس فنقل إليها مذهب أبي حنيفة" (8) وبالفعل، فقد "كان مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه بإفريقيا أظهر المذاهب فحمل المعز... جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه وحسم مادة الخلاف في المذهب واستمر الحال في ذلك إلى الآن" (9).
وعند عياض متحدثا عن المذهب الحنفي أنه "دخل منه شيء قديما بجزيرة الأندلس وبمدينة فاس  (10).
ربما لأنه من أول المذاهب الفقهية التي ظهرت، ولوجود تلاميذ مباشرين لأبي حنيفة كعبد الله بن المغيرة، ووجود علماء متحمسين له كابن أبي الجواد الذي "كان يذهب إلى رأي الكوفيين ويقول بالمخلوق" (11) ، دون أن ننسى دور أسد بن الفرات، ودون أن ننسى كذلك انتشار المذهب في عهد الأغالبة لعلاقتهم مع العباسيين.
ويذكر عياض كذلك أن "افريقيا وما وراءها من المغرب ... كان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين إلى أن دخل علي بن زياد وابن اشرس والبهلول بن راشد وبعدهم أسد بن الفرات وغيرهم بمذهب مالك فأخذ به كثير من الناس. ولم يزل يفشو إلى أن جاء سحنون فغلب في أيامه وفض حلق المخالفين واستقر المذهب بعده في أصحابه فشاع في تلك الأقطار" (12).
ثم إنه "كان بالقيروان قوم قلة في القديم أخذوا بمذهب الشافعي" (13) ، ودخل شئ منه بلاد إفريقيا والأندلس باخرة بعد الثلاثمائة" (14). ومن فقهائه أبو العباس الفضل بن نصر الباهي المعروف بالرايس (15) ، وأبو عثمان سعيد بن الحداد الذي "صحب أول حالة سحنون وسمع منه ونزع آخرا إلى مذهب الشافعي من غير تقليد له بل كثيرا ما يخالفه ويعتمد على النظر والحجة" (16). وقد ذهب بعض الدارسين (17) إلى أن المنصور الموحدي تحول إلى المذهب الشافعي، وهو رأي لا أساس له، وقد ناقشناه في دراسات سابقة (18).
ويعتبر مذهب داود الظاهر من المذاهب التي كان لها صدى ولو أنه خافت، إذ "قال به قوم قليل بإفريقيا والأندلس" (19) ، قبل أن يغنيه ابن حزم
في القرن الخامس بالدراسة والتأليف. وتجدر الإشارة إلى أن المنصور الموحدي كان معجبا بابن حزم، وإلى أن المهدي قبله تأثر ببعض مبادئ الظاهرية.
ولا يخفى بعد هذا أن أهل الأندلس كانوا منذ فتحت على رأي الأوزاعي إلى أن رحل إلى مالك زياد ابن عبد الرحمن وقرعوس بن العباس والغاز بن قيس ومن بعدهم فجاءوا بعلمه وأبانوا للناس فضله واقتداء الأمة به فعرف حقه ودرس مذهبه" (20) ، وكان قد "أدخل بها قوم من الرحالين والغرباء شيئا من مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وداود فلم يمكنوا من نشره فمات بموتهم على اختلاف أزمانهم إلا من تدين به في نفسه ممن لا يؤبه لقوله" (21).
ولعل مذهب الأوزاعي كان معروفا كذلك في المغرب وبقية بلاد الشمال الإفريقي بسبب الاتصال الذي كان مع الأندلس الأموية، ولمجئ بعض العلماء الشاميين، وخاصة أيام عمر بن عبد العزيز حين ولي اسماعيل بن أبي المهاجر و "بعث معه... عشرة من التابعين أهل علم وفضل منهم عبد الرحمن بن نافع وسعد بن مسعود التجيبي" (22) وأبو عبد الرحمن الحيلي واسماعيل بن عبيد الأنصاري المعروف بتاجر الله وموهب بن حي المعافري وحيان بن أبي جبلة القرشي وأبو تمامة بكر بن سوادة الجذامي وأبو سعيد جعثل بن عاهان بن عمير (23).
وإذن،  فإنه واضح أن المغرب تعرف في عهوده الإسلامية الأولى إلى جميع التيارات السياسية والفكرية التي وفدت على الشمال الإفريقي وتصارعت فوق أرضه بحدة وعنف في أحيان غير قليلة، ومع ذلك فإنه اختار الاتجاه السني، واختار داخل هذا الاتجاه مذهب الإمام مالك الذي عايش كل تلك التيارات، واحتك بها واصطدم معها قبل أن يحرز انتصاره عليها ويصبح المذهب الذي أجمع المغاربة عليه، إذ جمعهم في وحدة ساعدت على حفظ كيانهم الديني والوطني، بعيدا عن النزعات الطائفية التي كثيرا ما تكون سببا في تفكك أوصال الشعب الواحد.
فما هي يا ترى أسباب هذه الظاهرة؟ أي ما هي أسباب انتشار المذهب؟ وما هي أسباب استمراره؟ وقبل ذلك: ما هي أسباب أخذه بالفكر السني؟

أولا: أسباب أخذ المغرب بالفكر السني:
1- نعتقد في البدء (24) أن المغاربة كانوا في هذه المرحلة يميزون بين جانبين: الجانب العاطفي أو العاطفي السياسي، والجانب الفكري الديني العقدي التطبيقي. فهم في الأول يميلون إلى الخوارج والشيعة/ يتعاطفون معهم ويرحبون بهم ويوسعون لهم ويساندونهم، ولكنهم في الثاني يجدون أنفسهم سنيين، أي مع (أهل السنة يا أبا عبد الله؟ قال: الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي ولا رافضي ولا قدري" (25).
والحقيقة أننا حين نقول عن المغاربة أنهم سنيون، نعتبر أنهم من (أهل السنة والجماعة)، سواء في معناها العام الواسع الذي يطلق مقابل الشيعة، أو في معناها الخاص الضيق الذي يقصد به الذين اهتدوا بسنة الرسول عليه السلام، وسلكوا طريق الصحابة والتابعين في التسليم والتفويض والبعد عن التأويل، ملتزمين كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة.
وتكاد تكون قضية الاستواء خير مثال يبلور هذا الاتجاه، وهي تدخل في مجال الصفات التي أولها المعتزلة انطلاقا من موقف التنزيه. فقد "سأل رجل مالكا فقال : الرحمن على العرش استوى، كيف استوى يا أبا عبد الله؟ فسكت مالك مليا حتى علاه الرحضاء، وما رأينا مالكا وجد من شيء وجده من مقالته، وجعل الناس ينظرون ما يأمر به، ثم سرى عنه فقال : الاستواء عنه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وأني لأظنك ضالا، أخرجوه. فناداه الرجل : يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله إلا هو فقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحدا وفق لما وفقت إليه (26).
ومصطلح (أهل السنة والجماعة) يشمل بهذا المعنى أصحاب المذاهب الأربعة، وأن ضاق فيما بعد ليختص أو يكاد يختص به الأشاعرة. ولعلنا في غنى عن التذكير بما سبق أن قلنا في أول هذا البحث من أن الأشعري صاغ العقيدة صياغة وافقت من كان من أهل السنة ميلا للجدل العقلي؛ وكان في ذلك قد اتخذ موقفا وسطا يكشف عنه مثلا ريه المعتدل بين القائلين بالجبر والقائلين بالحرية والاختيار، إذ رفض أن تكون الأفعال من خلق الإنسان كما يقول المعتزلة، ولكنه أقر بقدرة الإنسان على كسب هذه الأفعال. ومعروف أن المغاربة يربطون بين سنيتهم ومذهب الاشعري في مجال العقيدة والتوحيد. إن تلك السنية طبعت عندهم حتى ميدان التصوف، فوسمته بخصائص تعبدية تثر فيها بالصوفي البغدادي أبي القاسم الجنيد القائمة طريقته على الكتاب والسنة.
وانطلاقا من الحقيقة التي بدأنا بها هذه النقطة، والمتمثلة في تمييز المغاربة بين الجانب العاطفي السياسي والجانب الفكري التطبيقي، سوف لا نستغرب إذا وجدنا المولى ادريس في خضم صراعه وأسرته مع العباسيين بسلك السبيل السني في المغرب ولا يحاول نشر المبادئ الشيعية؛ ربما لأنه اكتفى بإيجاد كيان له ينطلق منه، ولعله أحس عدم استعداد المغاربة الذهني لتقبل تلك المبادئ، دون أن ننسى زيدية الأدارسة في الأصل؛ وغير خاف أن الزيدية أكثر فرق الشيعية اعتدلا وأقربها إلى أهل السنة (27).
ويتضح اتجاه الأدارسة السني من خلال الرسالة التي وجهها المولى ادريس للبربر لدى قدومه، والتي دعاهم فيها إلى التمسك بالكتاب والسنة، مستفزا غيرتهم الإسلامية لمواجهة الظلم النازل بآل البيت، في تحميل للمسؤولية وإثارة للمحبة والإشفاق عن طريق إخبارهم بما حل به وبأسرته، وفيها قال :
".......أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وغلى العدل في الرعية، والقسم بالسوية، ورفع المظالم، والأخذ بين المظلوم، وإحياء السنة وأمانة البدعة، وانفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد. واذكروا الله في ملوك غيروا، وللأمان خفروا، وعهد الله وميثاقه نقضوا، ولبني بيته قتلوا. واذكركم الله في أرامل احتقرت وحدود عطلت، وفي دماء بغير حق سفكت. فقد نبذوا الكتاب والإسلام، فلم يبق من الإسلام إلا إسمه، ولا من القرآن إلا رسمه. واعلموا عباد الله أن مما أوجب الله على أهل طاعته المجاهدة لأهل عداوته ومعصيته باليد واللسان ... وقد خانت جبارة في الآفاق شرق وغربا، واظهروا الفساد وامتلأت الأرض ظلما وجورا، فليس للناس ملجأ ولا لهم عند أعدائهم حسن رجاء، فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر اليد الحاصدة للظلم والجور، وأنصار الكتاب والسنة القائمين بحق المظلومين من ذرية لنبيئين، فكونوا عند الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين ونصر الله مع النبيئين. واعلموا معاشر البربر أي أتيتكم وأنا المظلوم الملهوف الطريد الشريد الخائف الموتور الذي كثر واتره وقل ناصره وقتل اخوته وأبوه وجده واهلوه، فأجيبوا داعي الله فقد دعاكم إلى الله فإن الله عز وجل يقول : (ومن لا يحب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه  أوليا). أعاذنا الله وإياكم من الضلال وهدانا وإياكم إلى سبيل الرشاد" (28).
وقبل أن يختم دعوته عرف بنفسه وبنسبه إلى أن أوصله إلى الرسول عليه السلام.
على أن سنية الأدارسة لم تقف عند هذا الحد، بل تعدته إلى اعتناق المذهب المالكي الذي سينتشر في عهدهم. ولعلنا هنا أن نذكر بالتعاطف الذي كان بين المولى ادريس والإمام مالك، وهو تعاطف يرجع إلى أمرين: (29)
الأول : أن مالكا يروي في موطأه عن عبد الله الكامل والد ادريس.
الثاني : أن مالك كان له موقف من العباسيين لصالح أخ ادريس المسمى محمدا والمعروف بالنفس الزكية، حيث أفتى عند قيام هذا الأخير بأن بيعة أبي جعفر لا تلزم لأنها كانت على الإكراه، وضرب في ذلك كما هو معروف؛ وكان قد أفتى ببطلان الطلاق المكره وسقوط يمين الإكراه على العموم، اعتمادا على الحديث النبوي : "ليس على مستكره يمين"
2- ونعتقد كذلك أن المغاربة بميولهم السنية القوية رفضوا مبادئ المذاهب الأخرى وقاوموها بشدة وعنف.
فبالنسبة للاعتزال لم تجده آراؤه إقبالا في الأوساط المغربية لما هي عليه من تعقيد فكري ونظر فلسفي لا يدخل في صميم العقيدة؛ فضلا عن أن المغاربة لم يكونوا مستعدين لذلك بعد أن وجه وأبسطه.
ثم إ فقهاء المالكية في جميع أقطار الشمال الافريقي وقفوا ضد تسرب مبادئ المعتزلة، وضد الذين يحاولون نشرها؛ وربما عادوهم وكفروهم ورموهم بأشنع التهم. ويكفي أن نذكر أن أسدا بن الفرات قال في حق بشر المريسي وكان يعتنق آراء الاعتزال وكتب في ذلك (كتاب التوحيد) : "أو جهل الناس التوحيد حتى يصنع لهم بشر فيه كتاب؟ هذه نبوة ادعاها"(30).
بل إن فقهاء المالكية ومعهم جماهير الأمة اتخذوا موقف عداء من الدولة الأغلبية، لانحيازها لفقه العراق ومبادئ المعتزلة؛ وربما كان لهذا الموقف أثر في انهيار الدولة.
أما بالنسبة للفكر الخارجي فعلى الرغم من انسجامه مع ميول المغاربة، باعتباره يوافق طبيعتهم الاستقلالية ورفضهم كل سيادة تحاول أن تفرض هيمنتها العنصرية عليهم، وباعتبار الدور الذي كان له في أفهامهم حقيقة مبادئ الإسلام وحقيقة أسلوب الحكم فيه خاصة(31)، فإنهم لم يلبثوا أن تراجعوا عنه تحت تأثير حبهم القوي لآل البيت، فضلا عن التصفية التي حدثت للخوارج على يد الفاطميين الذين طاردوا الاباضية وحاربوهم بعد أن كانوا في عهد الأغالبة يتمتعون بشبه استقلال ذاتي داخلي؛ دون أن ننسى قول الخوارج ببعض المبادئ التي يرفضها المغاربة، كالطعن في عثمان ابان المرحلة الثانية من خلافته، والطعن في علي بعد قبوله التحكيم والمبالغة في ذلك إلى حد تكفيره والحكمين وكل من قبل التحكيم، وكذلك الطعن في أصحاب لجمل طلحة والزبير وعائشة وتكفيرهم، وكذا تكفير الأمويين والعباسيين؛ علما بأن الاباضة وحتى الصفرية يعتبرون أقل الفرق الخارجية غلوا.
وما بالنسبة للشيعة، فما كان المغاربة ليرتاحوا لهم أو ينسجموا معهم، لاعتمادهم على مبدأ التاويل وعلم الباطن، ولأن سلوكهم المثير كان دافعا للفقهاء والجمهور إلى اتخاذ موقف خصومة وعداء.
ويكفي للدلالة على هذا السلوك أن نشير إلى ما كان يصدر عن عبيد الله(32)  في خطبه، فقد خطب بعد أن تمكن من القضاء على بني مدرار في سجلماسة سنة 296 و" أظهر .... التشيع القبيح وسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه ... وزعم أن أصحاب النبي عليه السلام ارتدوا بعده (33) ولم يستثن منهم إلا ابن أبي طالب والمقداد بن الأسود وعمار ابن ياسر وسلمان الفارسي وأبا ذر الغفاري.
كذلك "منع عبيد الله الفقهاء ألا يفتوا إلا بمذهبهم الذي ينسبونه إلى جعفر بن محمد ويسمونه مذهب أهل البيت ... وغلظ الأمر على المالكية من هذا الحين ومتعوا من المجلس والفتيا، فكان من يأخذ عنهم ويتذاكر معهم انما يكون سرا وعلى خوف وريبة  (34) .
وإذا كان بعض الفقهاء الأفارقة قد مال للفاطميين حتى غدا من دعاتهم، ونعني القاضي أبا حنيفة النعمان الذي أخذه معه المعز إلى مصر، وكان يعد حجتهم في المذاهب، فإن جمهور الفقهاء كان يتخذ موقفا مضادا على غرار ما فعلوا مع أبي عبد الله الشيعي، فقد "أظهر الفقهاء لعنه والبرأة منه وحرضوا الناس على قتاله وافتوهم بمجاهدته (35). وذهب بعضهم في هذا الوقف إل مدى بعيد كابن التبان الذي رفض الدخول في المذهب الشيعي وقال لداعيه : "لو نشرتني في اثنين ما فارقت مذهب مالك"(36).
ويذكر في الكشف عن موقف الفقهاء أنه "لما وصل عبيد الله ...إلى رقادى أرسل إلى القيروان من أتاه بأبي اسحق ابراهيم بن محمد المعروف بابن البرذون وبابن هذيل، وكانا من العلماء الخاشعين لله، فلما وصلا إليه وجداه على سرير ملكه جالسا، وعن يمينه أبو عبد الله الشيعي الذي ولاه الملك وسلم له فيه، وعن يساره أبو العباس أخوه؛ فقال لهما أبو عبد الله وأخوه : اشهدا أن هذا رسول الله، فقالا جميعا بلفظ واحد : والله الذي لا إله إلا هو لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر عن يساره وينطقان فيقولان أنه رسول الله ما قلنا أنه هو. فأمر عبيد الله ... عند ذلك بذبحهما وربطهما في أذناب الخيل وأن يشق بهما سماط القيروان، ففعل ذلك بهما (37).
ومن انحرافهم ما يكشف عنه هذا الحديث لذي دار بين أبي عبد الله الشيعي والفقيه أي عثمان سعيد بن الحداد، حيث " قال أبو عبد الله ... القرءان يخبر أن محمدا ليس بخاتم النبيين في وله : ولكن رسول الله وخاتم النبيين، فخاتم النبيين غير رسول الله. فقال أبو عثمان : هذه الواو ليست من أدوات الابتداء وإنما هي من أدوات ليست من واوات الابتداء وإنما هي من أدوات العطف مثل قوله تعالى : هو الأول والآخر والظاهر والباطن. وقال له مرة أخرى : إن الله أخبر أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يرتدون، لقوله : أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابك. فقال أبو عثمان : هذا إنما هو على الاستفهام كقوله سبحانه : افان مت فهم الخالدون"(38).
وبلغ الانحراف الديني مداه حين "ادعى الحاكم ن بني عبيد الله الربوبية وجعل رجلا سماه بالهادي يدعو الناس إلى ذلك، وادعى

(1) البيان المغرب لابن عذارى ج 1 ص 52 (ت.كولان وبروفنسال. دار الثقافة – بيروت).
(2) انظر وحدة المغرب المذهبية ص 12-13 (لصاحب البحث ط. الدار البيضاء 1976).
(3) البيان المغرب ج 1 ص 71.
(4) انظر وحدة المغرب المذهبية ص 13.
(5) حسب ما أورد الأشعري في مقالات الإسلاميين ج 1 ص 145 (الطبعة الأولى 1369هـ - 1950 م).
(6) معجم البلدان ج 2 ص 8 (مادة تاهرت) – ط, دار صادر بيروت.
(7) انظر المسالك والممالك الكبرى ص 118 (نشر دوسلان – الجزائر 1857).
(8) الفقه على المذاهب الأربعة ص 27 (المقدمة) – ط. الثانية.
(9) وفيات الأعيان ج 5 ص 233 -234 (ت. إحسان عباس – بيروت).
(10) المدارك ج 1 ص 65، انظر كذلك الديباج ص 12-13 (طـ . الأولى).
(11) المدارك ج 1 ص 25 – 26.
(12) المدارك ج 1 ص 25-26.
(13) نفس المصدر ص 26.
(14) نفسه ص 66.
(15) معالم الإيمان للدباغ ج 3 ص 68-69 (تونس 1320).
(16) المدارك ج 5 ص 79.
(17) هو Henri daoust  في كتابه Les Schismes dans l’Islam  ص 235 (1965  Payot – Paris)
(18) انظر: أبو الربيع الموحدي ابتداء من ص 45 ووحدة المغرب المذهبية ص 22.
(19) المدارك ج 1 ص 66.
(20) نفس المصدر ص 26-27.
(21) نفسه.
(22) البيان المغرب ج 1 ص 48.
(23) انظر رياض النفوس للمالكي من ص 64 إلى 75 (ط. النهضة المصرية 1951).
(24) انظر وحدة المغرب المذهبية ص 14.
(25) المدارك ج 2 ص 41.
(26)  نفسه ص 39.
(27)  انظر وحدة المغرب المذهبية ص 15.
(28)  الوثائق – المجلد 1 ص 40-41-43 (المطبعة الملكية – الرباط).
(29)  انظر وحدة المغرب المذهبية ص 15-16.
(30)  رياض النفوس ج 1 ص 182.
(31)  انظر لأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه ج 1 ص 45-46 (لصاحب البحث ط. دار المعارف – الرباط 1979 ).
(32)  يبدو أن إصرار المغاربة على أن يدعوا عبد الله المهدي بصيغة التصعير (عبيد الله) داخل في نطاق موقفهم منه.
(33)  البيان المغرب ج 1 ص 159.
(34)  تراجم أغلبية ص 393 (استخرجها محمد الطالبي من مدارك عياض – تونس 1968).
(35)  البيان المغرب ج 1 ص 137.
(36) معالم الإيمان ج 3 ص 14.
(37)  البيان المغرب ج 1 ص 282 -283.
(38)  نفس المصدر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here