islamaumaroc

الحسبة كولاية شرعية تعود إلى أصلها بعد غياب طويل.

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

من فترة لأخرى يطغى الإنسان على أخيه الإنسان في سطو وقهر دونما تقدير لإنسانية أو عطف يتمتع بهما كل فرد من أفراد البشر عامة (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) الحديث ..كطبيعة دفينة في النفوس تهدف البغي والظلم المخبوءين تحت جناح كل احد (القوة تظهره، والعجز يخفيه). يشير أبو الطيب إلى هذا المدلول قائلا :
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
                ذا عفـة فلعلــه لا يظلـم
ومن منظور هذه الظاهرة الحيوانية التي بدت قبل كأول جريمة نكراء علة وجه البسيطة (بارتكاب أتم القتل عمدا) بسطو قابيل على أخيه هابيل ابني ادم عليه السلام.
تمكن هذا الخلق الردئ من الإنسان الذي كانت إنسانيته في فحواها منبثقة من مادة الإنس والتآنس القاضية بالعطف والحنو رعاية للفطرة والسير على سنها الإلهي، فكان هذا من دواعي إيقاف الإثم والضرب على يد مرتكبيه في أي كان في النفس والأسرة وفي المجتمع عامة وأيا كان جنسه ولونه فالناس سواسية في الوضع) شعوبا وقبائل قصد التعارف والتعايش والتمازج فيما بينها خدمة للصالح العام لا علو ولا تفاضل إلا بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) سورة الحجرات 13.
ومن منطلق هذه الظاهرة جاءت حكمة الباري جلت قدرته على ألسنة أنبيائه ورسله من المصطفين الأخيار من الأمم بنشر الدعوة في الخليقة تبشيرا وإنذارا أمرا ونهيا مستمرين في أداء الرسالة التي تحملوها مستميتين في التبليغ رغم ما كانوا يلاقون في ذلك من مشاق ثقيلة نفيا وتشريدا وتنكيلا لحد القتل، يقول الرسول الأكرم صلوات الله عليه وهو يقاسي من قومه العرب ومشركيهم المرائر والشدائد في أناة وصبر : « اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون».
أجل فكان لدعوته العامة أثرها الحميد خاصة في أصحابه الذين تحملوها غالية بثوها في الثدور غضة طرية منبعثة من تشريعاته صلى الله عليه وسلم وسيرته المصفاة الخالدة التي نجد المسلمين اليوم وفي شهر مولده الربيعي الأنور خاصة ينشرونها بين يدي جماهير المومنين المتعطشين لها في المساجد والمعاهد والكليات والمنتديات، إذاعيا وتلفزيا كتنوير القلوب وتبصير للنفوس بما يجب وبطلب من أصحابها كمسلمين صادقين خلقوا وما خلقوا إلا للعمل المزدوج دينا ودنيا على ضوء الهداية الحق وروح الإسلام المصفى « وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» سورة الذاريات 56.
فلقداسة الإسلام وتشريعاته المتفقة والمنطق السليم كانت استمرارية حلقاته متسلسلة جيلا بعد جيل، بيد أن هذه الحركة النابعة من السيرة المطفية ودراستها يتأكد بل يجب مواصلتها طوال أسنة دونما توقيت يحدها في أيام معدودة، تكاد تجعل بين المسلمين فاصلا قد لا يتورع ينسيهم ما هم في أشد الحاجة إليه من اتصال وممارسة لها كخلق له فعاليته في شحذ النفوس وحلها على الاهتداء بسلوك الرسول وأخلاقه الكريمة والسير على سننه ونهج تعاليمه ومبادئه السماوية عن اطمئنان وإيمان. « لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»- سورة الأحزاب 21. «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم»- سورة آل عمران 31.
وإذا يطرأ ما يطرؤ على البعض من انحراف قد يؤدي إلى الخروج عن الجادة التي فطر الناس عليها منذ النشأة الاولى، واعتراهم ما اعتراهم من سباة غذوا في دوامته حيارى لا يدرون ما يأتونه وما يذرون : أتى الله تعالى بلطفه وتوفيقه بمن يأخذ بيدهم هاديا ومنقذا لهم مما وقعوا فيه من مآزق الحياة ومخازيها المردية والمستأسدة في تطاول ليس فقط على العمل بل وعلى العقيدة أيضا بما ينشر من آراء وأفكار مستوردة تغزو باديولوجياتها النشيء البرئ والشباب الطاهر.
وانطلاقا من هذا المنظور المؤلم : نرى الله تعالى يهيئ رجالا صلحاء يقع الاختيار عليهم رجاء الإنقاذ والتسيير وفق التشريع الإسلامي ووحيه المقدس كأمراء وقواد يأخذون الزمام آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر في حكمة تهدف اليسر والسهولة عن اقتناع لا يدع في النفس حيرة أو شكا، وفعلا تكونت ولايات وعمالات هنا وهناك وفي كل صقع من أصقاع المعمور شرقا وغربا، وفي خضم هذه الظاهرة جاء الاختيار للأكفاء العاملين في صدق وأمانة رغبة الفصل بين الناس فيما ينزل من خصومات وصراعات قد لا تحمد مغبثها لو أغفلت، ولكن في رفق وعدالة تحت ظل مناهج الإسلام ودينه الحنف.
(لا يصلح الناس فوصى لأسرة لهم
                 ولأسرة إذا جهالهم سـادوا )
واليوم وقد تفشى الانحراف في كافة القطاعات وينابيعها الحيوية، وطغى الإنسان على أخيه الإنسان، وطفح الكيل، وأصبحنا في حيرة مذهلة لا تدري أين نضع القدم.
نعم فرغم ما تقوم به الدولة من مقاومات ومعالجات لا يرى في الارتداع الحاسم والنزوع الكلي إلى السوي المرغوب الذي نادت به التشريعات السماوية لإصلاح البشر إصلاحا جذريا، وتقويمه تشريعا وسلوكا أبعادا له عما أصبح يتخبط فيه ويجري على مرأى ومسمع من الجمهور، غش وخداع، وكذب وزور، وفحش ومرمات توتى، ومقدسات تنتهك دون خجل أو حياء.
شيء حفز حكومتنا الموقرة للعودة إلى النبع الأصيل الذي به ارتفعت أمة الإسلام على غيرها، «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله» (سورة آل عمران 110) فأرادت الرجوع إلى الأصالة في بعض قطاعاتها المضاعة- كالحسبة- إحدى الخطط ألست التي يعرف القائم بمهنتها (بصاحب السوق) المحتسب المهنة التي يعرفها الإمام المارودي الشافعي في أحكامه السلطانية قائلا : «الحسبة أم بمعروف ظهر تركه، ونهى عن منكر ظهر فعله»، يقول الله تعالى في كتابه المبين : «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون» (سورة آل عمران- 104).
فعلى من تولى هذه السلطة الشريفة أن يصدق في خطتها باحثا عن المنكرات الظاهرة كالبخس والتطفيف في الكيل والوزن، والغش والتدليس في ثمن أو مثمن، والمطل بالدين (تأخيره مع القدرة على الأداء). فالمحتسب منصوب لإزالة هذه المنكرات الظاهرة. أما الخفية منها فلا يجوز البحث عنها، إذ شرط النهي عن المنكر ظهوره من غير تجسيس ولا استراق سمع ولا استنشاق ريح، وليس له البحث عما أخفى بيد أو ثوب أو دكان، نعم إذا وقع ونزل وحصل الإطلاع مع التجسيس لا يسقط التغيير الواجب على الفقيه المحتسب القيام به شرعا ومهنة ثم ما صدر عن الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه إذ تسور حائط الفتية الذين ولعوا بالراح كي يقف على هويتهم غرة وخفية فليس هو المذهب.
وإلى القصة يشير الشاعر حافظ إبراهيم في يائيته البسيطية بقوله :
وفتية ولعوا بالراح فانتبـذوا
               لها مكانا وجدوا في تعاطيها
ظهرت حائطه لما علمت بهم
                   والليل معتكر الأرجاء ساجيها
إلى قـولـه :
قالوا مكانك قد جئنا بواحـــدة
                  وجـئتنـا بثلاث لا تباليهـا
فائت البيوت من الأبواب يا عمر
                  فقد يـزن من الحيطان آتيها
واستـأذن الناس أن تغشـى بيوتهم إلى آخر القصة.
ثم إن هذه الالتفاتة الكريمة، والبادرة الطيبة تعد نبتة أخرى من اللبنات التي أحياها عاهلنا المفدى الحسن الثاني أيده الله، والتي يلذ إنشاد المفرد التالي عندها :
( يزيـدك وجهـه حسنــا
                  إذا مــا زدتــه نظـرا)
ومن هذا العرض الخفيف نرى أن تعاليم الإسلام ومبادئه إذ تنطوي على شيء فإنها تنطوي في مكنونها التشريعي على مكارم سامية ومساعي جامعة محامد الأخلاق ونبل الشيم وصالح المقاصد التي على ضوئها ترتكز الوحدة المنشودة، وتتمتن الروابط، وتتحد القلوب، وتصفو في ذات الظرف مما قد يعلق بها من مساوئ ومخاطر من شانها بث التفرقة وتمزيق الصفوف وتفتيتها شيء أصبح المجتمع الإسلامي يعاني متضايقا ومتأففا من مكارهه المساورة دون أن يفكر في وسائل التحلل والإنعتاق الكامنين في الرجوع إلى تعاليم السماء السمحة، ومبادئها الطاهرة والمصفاة من أكدار المادة الطاغية والمخبوءة فيما المعنا إليه آنفا يجري في المعاملات الفاسدة من غش وخديعة، نرجو الله تعالى آملين في صدق وإخلاص أن تكون تلك الباردة الحميدة، بادرة العود إلى بعض ما أمر الشرع به وخطه في إطار منطق سليم- كالحسبة- وما لها من فهالية رائدة في السوق بتخليصه من شوائب الميعة والبغي تطفيفا في الكيل والوزن وقد شردت النفوس سابحة في غفلة مطبقة عن الويل المرصود لأصحابه عياذا بالله تعالى «ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزونهم يخسرون» (سورة المطففين 1-2-3).
وختاما نحمد هذه الالتفاتة الطيبة من قائدنا الرائد نحو هذا القطاع الحيوي الخطير من ولايات الإسلام وإعادته لأصالته حقق الله الرجاء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here