islamaumaroc

كيف تستفيد الأمة من قوة شبابها

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

وأنا طالب فلسفة وعلم اجتماع (بجامعة القاهرة) كنت أتسبب لصديقي (محمد) في كثير من الازعاج..
أيقظته مرة من عمق قيلولته ذات ظهيرة لافحة القيظ، لاصيح في وجهه:
_ كيف تستطيع أن تنام وأنت لا تعرف الجواب؟.
فجلس في فراشه يفرك عينيه ويسأل:
- الجواب؟ على ما ذا؟
- يا إلهي! على السؤال الأكبر يا مغغل!
فزادت حيرته، وحملق في وجهي بعينتيه السميكتين:
- السؤال الأكبر؟ وما هو السؤال الأكبر؟
فتصنعت الذهول:
- الله ! أنه لا يعرف حتى السؤال الأكبر !
ما هذا؟ هذه نهاية العالم ولا شك. وبعد أن زال عجبي قلت شارحا:
- السؤال الأكبر، يا عبيط، هو الذي يتعلق بوجودك ووجودي. بوجود العالم بأسره، بطوله، وعرضه، وعمقه.. وبجميع أبعاده المادية والروحية، الساكنة والمتحركة في بحره الممتد، من الأزل إلى الأبد !
وتماثل (محمد) من غشيته ليجيب عن تهويلي:
- وأنا مالي؟ أنا مجرد طالب حقوق.. أنتم، طلاب الفلسفة، الذين يجب أن تجيبوا على هذه الأسئلة.
وقام يعد الشاي..
وحين صفا ذهنه نوعا، بعد أول جرعة من شايه الأخضر المنعنع والمركز، تصدى لي:
- ما هذه الزوبعة التي تدور في دماغك؟ أنت ما تزال في السنة الأولى، وتريد أن تفهم كل شيء. كل يوم تأتيني متحمسا لنظرية في أصل الوجود، لتعود في اليوم التالي بنظرية جديدة لفيليسوف جديد تدحضها وتفندها، بل وتسخر منها. فلماذا لا تنتظر قليلا حتى تنتهي النظريات من تطاحنها وتكف عن إزعاجي؟
ورشف من كأسه، وأضاف:
- أنا أرثى لحالكم يا أصحاب الفلسفة !
- لماذا كفى الله الشر؟ !
- لأنكم دخلتم الشعبة إما عن جهل كبير، أو غرور أكبر.
- وكيف ذلك، يا سيد لقمان؟
- أقول لك: أنتم دخلتم شعبة الفلسفة إما جاهلين بأن عددا هائلا من المكرين قبلكم كالهنود والصينيين، والإغريق والمسلمين العرب والأعاجم، والأوروبييون، حاولوا الإجابة عن نفس الأسئلة، منذ آلاف السنين، منذ بدا الإنسان يقلب وجهه في السماء بدون جدوى، وأما عارفين بذلك، ومعتقدين أنكم أنتم الذين سيأتي على يدكم الحل ! وفي كلا الحالتين تكونون في منتهى الجهل أو غاية الغرور !
فأخذتني العزة بالإثم، وقلت رافضا الاعتراف بصدق ما يقول:
- الفلسفة، يا جاهل، ليست مفتاحا لحل طلاسم الوجود بقدر ما هي رياضة للعقل، وتدريب له على التعمق في بواطن الأشياء، وعدم الاقتناع بالظواهر والسطحيات وإذا لم نصل إلى حل الأسئلة الكبرى، فإننا نعثر، ونحن في طريقنا إليها، على عدد هائل من الحلول لتساؤلات البشرية الصغيرة اليومية، مما يجعل للحياة لذة وطعما أفضل.
وانصرف عني إلى مجلد القانون الروماني الأسود المخيف وهو يهمهم:
- إذا أردت رأي، فإن معنى الفلسفة كامن في إسمها.. فنصفها الأول "فلس" والثاني "سفه" وستسمى حين تتخرج – بعد عمر طويل إن شاء الله- "بالأستاذ المفلس السفيه" !
مراحل النضج:
مرت على هذه المناقشة ما يقرب من خمس وعشرين سنة..
وقد تخرجت بعد أربع سنوات، خلافا لنبوءة صديقي العزيز (محمد) ولكنني أصبحت أكثر تواضعا وأقل ادعاء وغرورا مما كنت عليه في السنة الأولى بالجامعة..
وشاهدت في بحر هذا الربع قرن أفواجا من طلبة السنوات الأولى يناقشون أحوال بلادهم، بنفس حماسي الجاهلي القديم، وكأنهم نسخ طبق الأصل مني آنذاك، ويعددون أسباب تخلفها، ويخرجون من قبعاتهم السحرية الحلول لأدوائها، كل حسب اختصاصه، جازمين بأن بلادهم بمجرد ابتلاعها لهذا القرص الغربي، أو تجرعها لذلك الترياق الشرقي، ستشفى من مرض "التخلف"، وتصبح في الغد القريب تحتك بالمناكب مع دول أوروبا الغربية، أو الولايات المتحدة.
وكما كنت، وأنا طالب فلسفة في السنة الأولى، أكثر ثقة بنفسي في العثور على الإجابة على "السؤال الأكبر"، كذلك لاحظت طلاب السنوات الأولى للاقتصاد والقانون والاجتماع في بحر السنوات التي تلت تخرجي، يتعاملون مع مشاكل مجتمعاتهم المعقدة بتنظيرات تبسيطية تطبعها المثالية، والتجرد، وإسقاط الحالات النفسية الذاتية عليها.
صمام الأمان
وعالمنا العربي والإسلامي الذي يزخر بالطاقات الحية الشابة، وتبلغ نسبة سكانه الذين لم يتجاوزوا الخامسة والعشرين، السبعين في المائة أحيانا، لابد من أن يعمل على توعية شبابه بهذه الحقائق، وذلك بأدراج عناصر م الحوار الراشد الناضج داخل المقررات الدراسية، والبرامج الإذاعين، والتلفزيونية، على شكل ندوات تطرح فيها مواضيع التنمية والتخلف للمناقشة بإشراف شخصية ناضجة مجربة، وعلى شكل تمثيليات ومسلسلات تناقش هذه المواضيع داخل إطار قصصي جذاب يستهوي الصغار والكبار، وتعطى الإجابات على تساؤلاتهم المحيرة بطريقة غير مباشرة..
وسيكون هذا الحوار المنطقي الجاد والهادف متنفسا للشباب، يروح فيه عن ضيقه ويخفف من غلواء حماسه، ويفشل كل مسعى أجنبي للتأثير عليه، وملء فراغه الفكري والروحي، وتجنيده في صفوف جيوشه الهدامة عبر العالم.
كما سيكون الحوار ذات نفع مزدوج، ينتفع فيه الشباب من إجابات المسؤولين والمفكرين في البلد على تساؤلاتهم، وينتفع هؤلاء المسؤولين من أفكار الشباب التي قد تفاجئهم بجدتها، وعمقها، وعبقريتها ومرونتها، وسهولة تطبيقها.
الشركات الأمريكية:
ومثل هذا الاعتقاد دفع بأصحاب شركات السيارات الكبرى، والمشاريع الحيوية في (الولايات المتحدة) إلى طرح مشاكلهم التقنية المعقدة على طلاب الثانوي في عشرات المدارس، راصدين الجوائز المغرية للحلول الناجعة.. ولم يكتفوا بآراء مهندسيهم الكبار.. ذلك لأن "العقل أعدل شيء قسمة بين الناس" و "قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر..".
وأهم من هذا كله، إن طرح إشكالات التخلف على الشباب، وإشراكهم في البحث عن الحلول الناجعة لها، يجعلهم واعين بالمسؤولية التي سيتحملونها في مستقبل الأيام، ويعجل بنضجهم، وببصرهم بأخطار الاندفاع نحو الحلول الساذجة، والمستردة في الغالب، من بلاد لا شبه لنا بها.. حلول فاشلة أساس حتى في تلك البلاد التي تصدرها وسيكون لهذا الاشراك الواعي مفعول السحر في محو الفروق بين طبقات السن، وغلق الفجوات بين الأجيال.. وسيصير الشباب أكثر تفهما لمواقف الكبار، وأقل قسوة في انتقادهم ولومهم على ما ورثوه هم أنفسهم من تركات التخلف.
حكمة الوعول:
من عادات الوعول والأيائل في الاصقاع المتجمدة بالقطب الشمالي وسيبيريا وشمال كندا، أن تسير وراء قائد واحد في صف طويل.. وحين يتعب القائد من شق الثلوج أمام القطيع يخلفه وعل قوي آخر في المقدمة، وهكذا حتى يصل القطيع إلى نهاية رحلته..
ولو مشت الوعول كل على هواه، وشق كل منها طريقه لنفسه داخل الغطاء الثلجي السميك، لانقطعت أنفاسها جميعا، وانهارت في أول مرحلة من مسيرتها الطويلة..
وحتى لا نكون أقل حكمة من الوعول، يجب أن نشق الطريق الوعر أمام شبابنا، ونجنبهم ما عانيناه نحن من محن الشك، والغضب، والثورة على الكبار باطلاعهم على تجاربنا أيام أن كنا في سنهم، حتى لا يعتقدوا أننا ولدنا كبارا، وأن تجربتهم فريدة من نوعها، لم يسبق مثلها للأولين، ولن يعانيها الآخرورن !
فإذا عرفوا أنهم ليسوا وحدهم، وأن تجاربهم هذه من سنن الحياة، عاشها آباؤهم قبلهم، وسيعيشها أبناؤهم بعدهم، زايلهم الخوف، والتشاؤم، والتمرد.. "والمصيبة إذا عمت هانت".
رواد التجربة:
وينبغي اختيار رواد هذه التجربة من كبار المختصين في العلوم الإنسانية، وخاصة علم الاجتماع، والفلسفة، والتربية، وعلم النفس التربوي..
ولاتكفي ضلاعيتهم العلمية في هذه الميادين، بل يجب أن تتوفر لهم الخصائص الشخصية كذلك للاضطلاع بهذه المهمة الحساسة والدقيقة. فيجب اختيارهم من بين ذوي الحلم، والصبر، والانفتاح على عالم اليوم، والخبرة بوسائل الاقناع غير المباشر، وأن يتحلوا بروح المرح والشباب، وأن يكونوا من ذوي التجارب الطويلة في ميدان التعليم، وأن يكون لهم أولاد من الجنسين.
وإذا كانت هذه الشروط صعبة بحيث لا تتوفر إلا لأقلية من الناس فإن هناك وسائل لتعميم منافعها على الأمة بأسرها، وذلك عن طريق وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، والمقروءة، المدرسية أو العامة..
ويحتاج تعميم هذه التجربة إلى إرادة المسؤولين عن التوجيه في الأمة العربية والإسلامية. ولا يوجد بديل عنها إلا التجاهل والضغط الذي لا بد أن ينتهي بالانفجار، لا سمح الله.. فهي بمثابة صمام أمان. لتهوية الأدمغة الشابة، وتصريف ما يتجمع فيها من أبخرة الثورة والتمرد الصاعدة من مثالية الشباب الذي يصطدم يوميا بفساد المجتمع من حوله.
والله ولي التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here