islamaumaroc

طيف الأصل (قصة قصيرة)

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

لست أدري كيف يحدث للإنسان في لحظات خاصة من حياته أن يستعيد ذكريات موغلة في القدم فتصبح أمامه كصور زاهية في منتهى الوضوح.
وهذا هو ما حدث لي بالضبط وأنا أزور القرية الشاطئية الجميلة القريبة من مدينة سبتة.. فهناك ومنذ عشر سنوات تقريبا كانت حفلة كبيرة أقامها قائد القبيلة. بمناسبة زفاف ولده البكر. وقد تسألونني: ومن تكون «العروس» التي زفت إلى ابن القائد..؟
إني أذكر شيئا واحدا ظل مع الأيام، يحفر ثغرات عميقة في نفسي، لقد شاهدت موكبها البهيج وهو يشق شوارع تطوان... بينما أصوات البارود تنطلق وتعلو في الفضاء، وفرق (اكناوة) بطبولهم الكبيرة وهم يضربون عليها بشدة وكأنهم يمعنون في تعذيب قلب تائه معذب وقف صاحبه بين آلاف المشاهدين الواقفين على جانب الشارع... كانت أصوات المزامير وإيقاع الموسيقى البلدية والجبلية.. كل هذه الأشياء جعلتني أشعر أن شيئا عزيز انفصل عني إلى الأبد..
عادت بي الذكريات فجأة إلى الماضي... وأنا أرقب القمر المتشح بغلالة حمراء وكان على مقربة من الأفق، وكأنه يتأهب للاختفاء.
عرفتها طفلة تسير في الصف الطويل الذي كان يبدأ جولته في (حي العيون) وينتهي في مدرسة البنات بباب العقلة.. وكن فتيات مرحات، يملأن الشوارع التي يمررن بها بهجة وسعادة. كنت آنذاك طالبا في معهد المعلمين، ثم عرفتها فتاة ناضجة جمعني وإياها دور تمثيلي نظمته نيابة التعليم في مناسب وطنية.. كانت تقف أمامي بوجهها الصبوح الملائكي وهي تردد مقتطفات من المسرحية التي كان لي فيها دور البطل.. كانت تؤدي دور شهرزاد في قصة ألف ليلة وليلة.. وكنت البطل.. «شهريار» بيد أنني لم أكن قاسيا كما كان يتطلب مني.
كنت أشعر أن الكلمات ومقاطع الحروف تتلاشى بسرعة بين شفتي.. كانت تطول عنقها العاجي الصغير بالجوهر «الحر» بينما أسلاك وسبائك من الذهب تزين رأسها الجميل..
منذ ذلك اليوم ربطت حياتي بشهرزادي، ولن أصدق قط روعة شهرزاد التي صورها الكتاب والفنانون والشعراء بقدر ما أصدق أن «شهرزاد» الحقيقية هي التي عشت إلى جوارها فترة من الزمن.. وكان ذلك بمثابة تحول جذري لحياتي أو عاطفتي كلها من الأساس فالدنيا بدونها مظلمة رغم نور الشمس، والموسيقى لا تهز مشاعري رغم رقة ألحانها، والجدول الرقاق لا يبعث في نفسي أي إحساس رغم صفاوة مائه، وحتى البلابل الصغيرة التي تغرد في الفجر وفي المساء لم يعد لتغريدها أي معنى بالنسبة إلي. كنت فقط أرنو إليها، وأتعذب صامتا من أجلها، وصدقوني إذا قلت لكم: إني بعثت لها ذات مساء بورقة صغيرة قلت فيها:
شهرزادي الجميلة..
إذا كانت أنت حقا شهرزادي.. فأنا لست شهريار الحقيقي، ولو كانت لي قوته وإرادته لكنت بجواري الآن.. لكنه التمثيل الذي يصور للناس أشياء هي أقرب إلى الخيال، بيد أنه مع ذلك ستبقين أنت في جنينة الأحلام التي وضعتك بين ورودها وزهورها.
وصدقوني إذا قلت لكم أيضا: بأني لم أعد أعرف للنوم راحة ولا للطعام مذاقا منذ استقر حبها في سويداء قلبي.. كان يخيل إلي أن همسها أسمعه في كل وقت.. وسمعتها ذات ليلة تخاطبني:
شهرزادي.. لم تعد تعرف السعادة.. لأن شهريارها ضعيف الإرادة.. خائر العزيمة..
وقمت مدعورا من نومي وأنا أتساءل عن سر الهمس الذي سمعته:
ماذا جرى؟.. أين تكون الآن..؟
وأكدت الأيام التالية صدق همسها فلقد خطبها من أبويها القائد مسعود ذو السلطة الواسعة والجاه العريض في قبيلة «انجرة» خطبها لولده لقاء صداق خيالي.. ووعود مغرية جدا، وعندما كان وفد القائد يغادر منزل أبويها.. كان وفد صغير يتركب من والد أشيب، وأم مرهقة بالتعب والعناء، وأخت معذبة يطرف نفس الباب الذي طرقه الوفد الكبير..
لا، والدي وأمي وأختي يحملون بين أكفهم قلبا خافقا وعلى ملامحهم أمل كبير.. وجاء والدها ليعلن إلى عائلتي الصغيرة بصوت أجش مبحوح:
ـ «انتهينا وأعطينا بنتنا لولد القائد مسعود والحمد لله».
ألا قبح الله الفقر.. هذا الفقر الذي يتحكم في مصائر الناس وسعادتهم.. فمن يكون والدي أمام جناب القائد المحترم؟.. إنه صانع وحداد في شارع الحدادين.. إن النار تلهبه وتمتص دمه يوما بعد آخر.. إنه يشقى طول يومه من أجل دراهم قليلة هي خبزنا الذي به نعيش.. وأمي التي زاغت نظراتها وتقوس ظهرها لانحنائها الدائم على ماكينة الخياطة وهي ترنق الأقمصة أو تخيط ملابس لأطفال الجيران.. وأختي العانس التي لم يخطبها أحد أصبحت هيكلا آدميا.
هذه المشاهد لم يكن بد منها مادامت تتمم المشهد الحقيقي لقصتي.. فأنا شهريار المزيف لم يكن عندي حول ولا طول لأن المال يعوزني وكان بمنتهى السهولة واليسر أن أظفر بشهريار لو أني دفعت مبلغا مهما جدا لوالدهما..
ثم لم أعد أعرف ماذا حدث بعد ذلك.. مادام كل شيء قد انتهى بالنسبة إلي في تلك اللحظات الرهيبة من حياتي.. ولم أعد أهتم بالتفاصيل.. أو الإجراءات التي تلت حفلات الزفاف التي اهتزت لها مدينتي الصغيرة، وسافرت إلى مدينة نائية بالجنوب لعلني أنسى.. ولم افكر يومذاك في الزواج.. بل جعلت أعيش لأسرتي التي تألمت كثيرا من أجلي فأتقاسم وإياها أجرتي التي كانت بمثابة مورد واحد يعيشنا..
ثم لست أعلم أو أدري كيف حدث أن سافرت بعد عشر سنوات إلى القرية التي استقرت بها شهرزادي.. وكل ما أذكره أن زميلا قديما سبق له أن مثل معي دورا ثانويا في المسرحية الخالدة بعث إلي برسالة يلح علي فيها بالحضور إلى القرية التي سيحتفل فيها بزفافه..
وسافرت.. وفي الطريق إلى القرية ـ كان كل شيء يكبر ويعظم أمامي.. فالصور الجميلة القديمة تعيد رواءها، وحبي ينتعش كمارد جبار والهمسات والزفرات والآهات العميقة تتحول فجأة إلى ألحان رقيقة عذبة تمتزج بهدير البحر وصخبه وهو يقذف الصخور بأمواجه في قسوة..
كانت القرية تعيش يوما آخر من أيامها الزاهية.. كانت تشهد حفلا ساهرا من سهراتها.. حضرت إلى جانب أعيانها وكبار القوم فيها.. كان يقف إلى جواري شخص بدت على ملامحه وهيأته آثار النعمة واليسار.. ورأيت بنتا صغيرة جميلة شقراء تسرع إليه وتعانقه، كان وجهها.. وملامحها.. وجدائل شعرها.. وطريقة همسها وحديثها.. هذه الأشياء كلها جعلتني أرتد بسرعة إلى الماضي..
وكم كانت دهشتي عندما اقترب مني صديقي العريس وقال لي وهو يقدم ليه وجيه القرية:
ـ اسمح لي أن أقدم لك «ولد القايد مسعود» ولم أرد أن أسأله أو أقول له: ومن تكون هذه الحسناء الصغيرة..؟ ذلك لأن الملامح كانت صورة طبق الأصل، الملامح شهرزادي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here