islamaumaroc

عبقري عاش غريبا ومات غريبا.

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

مات أبو الضابط (قائد) فانفردت أمه بكفالته وتنشئته تنشئة تعليمية. فأسلمته إلى «المسيد» حيث حفظ القرءان الكريم وبعض المتون التي كان الحافظ للقرءان يضمها إلى حفظه كالاجرومية ومرشد ابن عاشر والألفية والسنوسية ومختصر خليل.
على حين بدا يحضر حلقات التعليم التي كانت تقام في المساجد والجوامع فأظهر نجابة فائقة وكان حاد المزاج حاضر الجواب، قلت له مرة أن شيخك يثني عليك فلم يزد أن قال:
إذا رضيت على بنو قشير
      لعمر الله أحجبني رضاها
ثم بدا أن يترك حلقات التعليم وأن يتجه إلى المدارس الإسبانية ليتعلم لغتها وفعلا تعلم الإسبانية وأجاد فيها إجادة حسنة في ظرف وجيز.
ولكنه لم يستقر على هذا الوضع أو لم يستمر عليه في المدرسة بل تركه ليفتح دكانا بأحد شوارع تطوان.
فكان له دكان  للبقالة لم يصرفه عن الإسبانية وقراءة كتبها، بل استمر في دكانه مكبا على قراءة الكتب والنشرات الإسبانية. وكان في نفس الشارع طالب آخر يحضر حلقات التعليم في المساجد. فصار يتردد عليه بدكانه ويقضي بعض الوقت واقفا بباب الدكان يحادثه. وتطورت الصلة فصار يدخل إلى الدكان فيجالسه فيه. وهناك أغراه صاحبه بالإقبال على تعلم الإسبانية، فانقلب هذا الطالب إلى تعلمها والتحق بإحدى مدارسها وكان إكبابه عليها منقطع النظير، لدرجة أنه كان عند الاستعداد للامتحان يدخل بيته ويحلق حاجبيه لييئس نفسه من الخروج منه وينقطع إلى المطالعة والتحصيل مدة شهر أو يزيد.
ومضت بعض السنوات وإذا به يحرز شهادة «الباكالوريا» فينال منحة من الحكومة الإسبانية تساعده على الالتحاق بجامعاتها ومتابعة دراسته فيها. وبذلك التحق بكلية الطب في غرناطة وكان موفقا في دراسته فتخرج منها طبيبا اشتهر بمهارته وهو الآن يزاولها بطنجة.
أما صاحبنا العبقري المجهول «سي احمد»، فإنه بدا له أن يعود إلى حظيرة المساجد حيث يستأنف تعمله العربي والديني في حلقاتها التعليمية.
وهكذا باع دكانه وما كان يحتويه من سلعة وتوجه إلى فاس وهو يحمل معه من الأموال ما قدر أنها ستكفيه للإنفاق على نفسه طيلة مدة التعليم بالقرويين التي عرفت آنذاك «النظام» في تعليمها.
فالتحق بالسنة الأولى من الثانوي، وربطت بيننا الزمالة الجديدة زيادة على القديمة. وصار يلقي علي ما يكتبه في مذكراته وكان يحتويها سفر كبير فكنت لا أفهمها كما يجب.
وخيل إلي أنني أستطيع أن أكتب كذلك فكتبت وقد قرصتني الغربة حقا فنفثت هذه الكلمة التي منها: «لا تعرف اللذات إلا بعد فقدها؛ فقد يكون الإنسان في عيش عذب الموارد والمناهل، بيد أنه لا يعرف طعم لذاته حتى يسلبها. فإذا سلبها أصبح كالمفؤود يئن أنين المتفجع الهائم، ويزفر زفرات يكاد جنانه منها ينفطر...».
هذا ما بقي في ذاكرتي عن تلك الكلمة التي كانت أول محاولة لي في الكتابة والتي لما عرضتها عليه قال لي: «انك ستكون أديبا» فكان لها فعلها في نفسي ووقعها في مصيري...
وكان هو يتابع كتابة مذكراته ويوجه بنسخة منها إلى رجل كان بقالا في تطوان (ويقال أنه كان عمه الحقيقي) فكان يعطف عليه لذلك. وكان هذا البقال على حظ من العلم كان يمكنه من فهم تلك المذكرات فيشجعه على الاستمرار فيها. ثم ترك هو نفسه البقالة وأصبح ضمن عدول تطوان فيما بعد.
وكان صاحبنا العبقري قد وطن نفسه على طول المدة التي كان سيقضيها في التعلم بالقرويين (أي تسع سنوات) ولكنه فجأة وجدناه يعدل عن الاستمرار في التعليم بالقرويين فيجمع ما كان له من أثاث بسيط وآنية بيته ويعرضها علي لشرائها بعد شهور قلائل، ويعود إلى تطوان...
وفي تطوان يقبل على حلقات العلم بها ويكاتبني بتوفقه في دراسته ورضاه عن حلقات تعلمه على فقهائها.
وأتيت إلى تطوان لقضاء بعض الأعياد فيها، فكان أول من جاء إلى الدار ليسلم علي. ولكن في هذا القصد حصل ما لم يكن مترقب لا مني ولا منه.
حصل أنه وجدني متلفعا في «سلهام» فلم يخف امتعاضه لهذه «الطفرة» وقال لي: ليست السلهام؟! فكانت هذه الكلمة آخر كلمة وجهها إلي، كما كانت زيارته هذه إقبارا لتلك الصداقة التي جمعت بيننا. وقاطعني وقاطعته...
وبعد سبع سنوات اجتمعنا في دار الأستاذ الشيخ محمد المكي الناصري، وتكرر الاجتماع بها حيث كانت داره هذه إدارة للعمل الذي كان يصدر عنه جريدتان إحداهما عربية والأخرى إسبانية. وكلتاهما تحمل اسم «الوحدة المغربية» وهو اسم الحزب الذي كان يتزعمه الأستاذ الناصري. ولم نكن نتحدث كما يتحدث الأصدقاء في ذلك الاجتماع المتكرر بل لا أذكر أننا زدنا على التحية التي كان يعقبها الصمت ويفرقها في الذكريات الماضية.
وقيل إنه أثناء هذه السبع السنوات عاد إلى الإسبانية وكانت الجمهورية فيها قد جنحت إلى اندفاعة منه جعلته يقصى عن عمله لقبلة ـ كما قيل ـ طبعها على مذيعة أو طبعتها هي عليه).
فلما كانت الثورة التي قام بها فرانكو وجد العبقري نفسه في مأزق حرج وربما كان في غير مأمن من البطش به. لهذا ولحاجته إلى العمل انضم إلى الشيخ المكي وصار يعمل في كلتا الجريدتين اللتين كان يصدرهما باستمرار...
وكان الشيخ المكي يقدره وكان يتحمل برودته تحملا لم يعهد فيه وكانت هذه البرودة كافية لأن تطفئ احتداده كلما ثارت ثائرته فكانت تجعل جذوة غضبته تبرد في حينها بكلماته الباردة التي كانت تنصب عليها كقطع الثلج فتحيلها إلى سيولة...
وكان العبقري نشيطا عاملا فلم يكن عمله يقتصر على الصحافة بل وكل إليه تنظيم المكتبة التي اقتنيت للمعهد الخليفي. فكان عليه أن يفحص كتبها أولا وقد اشتريت من مخلفات بعض المستشرقين الألمان. ولم يكن هذا العمل سهلا، لأن المكتبة لو كانت كتبها قد اختيرت بادئ ذي بدء لسهل الأمر، أما والكتب قد عرضت عليها بالجملة وفيها لغات عديدة حتى الفارسية التي ترجمت منها فيما بعد كتاب «زين الأخبار» فهذا عمل شاق لا يقوى عليه إلا المتمرسون أو الذين ينصبون ويصمدون.
هكذا تركت صاحبنا وتوجهت إلى مصر سنة 1938 فلما عدت سنة 1949 وسألت عنه. قيل لي: انه يعمل بإحدى الحافلات في طنجة يتقاضى من الركاب واجب التذاكر التي يوزعها عليهم، فأسفت لهذا المصير الذي انتهى إليه ذلك العبقري المجهول (وان لم يكن هذا غريبا آنذاك فقد كان السيد الحلفاوي كالذي تولى مناصب سامية بعد، عاملا هناك بمعمل «الكوكاكولا» ومن قبل مذيعا في اشبيلية). لقد مضت بعد ذلك بضع سنوات وإذا بي ألتقي مع صاحبنا ذات ليلة بتطوان وقد ورم عنقه ورما عظيما فلف عليه «قب» جلابته. ونظر كلانا إلى صاحبه النظرة التي كانت الأخيرة في صمت رهيب منا معا...
ولم تطل الأيام بعد ذلك حتى قيل لي وقد سألت عنه بعض الرفقاء في شيوعيته:
مات المسكين، مات «البوقري»... نعم: مات ذلك المسكين الذي لو كانت الظروف قد أتيحت له لأصبح من كبار الأدباء لعهدنا أو رجال الفلسفة،  ولكنها الظروف تعمل عملها وما أكثرها وأقساها... رحمه الله رحمة واسعة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here