islamaumaroc

في ذكرى وفاة محمد بن عبد الله

  دعوة الحق

العدد 224 شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982

في الحفل التأبيني الذي أقيم بفاس بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاة المعلم الكبير والأستاذ المجاهد الرائد محمد بن عبد الله ألقى الأستاذ عبد الهادي بوطالب كلمة مؤثرة تحدث فيها عن مكانة الفقيد العزيز. وفيما يلي نصها:
عندما علمت بخبر حفل التأبين الذي يقام في ذكرى الأربعين لوفاة معلمي الأستاذ الرائد محمد بن عبد الله، حرصت على المشاركة والتحدث فيه لا لأسمعكم ما يمكن أن يوصف بأدب الرثاء، لأن الرثاء أولا لا يعدو أن يكون تنفيسا عن كربة القلب، واستدرارا لدمعة حبيسة في الأحداق، ولأنني ثانيا لا أحب لفقيدنا العزيز أن يرانا حزانى باكين وهو الذي علمنا الجلد في الملمات والتغلب على الحزب والكرب، وثالث لأن ذكرى الأربعين ليست إلا بدعة مستحسنة، إذ لا عزاء بعد ثلاث.
على العكس منذ ذلك نحن هنا، في الحقيقة، على موعد آخر مع الأستاذ ـ المعلم الثائر الذي لم نفقده إلا ماديا، إذ أن موعدنا اليوم مع روحه الطاهرة في غياب جسد لم ترهقه الحركة ولا وهن في طريق النضال الطويل على مدى أكثر من خمسين سنة ربى فيها وعلم وراد.
إننا هنا على موعد مع رسالته العلمية والثقافية الخالدة.
وعلى موعد مع المثل المتجددة التي زرعها في قلوبنا وأفكارنا
وعلى موعد مع أثره وتأثيره البالغين في الأجيال التي تتعاقب وتتلاحق.
وعلى موعد بعد هذا وقبله مع الوفاء وله ولكل الرموز والدلالات التي يمثلها كرائد من رواد الفكر والعلم والتربية والوطنية والتضحية والنضال.
ولأننا هنا في لقاء مع جميع تلك المواعد فإن ذلك سبب آخر يجعل المناسبة أسمى من أن توصف بحفل التأبين أو الرثاء. وأضف إلى ما سلف أيضا عاملا آخر، فأعترف لكم أنني لا أحب أن أكون في موقف الرثاء، بل إنني لا أحسن أدبه ولا أمتلك بيانه، وإن كنت أذكر أني وقفت راثيا في حياتي مرتين لا غير: الأولى، وكنت يافعا في سن الخامسة عشرة، حينما رثيت المرحوم الثائر الصريح في الحق عبد الرحمن بن القرشي، وكنا إذ ذاك شبابا نستغل كل مناسبة للاتصال بالجماهير وتوعيتها، وكان رثائي له شعرا، ولم ألبث، لشدة ما أصبحت أعايش الحقائق، ان انصرفت عن صياغة القريض وودعت الاهتمام بالشعر، إلا إذا استوقفتني منه في مطالعاتي الرائع المثير.
أما المناسبة الثانية فقد رثيت فيها المرحوم الشيخ المكي الكتاني في كلمة قصيرة، إذا أتاحت لي فرصة عملي كسفير بدمشق سنة 1962 التعرف على شخصيته والاحتكاك به فرأيت لزاما علي أن أوفي له جزاء ما قدم لبلاده من عمل صامت طيلة عهد الحماية فوق أرض دمشق التي جعل منها بلاد الهجرة عن الاستعمار مختارا مكافحته في المشرق.
وإذ يقال لا اثنان بدون ثلاثة فقد شاءت الأقدار أن تكون الثالثة هي أن أقف اليوم هنا في ذكرى الأربعين لوفاة لوفاة معلمي وأستاذي محمد بن عبد الله تغمده الله بواسع رحمته، وهكذا سعيت إلى فاس لحضور هذا الحفل بعد أن عافني مانع قاصر عن تشييع جثمانه، عسى أن أوفي بفضله الكبير في تعليمي تعليما وتوجيها في فترة من عمر الإنسان ينهل فيها من المعارف ما يملأ بها مخزونه لرحلة العلم والمعرفة التي لا تعرف التوقف عند الحدود والمسافات، وتصقل فيها مواهبه وتتكون فيها شخصيته، وتتحدد معالم اتجاهاته وسلوكه في خضم العمل والعطاء ومعترك الحياة.
وسأحاول أن أقدم الفقيد من زاوية خاصة، وهي صورة من عرفه عن قرب، وتعلم منه، وتكون في مدرسته، وعرف من منهاجيته، وتاثريه، ومن تم فهي صفات معيشة من حياة جيل قيض الله له في فترة عصيبة من التحديات رجالا من بينهم فقيدنا العزيز كانت أفكارهم نبراسا، وحياتهم مثالا، وجهادهم حدا بين الحق والباطل، والفضيلة والرذيلة، والخير والشر.
كان عمري عشر سنوات حينما استظهرت القرءان الكريم وتلوته سلكة بلا تلعثم ولا خطا أمام الفقيه ابن عطية في ذلك الكتاب القرآني الذي كان يلقن إلى جانب حفظ القرءان الكريم حفظ بعض المتون فاعتبر بذلك كتابا عصريا بالمقارنة مع المكتاتيب التقليدية وفي سن العاشرة، درجت إلى المدرسة الخضراء التي كان يديرها المرحوم محمد بن عبد الله وكان يلقي بها مبادئ المعرفة كل من أخي محمد بوطالب وهو أيضا معلم وأستاذ أجيال، والمرحوم الحسين بن البشير الذي اختطفته المنون وهو في أوج عطائه بعد أن بذل بسخاء في تعليم الأجيال.
وفي العشرين سنة من عمري، تخرجت من القرويين موشحا بشهادة العالمية التي كانت بغية كل مريد من مريدي تلك الجامعة من المغرب والعالم الإسلامي.
وهكذا طويت المراحل بهذه السرعة، وأنهيت الاتجاه الأول من دراساتي العربية في عقد واحد من عمري وكان ذلك مبعث التساؤل.
فكيف تم ذلك؟
لقد كان معلمنا المربي الأستاذ الرائد محمد بن عبد الله من أمهر المكتشفين والمنقبين في صدور أبنائه عن جواهر النباهة يصقلها ويجلوها ويشذب في نفوس تلامذته شجرة الاجتهاد والتحصيل والمعرفة فتؤتي ثمارها شهية في حديقة الحياة والمعرفة. وكان برنامج التعليم بالقرويين يقضي بأن يمضي طلبتها في ظلالها متحلقين حول أستاذتها وعلمائها الأجلاء اثنتي عشرة سنة متصلة بلا انقطاع ولا إعادة قبل الحصول على شهادة العالمية منها. ولكن الأستاذ محمد بن عبد الله بمساعدة الأستاذين السالفي الذكر اختصرا من تلك المدة أزيد من عامين اثنين، لم يقتطعهما قسرا ولا قفزا، وإنما جعلنا نقطع المراحل بالتحصيل والتفوق والجهد والاجتهاد، ولم تقتصر الفائدة التي كسبناها نحن تلامذة الأستاذ محمد بن عبد الله على اختصار تلك المدة، بل إننا حينما التحقنا بالتعليم العالي في جامعة القرويين، كانت حصيلتنا من المعارف أوسع مما كانت تضمه المواد التقليدية التي كان يتلقاها طلبة الجامعة العريقة ويمتلكها ويتحكم فيها أساتذتها المختصون.
لقد تلقينا في المدرسة الخضراء وعلى حداثة سننا، بالإضافة إلى مواد الفقه والتوحيد وعلوم اللغة، علوم الهندسة والحساب والمعادلة الجبرية والتاريخ والجغرافية وغيرها، وهي مواد لم نكن نلقى في حلقات القرويين آنذاك، إذ لم يكن قد جدد نظامها، فكون الأستاذ المرحوم بن عبد الله منا قسما محدود العدد من التلاميذ لا يتجاوز العشرة، وفي غمرة شبابه، وبقوة عزمه، وفي تضلع لا ينقطع إلى الإبداع، أخذ يجري علينا تجربة نموذجية قوامها ما انتهت إليه اليوم التجربة البيداغوجية الحديثة في التربية والتعليم، من أن الطفل قابل في حداثة سنه أن يصنع منه المعلم الخبير المقتدر الواسع المعارف ما يريد، تماما كما بإمكان الأصابع الماهرة أن تصنع بقطعة عجينة طيعة ما تريد من أشكال وأحجام، كيف كان الأستاذ المعلم محمد بن عبد الله يطبق تلك التجربة الرائدة على تلاميذه العشرة.
كان يأخذنا نحن تلاميذه في قسم متنقل أولا، أي غير ملتزم بمكان معين، فقد كان كثيرا ما ينتقل بنا بين بيته ومقر المدرسة بل وحتى وسط أحضان الطبيعة. وقسم مفتوح ثانيا، أي لا ترتبط دروسه بموضوع محددة أو جدول للمواد الملقنة في ساعات معينة. وقسم مستمر العمل ثالثا حيث كانت الساعات الدراسية تبتدئ أحيانا من مدة الفجر إلى صلاة العشاء، وطيلة اليوم كان فوجنا يسمع ويتلقى في يقظة وتطلع واستزادة دون أن يساورنا الملل أو يمتري الأستاذ التعب والوهن.
كان الأستاذ محمد بن عبد الله العالم المشارك المتنوع المعارف، الباحث دوما بدوره عن المعارف، يدرسنا النحو والصرف، ولا يلبث في بحث عارض أن ينتقل منهما إلى الاشتقاق والأصول، ويقفز أحيانا وفجأة إلى الفقه فالمنطق فالجغرافيا والتاريخ، متجاوزا ذلك إلى الحديث عن الكفاح والجهاد والبطولات ضاربا المثل من بطون التاريخ بنماذج رائعة سجلت للأجيال صفحات التضحيات والبطولات والبذل والعطاء.
لم نكن نشعر وهو يحلق بنا في سماء المعارف أن بين فن وفن حدودا، وبين علم وآخر مسافات. كان يحملنا على أن نخوض معه استماعا وانتباها هذا التيار الجارف من المعارف، ولم يكن يشفق علينا أن يجرفنا ذلك ذلك التيار أو أن تصاب أدمغتنا الفتية بدوار ونحن نشق وراءه الغمرات المتدفقة من ذلك البحر اللجي من العلم والمعرفة. كان همه الوحيد أن يلقي إلينا ما شاء له جهده أن يلقي، وما كان أغرز جهده وما كان أكثر ما كان يلقي.. كان يلقي ثم يلقي من فيض علمه يشحن به أذهاننا ويشحذ قرائحنا. كان يسبح ونحن وراءه في بحر المعرفة مخصصا على أن يلقننا كيف نجابه أمواج اليم ليصهرنا في بوتقة المعرفة بلا حدود.
لم تكن لقسمنا الدائم العمل مع الأستاذ الرائد لا عطلة دورية ولا سنوية، فإذا ما لاحظ علينا الإجهاد، لا عليه هو، فقد كان طاقة لا تنفذ، وموجا لا يتوقف، أخذنا وراءه واصطحبنا لنذهب إلى القسم المتجول في أحضان الطبيعة بروابي وجنان فاس الزاهرة، نفترش الأرض ونقتعد التراب حتى وسط المقابر أحيانا، وعلى قارعة الطريق أحيانا أخرى، أو تحت ظلال زيتونة أو بين أشجار العنب، وهو في كل لحظة دافق الفيض، دائب على الإلقاء والتلقين، شلال منهمر من قمم جبال تعمها السحب الهاطلة بالعطاء.
وكان ينقلنا إلى موقع آخر من قسمه المفتوح المتجول، فيستضيفنا في بيته طول اليوم فطورا وغذاء وعشاء ويلقننا نحن أبناؤه العشرة دروسه أمام زوجته التي تعد الطعام وتسعى في البيت كأم سعيدة بأطفالها السجدين المجتهدين في وقت كانت المرأة فيه قعيدة البيت لا تخرق حجابا إلا لاستقبال الأسرة، وهكذا تبنانا رحمه الله أعضاء في أسرته الصغيرة.
ومما يجب أن أذكره هنا للأستاذ المعلم الجليل أنه وقد درس العلوم التقليدية وغاص في أعماقها وأحاط بدقائقها، كان دائم البحث عن المزيد من المعارف، مواظبا على تكوين نفسه وتوسيع مداركه، مطبقا ما يسمى اليوم بمراجعة التكوين، فكان يتردد ليلا على مجالس بعض الأساتذة ليتلقى ما عندهم من مزيد من العلوم والمعارف، وأذكر أنه كان يتلقى دروسا في الحساب لدى السيد الحسن بنجلون الذي كان أجد تجار المغرب في انجلترا حيث تلقى نبذة من علم الحساب بحكم عمله في مانشستر. والمشير حقا أنه يلقننا نحن تلامذته في الصباح ما كان يتدارسه هو في الليل.
وعندما وصلنا إلى المراحل الأخيرة من الدراسة العالية في القرويين، كان خزان المعلومات المتنوعة الذي غمر به صدورنا أكبر معين لنا على اجتياز تلك المراحل بيسر وارتياح. كانت آذاننا وهي تسمع أساتذة التعليم العالي بالقرويين يحاضرون في الأصول والتفسير والخلاف العالي تردد صدى أستاذنا الذي لقننا شيئا من ذلك في حداثة سننا فنستعيد ذكرى تلك الأيام التي قضيناها في مدرسته وتحت رعايته كما لو كنا نجتر المعلومات والمعارف التي شحن بها أذهاننا. وهذه إحدى فضائل تلك التجربة الرائعة الرائدة التي ابتدعها هو قبل أن يصبح البيداغوجيون المحدثون اليوم يناقشون جدواها وفعاليتها.
وجدير بنا ونحن نلتقي في هذا المهرجان لنذكر ونتذكر أن نستخلص من حياة وتجربة الفقيد التربوية ما يعيننا على تخطيط الطريق الأفضل لرسالة وهدف ومهمة تعليم أجيال مغرب الغد وتربيتها.
هذه المنهجية التربوية الثورية بكل ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى، هي التي جعلت من محمد بن عبد الله الرجل الثائر على الاستعمار وعلى الرجعية الفكرية وعلى كل ما يغل أرجل المغاربة أو يحد من عزمهم وعزيمتهم، وجعلت منه الطليعة في وقت كانت التقدمية جريمة لا تغتفر.
فإذا كان قد علمنا فأحسن تعليمنا، فإنه رحمه الله، قد جعل منا بمنهجيته تلك رجال أفكار ومبادئ ورسالة، ونمى فينا غريزة النقد وأخسب فينا ملكة الجدل العلمي وزرع في نفوسنا شيم القورة البناءة، فكنا في حداثة سننا ثائرين على الاستعمار وعلى الجمود والتخلف متطلعين إلى المساهمة على صغرنا في إصلاح الفاسد وتقويم المعوج لأن العلم ثورة على الظلم والطغيان والتخلف.
وإذا كانت لنا مواقف ثائرة فلأن الأستاذ محمد بن عبد الله كون بعلمه وسلوكه في نفوسنا النزوع إلى الاستقلال الفكري وربانا على الاعتزاز بالشخصية والتشبث بالكرامة. لقد علمنا أن لا ننضبط بالمقاييس العادية المألوفة لمجرد أنها في الاتجاه العام أو العادي، وأن نسلك من المواقف والمبادرات السلوك الذي يترجم استقلال شخصيتنا لا لمجرد المخالفة للمخالفة، ولكن للدفاع عما نعتقد أنه حق وعدل وخير.
ومن منطلق الفكر الثوري هذا، كان المرحوم الرجل الأول الذي خلع الجلابة ولم يندثر سلهام تقليدي ليبس بدلهما ما يعرف بالدراعة، وينتحل أحيانا الحذاء الأوربي بدل البلغة. وكان لباسه هذا هو الزي الموحد لنا.
وكان حين يمشي في أزقة ودروب فاس، ونحن وراءه، مرتديا ذلك اللباس، معمما رأسه بشال مخطط بالأصفر «شارا شاكرا» يبدو كداعية يهز بدعوته أركان مجتمع خلد زمنا طويلا إلى السكون والتبعية والاجترار. كما كان يشخص التحدي ويرمز إلى الثورة.
وكان لابد أن يثير سلوكه هذا، فضلا عن مدرسته الثورية، استفزاز الاستعمار والقوى الرجعية عملية الاستعمار المطمئنة إلى خمول الأذهان وفتور العزائم. وكان التحالف القائم بين الاستعمار والرجعية يقوم على قاعدة إبقاء ما كان على ما كان، فعلى التخدير والتجهيل باسم المحافظة يلتقيان، وعلى تدجيل الرجعية وشعوذتها يوطد الاستعمار أسسه ويقيم أركانه، وهكذا حرك الاستعمار دمى الرجعية لتشن حملة وشاية وتحريض ضد مدرسة الأستاذ محمد بن عبد الله، مطالبة بإغلاقها، لأنها في زعم الرجعية تزيغ عقول الأطفال، وتعمل على إذكاء نار الفتنة. ورفعت الرجعية كعادتها شعار تكفير المدرسة مديرا وأساتذة وتلاميذ في قمة حملتها لاستعداء الناس البسطاء على ما كانت تمثله مدرسة فقيدنا العزيز، ولتبرير أي تدبير زجر تتخذه سلطات الحماية ضد التعليم الحر الذي كان يربي الأجيال على مبادئ السلفية الصالحة والأصالة ويذكي في رواده جذوة الثورة على الظلم والاستعباد.
ولكن كل ذلك لم يثن أستاذنا أو يخيفه أو يفتنه عن دوره ورسالته، فكان رده على الرجعية أن فتح أقساما خاصة بالفتيات، محافظا على عدم الاختلاط، وهو تصرف يدل على الحكمة التي بدونها لا يمكن لثورة أصيلة أن تشق طريقها وسط التحديات والمؤامرات.
ولكن الحملة اشتدت ضده في مخب وانفعال أدت إلى إقفال الأقسام المخصصة للبنات وطرد التلميذات، وسرعان ما فتحت إدارة الحماية بعد ذلك مدرسة للبنات بباب الحديد قبلت في أقسامها الفتيات اللاتي حرمن من غشيان مدرسة الأستاذ محمد بن عبد الله.
وهكذا تبين أن الحملة التي قامت ضده لم تكن تهدف في الحقيقة إلا منه الفتيات من التوجيه الذي كانت مدرسة الأستاذ محمد بن عبد الله رمزا له.
ولم تتوقف الرجعية مدعومة من الاستعمار عن هجومها، بل عبأت كل وسائلها مواصلة اتهام مدرسة الأستاذ محمد بن عبد الله بتلقين الإلحاد والخروج عن تعاليم الدين الحنيف، وهي التي تحتطي الشعوذة والتدجيل والخيانة لخدمة أهداف الحماية مما اضطر معه المعلم التأثير الحكيم، من باب التقية، أن يحدث شقا في صف الرجعية باستدعاء أحد أقطابها لاختبارنا نحن تلامذته في عقيدتنا اختبارا انتهى إلى التسليم بسلامة عقيدتنا من كل زيغ وانحراف، بحيث أرضت مناورة الأستاذ محمد بن عبد الله الذكية غرور الرجعية وكبرياءها إذ وجدت فيها ترضية لم تكن تنتظرها فسالمته إلى حين.
ماذا بقي في جعبة الرجعية ـ حليفة الاستعمار من سهام توجهها للمعلم الوطني الثائر.
هاهن البنات وقد صرفهن من مدرسته.
وهؤلاء هم الأولاد وقد أقر لهم كبير أقطاب الرجعية بشهادة الإسلام الصحيح، لذلك لم تمض إلا ثلاثة أشهر حتى فاجأ الرجعية بضربة قاتلة عندما استدعى المرحوم الأستاذ الزعيم علال الفاسي ليشرف على امتحاناتنا، وبالضبط على امتحان الشهادة الابتدائية، وكان ذلك صفعة للاستعمار وأركانه من الرجعية المندثرة بالدين، فسقطت منها أوراق لعبتها ولم تلبث أن تجاوزتها الأحداث، إذ أخذ الاستعمار ومعه الرجعية يتلقيان الضربات المتتالية من قواعد المدارس والشارع والتنظيمات السياسية الوطنية في مسيرة شعب للاستقلال والحرية، وفي هذه المسيرة لم يتخلف فقيدنا عن ركب المناضلين والمضحين فتحمل ضمن الصفوة التي اختارت طريق الكفاح والسجون والمضايقات نصيبه وأدى واجبه أعظم وأشرف ما يكون الأداء.
وجاء الاستقلال فلم يتحمل الأستاذ محمد بن عبد الله في كنفه أية مسؤولية تبعده عن مدرسته ورسالته التربوية والوطنية إلا مسؤولية المعلم ومهمة المربي، ولعله كان يحس آنذاك بالرضى العميق، فقد رأى الزهرات التي تعمدها والأجيال التي علمها وكونها تقتعد مقاعد المسؤولية وتبني الوطن، وكان بإمكانه أن يتقرب إلى أبنائه وهم في واقع المسؤولية لينال ما يريد من امتيازات وحظوة، ولكن نفسه الكريمة استنكفت ذلك، فإذا ما اضطر إلى الاتصال بأحد أبنائه على رأس المسؤولية فإنما ليدافع عن حق معلم أو ترقية يستحقها آخر أو إعارة معلمين لمساعدته في مدرسته، أو لتعزيز طلب منحة لأحد طلابه القدامى يعلم سلفا تأهله لنيلها.
هذا هو المربي الصالح محمد بن عبد الله.
وهذا هو الثائر الذي امتزج عمله بسلوكه، فكان مثالا حيا للمجاهدين الصابرين الصامدين، خمسون سنة ظل فيها معلمنا على نهجه، لم يستهوه منصب، ولا استكان إلا دعة الحياة، لم يغير منهجه، ولم يتوقف عن أداء رسالته، ظل داعية يبث دعوة العلم والإيمان والتربية الصحيحة وسط الأجيال في وطن تعاقبت في مسيرته النضالية الأجيال، وتلاقحت فيه الأفكار تضيء بنفس المشعل، وتلاحقت فيه المراحل في المحطات التي تستوقف التاريخ، من مقاومة الظهير البربري إلى المطالبة بالاستقلال، إلى ثورة الملك والشعب، إلى المسيرة الخضراء. وستستمر المسيرة يحمل فيها المشعل جيل عن جيل ويتسلمه أحياء من أموات غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون.
ولم يمت الأستاذ محمد بن عبد الله، لأن الأجيال التي رباها لم تتلق منه قواعد العلم فحسب، بل تلقت كيف يكون هذا العلم عقيدة في القلب وسمة في السلوك ومزجا بين الفكرة وانعكاسا في الممارسات اليومية.
هكذا حرصت، أيها الاخوة والأخوات، على أن تكون مساهمتي في هذا الحفل التأبيني لفقيدنا العظيم إبرازا لجوانب خفية من حياته وكفاحه، جوانب عاشها فوج من تلامذته في تجربة كانت فريدة من نوعها لم تتكرر بعد لأنه انصرف بعدها لتكوين الأجيال في آفاق أوسع وأرحب من تجربته الأولى الرائدة، وهكذا رأيتم معي أن رجلا في هذا الحجم هو أكبر من الرثاء. إنه حي بيننا وفيا، فلنكتف إذا بتقديم صادق العزاء لأهله وذويه ونحن في طليعة أهله وذويه.
وشكرا للأخوة أعضاء حزب الاستقلال الذين أبوا إلا أن يكرموا الفقيد العزيز بهذا الحفل الكبير، وأن يجمعوا حول روحه كل من عرفه واستفاد من علمه ورسالته، وأن يدعو تلامذته ومريديه، وأنا واحد منهم، للحضور والمساهمة. إن هذه لمبادرة كريمة جمعت مرة أخرى على درب النضال الواحد أجيال الوطنية الذين لا يمكن أن تقوم بينهم حواجز لأنهم تحت راية واحدة هي راية الوطن المفدى، ويعملون لهدف واحد هو خدمة هذا الوطن العظيم الحبيب.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وأثابه عن سابغ أفضاله علينا وعلى الأجيال التي علمها ورباها ورعاها.
ولله ما أعطى ولله ما أخذ.
وما المال والأهلون إلا وديعة
ولابد يوما أن ترد الودائع.
وإنا لله وإنا إليه راجعون. والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here