islamaumaroc

الإسلام والمستقبلية

  دعوة الحق

223 العدد

أصبح من الضروري التذكير بأن الإسلام عقيدة وشريعة وفكرة، إذ كثيرا ما يفعل بعض المثقفين الجانبين الثاني والثالث ويقارنون بين الإسلام والمسيحية أو اليهودية باعتبارها ديانات سماوية مصدرها واحد وهو الله تعالى.
فالإسلام دين باعتبار عقيدته وعباداته وقيمه الأخلاقية.
والإسلام شريعة باعتبار تنظيمه للمجتمع في علاقات أفراده وفئاته مع بعضها وعلاقات المجتمع الإسلامي مع المجتمعات البشرية الأخرى، ولذلك نجد الإسلام فلسفة خاصة في التشريع وتشريعات أو مبادئ في القانون الدستوري والمدني والجنائي والدولي الخ.
والإسلام تيار فكري بمواقفه ومنهجه، ويتميز الفكر الإسلامي بكونه ينقسم على قسمين: الخطاب الإلهي بصفته وحيا فكرا متعاليا صادرا عن العقل المطلق الذي يستحيل في حقه الخطأ أو الكذب والقسم الثاني هو فكر المسلمين وقد امتد على كافة الإنتاجات الفكرية المسلمين في التفسير والفقه والغة والأصول وعلم الكلام وفلسفة الأخلاق والاجتماع والعلوم التجريبية والدقيقة الخ.
واشتغال المسلمين بهذه العلوم كلها وبناء حضارتهم الشهيرة ينسجم مع اعتقادهم أن الإنسان خليفة لله في الأرض طوق بمسؤوليات استعمار الأرض واكتشاف أسرار الكون ونشر الحق والعدل ونبذ الفساد والظلم.
ويتسم الفكر الإسلامي، وخاصة منه المصدر الأول وهو الخطاب الإلهي بسمات الشمولية والعالية والوسطية.
اتسم بالشمولية لاعتبارين: أولا لأنه أعطى تفسيرا كاملا للوجود بجميع عناصره وعلاقاته، أي أنه وضح المفاهيم في شأن الله تعالى والإنسان، والكون، والعلاقات التي تربط بين الله والإنسان وبين الإنسان وأخيه الإنسان، والإنسان والكون.
ثانيا لأن الإنسان في نظر الإسلام كل لا يتجزأ، فهو مسؤول عن جميع أقواله وأعماله وإنتاجه وسلوكه أمام الله قبل أن يكون مسؤولا أمام القانون أو أمام الأمة وبذلك يرفض الإسلام أن تجزأ أعمال الإنسان المسلم إلى ما هو الله وما هو لقيصر أي للسلطة الوضعية.
واتسم بالعالمية لأنه الإسلام خلافا للديانات السابقة، جاء خاتما للتذاكر الإلهية وموجها لسائر البشر في سائر العصور إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ثم أن القيم والشريعة التي دعا إليها صالحة لجميع البشر مهما كانت اعتقاداتهم وأعرافهم وقبائلهم.
وأخيرا اتسم الإسلام بالوسطية، أي أنه يدعو على الاعتدال، لا إلى الإمساك عن زينة الحياة الدنيا أو الرهبانية ولا إلى الإباحية المطلقة واتباع حياة الحيوان، قال تعالى "وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك".
وانطلاقا من أن الإسلام تشريع وفكر بالإضافة إلى كونه دينا، فمن حقنا أن نتساءل: هل يمكن أن يكون له رأي أو موقف في قضايا الإنسان استقبالا؟
ذلك ما ستحاول الإجابة عنه في الفقرات التالية.

منهجية البحث المستقبلي
إن أية عملية تمحيص مستقبلي تحتاج إلى عناصر ثلاثة.
عامل وحقل للعمل ومنهجية، مع الأخذ بالاعتبار عوامل الانفعال ورد الفعل من طرف كل من العنصرين الأولين وكذا التفاعل بينهما وما يمكن أن ينتج عن ذلك من إفرازات وأعمال وإذا ما أردنا أن نستفسر الإسلام عن رأيه في تحريك هذه العوامل وعن الخطة التي نبغي اتباعها، نستطيع اللجوء إلى مبادئه وتعاليمه وتوجيهاته وخاصة ما جاء في القرآن الكريم وعلى لسان مبلغ رسالته سيدنا محمد عليه السلام.
1) العامل – الإسلام يجعل من الإنسان، خليفة لله في الأرض، مخلوقا متميزا عن باقي المخلوقات بما وهبه الله من قدرة على الفهم والإدراك وعلى التعبير والبيان، الفهم والإدراك بالعقل والاستعداد الفكري والنفسي للبحث والكشف والاستنباط، التعبير والبيان، بمختلف الوسائل البشرية والآلية للتحصيل والخزن – والتبليغ والتفاهم والتوارث.
وقد أشاد القرآن إشادة خاصة بالعقل والعلم، وجعلها شرطين للاضطلاع بالخلافة بكل جدارة، ولم يكتف بدعوة الإنسان باستمرار إلى التفكير والتدبر واستعمال العقل، بل ندد بمن يرضون بأن تسلب منهم عقولهم أو تحجب بالعدول عن استعمالها كسلا أو تقليدا وشبههم بأحط التشبيهات قال تعالى: "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون".
ويرى الإسلام أن المسؤولية التي تقلدها الإنسان بالخلافة في هذه الدنيا تفرض أن يكون حرا في رأيه وتصرفه، لأنه متبوع بالمكافأة يوم القيامة أما جزاء إن أحسن وإما عقابا إن أساء.
واجتنابا لكل التباس، وردا على موقف الماديين أو الدهريين كما سماهم القرآن، يجعل الإسلام حرية الإنسان حرية واعية، مرتكزة على الاختيار لا كحركة المادة التي لا صلة للحرية بها، والفارق أن الإنسان يتوفر على عقل يميز به ويدرك ويناقش، وأنه مكلف مسؤول مستخلف، وأنه حبل على حب نفسه والحفاظ على حياته،فهو مضطر لأن يفكر ويتحرك ويختار والوسائل التي تحفظ عليه حياته، فردا وعضوا في المجتمع.
حقل العمل: ماذا يستطيع الإنسان أن يقوم به من أعمال، في نطاق مسؤوليته، والحفاظ على حياته، لولا وجود ميدان للعمل، ومعلوم أن هذا الميدان هو الكون، وبصفة خاصة الكرة الأرضية.
وهنا أيضا يحدد الإسلام المفاهيم، فيخبر الإنسان أن الكون خلق من أجله أنه مسخر له، وأن عليه أن يستعمره ويجوبه طولا وعرضا علوا وعمقا، ليبحث عن مكنوناته ويكشف أسراره، استطلاعا لعلم الله الواسع المودع في هذا الكون، وخدمة لمصالحه في استمرارية الحياة جاء في القرآن الكريم: "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه" والملاحظ أن الله تعالى لم يكتف، في هذه الآية بذكر الأرض، بل أضاف السماوات، وهذا ما يفسح أمام الإنسان مجالا للبحث لا حد له.
على الإسلام يشترط في هذا التنقيب والاستكشاف وكذا في الاستغلال اجتناب كل فساد مهما كان نوعه والإقبال على كل صلاح.
ولكن من أين للإنسان بمعرفة هذه الحقوق وهذه الالتزامات؟ يجيب الإسلام بأن الأشعار والأخبار يتيسران عند الإنسان بأمرين اثنين، بما تجبر به الشرائع مساعدة بذلك وتزكية للعقل الإنساني، وبما حبل عليه الإنسان من فضول في المعرفة ورغبة في الإطلاع، وتطلع نحو الخلق والإبداع.
ونستطيع تعليل هذا الموقف الإسلامي بثلاث آيات من القرآن الكريم الأولى: تشهد بأن الله جعل في الإنسان استعدادا فطريا للمعرفة، حيث يقول: "وعلم آدم الأسماء كلها".
والثانية نشهد بأن الله جعل للإنسان آيات ودلائل ليساعده على التدبر والتفكر والعمل، قال تعالى: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" وقال: "كذلك نفصل الآيات بقوم يعلمون" والثالثة أن هذا الإنسان يغتر بمؤهلاته ومكاسبه، فينسى الله أحيانا ويطغى قال تعالى: "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى".
وعمل الإنسان في الميدان يقتضي الملاحظة والتدبر والتجربة، كما يقتضي البحث عن العلل والأسباب واستخلاص النتائج، وهذا ما يدفع بالإنسان إلى التسليم بواقع التغير وبضرورة التجديد والتحسين.
فهناك عدد من الوقائع والحقائق ذات الطابع البشري لا يمكن أن تنكر كالنمو الديمغرافي، والتقدم العلمي الناتج عن نمو العقل الإنساني وتأهله أكثر مما مضى للكشف والإبداع، وظهور حاجات جديدة عند الإنسان وتصاعدها حسب المستوى الحضاري وارتفاع مستوى الدخل الفردي.
وهناك وقائع أخرى على مستوى الكون، لا يخفي الإنسان قلقه من بعض مظاهرها كالتغييرات التي تحدث في الكون من تغيير وتبدل من المناخ، وجفاف، وتلوث في الجو، وتناقص في موارد الماء.
وهكذا تظهر المواجهة والتفاعل بين الإنسان والكون، وتبرز أهمية عنصر الزمان، حتى لا يقع الخلل في السير المتوازي المتعادل بينهما.
ومما هو معلوم أيضا أن الإنسان والطبيعة يؤثر كل منهما في الآخر فيتفاعلان، على أن صاحب العقل والتمييز هو الإنسان، وهو الكون لأن الله سخره له وجعله في خدمته فالسعي وبالتالي فالفاعلية والتأثير تسعى أن يكون أساسا للعقل الإنساني على الكون، وقدرة التكيف يملكها الإنسان لا الكون.
وهنا يتدخل الإسلام لا لينكر الوقائع البشرية أو الطبيعية ولكن ليؤكدها ويعللها، ويذكر بأن على الإنسان ألا ينسى أن الله هو الخالق للإنسان والكون وهو الذي خلق في الإنسان طاقاته ومواهبه وخلق في الكون طاقاته وقدرها، وأنه يعلم كل تغير في طبيعة الإنسان أو طبيعة الكون، علام الغيوب لكل ما تجيش به نفس كل إنسان وبكل ما يوجد أو يتحرك أو يتغير في الأراضي والبحار والسماوات وحيث أنه استخلف الإنسان في الأرض وكلفه، وأنه يستحيل في حقه تعالى العجز أو البعث فلا مجال، في التصور الإسلامي، لظهور خلل في السير المنسجم والمتعادل بين الإنسان في نمو إعداده وتغير حياته وبين بروز موارد الكون بمقدار ما يحتاج إليه الإنسان، مهما بلغ عدد سكان الأرض ومهما اتسعت حاجتهم وفيما يلي بعض الآيات المعبرة بوضوح عن هذا الموضوع.
قال تعالى: "له مقاليد السماوات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، ويقدر، إنه بكل شيء عليم". (الشورى – 13).
وقال: "وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء السائلين" (فصلت – 10).
وقال: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم" (الحجر – 21) وقال وكأنه يعلل أسباب التدرج في الكشف عن خيرات الأرض للإنسان، "ولو بسط الله الرزق لعباده لتبغوا في الأرض، ولكن ينزل بقدر ما يشاء، إنه بعباده خبير بصير، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا، وينشر رحمته وهو الولي الحميد" (الشورى – 27 – 28).
وقد سبقت الإشارة إلى أن الله تعالى خلق في الإنسان استعداد للكشف وحظه على السعي والتنقيب، فكثيرا ما يجعل الكشف على يده، فقد علمه ووجهه في مسيرته، ثم أرشده أيضا إلى طريقة العمل، إلى المنهاج الذي عليه أن يتبعه في بحثه واستكشافه.
لم يعد يخفى على أحد أن البحث والتنقيب يعتمد على أساليب منهجية متعددة منها الملاحظة والتجربة والحجية، ولا يستثنى منها الصدفة والمغامرة والتنبؤ والتخيل، وأن الوصول إلى نتائج عملية تستوجب التخطيط والبرمجة.
واشتهر المسلمون منذ القرن الأول الهجري، بالانكباب على البحث والتنقيب والتفكير في مناهج البحث، وقد كان مصدرهم الأساس المنهاج القرآني، ثم اقتبسوا من مناهج التفكير والبحث التي عرفها اليونان والفرس وغيرهما، وكما اهتموا بالبحث النظري، عنوا بالبحث التطبيقي، عرفوا مناهج الاستقراء والاستنباط والقياس واستعملوها في دراستهم لأصول الدين وأصول الفقه.
وأن اعتماد الأصوليين المسلمين في دراستهم لأدلة الأحكام على الأدلة النظرية كالقياس والاستحسان، والاستصلاح وفتح الذرائع وسدها واستناد الفقهاء إلى الواقع والعرف والعمل لخير دليل على ما أعاره المفكرون والعلماء المسلمون لقضايا المنهج وتقدير المستقبل في بحوثهم، من أهمية، ويكفيهم فخرا أنهم يخضعون الأحكام الشرعية إلى مقاصد الشريعة فيولون المصلحة مفهوما ديناميكيا يرهن التطور ويعلله ويعطي لضرورة التغيير، عند الحاجة، مشروعية وقوة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here