islamaumaroc

الخدمة الاجتماعية في مجتمع متبدل

  دعوة الحق

223 العدد

قبل طرق موضوع الخدمة الاجتماعية في مجتمع متبدل، تجدر الإشارة إلى أن التبدل الذي قد يقع في مجتمع ما، لا يعني بالضرورة تغيرا إلى الأحسن، إذ قد يكون ذلك التبدل الذي غالبا ما ينتج عن هزات في المجتمع، تغيرا نحو الأردأ، وأخشى أن يكون ما أصاب المجتمعات الإسلامية، منذ اتصالها المباشر بحضارة الغرب في مطلع القرن العشرين، هو من النوع الأخير.
وأظن أن النموذج المغربي غيما حصل لمجتمعنا من تبدلات ينطبق على معظم المجتمعات الإسلامية، إن لم ينطبق عليها جميعا.
لقد بلغت أنماط الخدة الاجتماعية في المغرب درجة من التبلور وصلتها بعد قرون من التجربة والخطإ، وبعد تراكمات في العادات والتقاليد التي تستمد أصولها من الدين الإسلامي، عقيدة وممارسة.
وأكاد أقول إن أرقى المجتمعات المعاصرة، الرأسمالية منها والاشتراكية، الأوربية والأمريكية، لم ترق بعد إلى المستوى الذي كانت عليه الخدمة الاجتماعية في بلادنا حتى مطلع هذا القرن.
وبالمثال يتضح المقال.
ففي مدن كتطوان وفاس والرباط، وفي مجتمعات ريفية كمنطقة سوس، وصل إحكام التنظيم المجتمعي، وضمنه الخدمة الاجتماعية، إلى درجة العناية بالحيوانات، عناية لا تلقاها اليوم في أوربا.
فلا زالت إلى اليوم، أوقاف حبسها أهل الفضل على الحيوانات العاجزة والمريضة، من ذلك للحمير العجز بتطوان، وأوقاف لطير اللقلاق الوافد في الفصل الحار على بلادنا من أقطار إفريقيا فيما وراء الصحراء، تخصص لتغذيتها ولمداواتها.
هذا بعد أن كان المجتمع قد وفر كل الخدمات التعليمية والصحية للسكان، بغض النظر عن معتقداتهم، وعن أصلهم، إذ كان يكفى أن يكون الإنسان محتاجا ليستفيد من خدمات المؤسسات الاجتماعية، من مارستانات للمرضى، ودار التقى للمطلقات والأرامل، وطعام وكساء لطلاب العلم، وقروض للمحتاجين.
وأطرف ما بلغته الخدمة الاجتماعية في المغرب، ما يحكى عن وجود هيئة "للتسديد الاجتماعي" بفاس، كانت تجتمع بعد صلاة العصر في مسجد النبارين، هدفها أن تحقق زيجات بين أفراد قد لا ينجحوا في حياتهم الزوجية، لو أنه عقد لهم على أشخاص أسوياء، فكان يبحث للرجل الشرس الطباع السليط اللسان عن زوجة حباها الله إليكم والصم، وللأعمى عن امرأة لم ينلها نصيب من الجمال.
وللفقير المعدم عن الأرملة الغنية، وما إلى ذلك من تسديد بين العناصر السلبية التي كانت تتحول إلى الإيجاب بمجرد لقاء بعضها مع البعض، تماما كما يقع في عمليات الجبر عند الحيسوبيين.
ومن الخدمات الاجتماعية الطريفة أيضا، تلك الأوقاف التي كانت ترصد لتعويض ما يكسره المتعلم من أدوات أو أواني يستعملها المعلم، اتقاء لغضب هذا الأخير وعقابه، وتسهيلا على المتعلم في التمدرس على الصنعة وتحبيبها له للحرفة.
وقد يسر هذا الإحكام في الخدمة الاجتماعية ما كانت عليه مدننا الأصيلة من تنظيم في العمران، أسواقا ومسكنا، وما كان يضبط تسييرها من مؤسسات إدارية وقضائية واقتصادية واجتماعية كان يحرص المضطلعون بمسؤوليتها أشد الحرص على أن تقوم بدورها كاملا بدون تفريط في الحقوق، أو إفراط أو شطط في استعمال السلطة.
فلا غرابة إذن، إذا لم تكن نسب الطلاق مرتفعة على نحو ما يعرفه مجتمعنا الآن ولا عجب إذا لم يكن المجتمع يعرف الانحرافات التي تعج السجون اليوم بمقترفيها.
فمجتمعنا المغربي كان يشبه خال مما نسميه اليوم بالطفولة الجانحة، وكذلك كانت خالية محاكم القواد والقضاة، وبالتالي السجون.
ومرد هذا الفضل الذي كان يطبع مجتمعنا إلى ثلاثة أسباب:
أولهما عمراني، باعتبار أن المجتمع السكاني كان صغيرا يسهل تنظيمه والتحكم في مساره، وإن كانت هناك استثناءات كمدينة فاس مثلا التي لم يحل كبرها دون أن يكون مجتمعها منظما أحسن التنظيم.
وثاني الأسباب خلقي، إذ أن التمسك التلقائي للمجتمع بقيم تستمد أصولها من الدين والعادات والتقاليد، أو جبر بعض الفئات عند الاقتضاء، على احترام تلك القيم تحت تأثر الضغط المجتمعي أو بقوة السلطة إن اقتضى الحال، جعل المجتمعات متماسكة متكافلة في النهوض بالأعباء الاجتماعية.
أما السبب الثالث، فهو العزلة النسبية للمجتمع المغربي، واكتسابه مناعة ضد التغيير، أو استعارة أنماط اجتماعية دخيلة عليه.
وأهم شيء كان يميز الخدمة الاجتماعية، أنها كانت، كما هي حالتها اليوم في الدول الراقية، من عمل الخواص الذين كانوا يفردون لها المال والوقت، فالمال كان يرصد على سبيل الوقف، والوقت كان يرصد على سبيل التطوع.
واستمر التنظيم المجتمعي على هذا المنوال، حتى كانت الهزة الأولى التي تلقاها مجتمعنا في مطلع القرن العشرين.
فنظام الحمايات الذي سمح به لمواطنين مغاربة كان أول ضربة وجهت إلى المجتمع المغربي، إذ أنه حلل بعض رعايا السلطان من التزامات تكافلية، وشجع البعض الآخر على التهاون في النهوض بقسطه من الأعباء الاجتماعية، وكانت ثاني هزة أصابت الهيكل المجتمعي، فرض الحماية السياسية على المغرب، الأمر الذي ترتب عنه مس بالمؤسسات تندثر رويدا رويدا، ليبقى المستفيدون منها فريسة للضياع، ذلك أن المؤسسات البديلة، كالجمعيات الخيرية ودور العجزة التي نشأت على النمط الأجنبي، لم تسد الفراغ الذي أحدث بغياب الهياكل المعفاة من مهامها.
وقد نشأ عن تماس حضارتنا بالحضارة الأجنبية وضعية هجينة، فلا نحن سمح لنا بالاحتفاظ بالهياكل التي برهنت خلال قرون عن فعاليتها في مواجهة المشاكل الاجتماعية، ولا نحن استعرنا كليا النمط الأجنبي في التنظيم المجتمعي، ونفذناه بحذافيره بكل ما يتطلبه ذلك من إمكانيات بشرية ومادية لا قبل لنا بها.
ونتج عن الوضعية الهجينة هذه، ما تلاحظه اليوم من خلل في المجتمع.
فكيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق، وأي تصور يمكن أن نعطيه لتنظيم مجتمعي يمكن أن يوفر للأجيال الحالية والآتية، الراحة النفسية والمادية التي كانت متوفرة لما سبقنا من الأجيال.
إن أي تصور لتنظيم جديد للمجتمع، لابد أن يكون بالضرورة شموليا، أي أننا لا يمكن أن نتصور كيفية تقديم الخدمة الاجتماعية، دون أن نتصور أنماط الخدمات الأخرى التي تقدم للمواطنين، من عدالة وتعليم إلخ...
ويصعب أن نتصور عودة إلى النمط الأصيل، ذلك أن هذا النمط كان يصلح لمجتمع مغلق معنويا وماديا، معنويا برفض كل بدعة دخيلة، وماديا بوجود تنظيم عمراني منغلق يتجلى في وجود مدن مسورة تعيش داخلها التجمعات السكنية، وأحيانا توصد أبوابها في المساء أو عند الشعور بالخطر، كما تعيش فيتكافل اجتماعي تام، بحيث أن الحي يتولى رعاية المحتاجين من بين سكانه، كما تتولى المدينة القيام بالخدمات الاجتماعية الكبرى التي تتجاوز إمكانات الحي، كتسيير المارستانات أو دار التقى إلخ...
إنه في مجتمع أصبح منفتحا ومتفتحا، لابد من أن تتولى الخدمة الاجتماعية فيه مؤسسات تتولاها الدولة، فهي وحدها قادرة على تحمل المصاريف التي يتطلبها إنشاء وتسيير مثل هذه المؤسسات.
إلا أن العنصر السلبي في هذا التنظيم الجديد، هو أنه يجتث المحتاج من وسطه، أي من بين أفراد عائلته، ليلقى به في متاهات المؤسسة الكبرى، كالمستشفى أو الملجأ، بعيدا عن الحنو والدفء الأسروي.
كما أنه يحلل الفرد من تبعاته الاجتماعية ومن الضغط المجتمعي، ومن ثم، يكثر الطلاق والجنوح، وما إلى ذلك من الممارسات اللا أخلاقية، والشواهد كثيرة على ما نقول، ذلك أن المؤسسات الاجتماعية في أوربا، كملاجئ العجزة، أو المتخلفين عقليا، تشاهد من حين لآخر تجاوزات لا يمكن أن تقع داخل مجتمع صغير.
إن التصور المثالي يكمن في أن يعهد إلى الجمعيات الاجتماعية المحلية وإلى الأسر، بتوفير الخدمة الاجتماعية لمن يحتاجها، على أن تتكفل الدولة والموسرون من الخواص بالإنفاق، إلا أن هذا يتطلب توفر إمكانات مادية لا تتوفر لكثير من البلاد الإسلامية، كما يتطلب وجود الوازع الخلقي الذي أخذ، مع الأسف، يختفي في خضم التجمعات السكنية الكبيرة التي تضم خليطا من الناس، يتواردون من كل فج.
وسيمضي وقت طويل، قبل أن تعطى التجربة في بعض البلدان الإسلامية، التي تحاول الرجوع إلى النمط الأصيل في المجتمع، ثمارها، وأنذاك سيمكن مقارنة هذه التجربة بتجارب في اتجاهات أخرى، ليتبلور أخيرا نمط في المجتمع يلبى حاجة الناس إلى الحياة الأفضل، وإلى الخدمة الاجتماعية الأمثل، وغلى أن يتحقق ذلك، يجب أن ننتظر حتى يذهب الزبد جفاءا، ويبقى ما ينفع الناس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here