islamaumaroc

كلمة حق في دعوة الحق

  دعوة الحق

223 العدد

مضى ربع قرن من عمر الزمان على صدور مجلة "دعوة الحق" وهو حين من الدهر أم لم يكن كثيرا في مسيرة الحياة الطويلة لعمر الزمان فإنه من الأكيد يعتبر كثيرا من أعمار الإنسان والمشاريع التي يصنعها الإنسان. فكرية كانت أم مادية تلك المشاريع.
ومشروع إصدار "دعوة الحق" الذي انقضى عليه خمس وعشرون سنة كانت الغاية منه –فيما اعتقد- هو أن يكون إطارا يحفظ للأصالة الثقافية والفكرية خصائصها ومميزاتها في هذا البلد الذي ما قصر الاستعمار في ابتكار مختلف الوسائل لطمسها أو مسخها على اقل تقدير.
وإذا كان الكفاح الوطني وعلى طول مسافته وتنوع صعوباته ومحنه قد كان الطابع السياسي ابرز من غيره في معالم صوره. فإن الصراع الفكري مع هذا الاستعمار ربما كان هو المنطلق. بل انه كان كذلك ولربما بدون "ربما" هذه.
فالاستعمار –كما هو معلوم- استطاع وان بصفة مؤقتة أن يعمد إلى تغيير السمات الأساسية في السيادة المغربية وان في الشكل دون قدرته على تغيير المضمون.
وإداريا وإجرائيا ومسطريا بلغة القانون. فانه لم يستطع أن يفعل ذلك في عمق روح الأصالة المغربية دينيا وفكريا وبالتالي كيانيا إن صح التعبير. ولذا فان لغته التي كان يهيمن بها على جهاز التعليم الرسمي لم يتمكن أبدا من أن يحلها محل اللغة الوطنية. رغم محاولاته العديدة ولسبب واحد وبسيط: وهو ان اللغة الوطنية كانت وستبقى هي رمز الأصالة وبطاقة الهوية لا بالنسبة للشعب المغربي فحسب. وإنما بالنسبة لكل شعب من هذه الشعوب التي لماضيها الحضاري أصول وجذور في أعماق أرضية التاريخ وعلى طوله وعرضه.
هذه الأصالة هي التي أوحت –فيما اعتقد- بإصدار مجلة "دعوة الحق" لتعمل على تطويرها وثقلها في عهد الاستقلال. فهل وفقت مجلة "دعوة الحق" في أداء رسالتها هذه؟
إنه إحقاقا للحق أقول تعم. ونعم التي ون لا بد وان تقترن بلاكن. وقبل أن اشرح دوافع "نعم" وتعاليل "لاكن" أود أن أشير على أن عملية مسيرة "دعوة الحق" خلال هذه السنوات المنصرمة هو مهمة يشترك فيها القائمون على شؤونها وأولئك الذين أسهموا أو ما يزالون يسهمون في إثراء إنتاجها وجمهور القراء الذين يواظبون على الاتصال بها لتتفاعل مختلف الآراء وينبثق من بين ثناياها الاقتراح الموجه والخط السليم على المدى القريب والمخطط الرصين والقويم المستقيم للأمد البعيد.
نعم إن "دعوة الحق" كانت منذ بدايتها وولادتها وهي عبارة عن مشروع كان ولا بد من أن يسد فراغا في حيز فكري واسع الأرجاء. ونعم أخرى لأنها استطاعت أن تسد هذا الفراغ الهائل. وان تبرز في الساحة. وهي حاملة لرسالة الأصالة. ونعم. ثالثة لأنها تمكنت من إظهار الفكر المغربي بمظهر الإنجاب والإخصاب. وها هي ذي مجلداتها شاهدة على أنها كانت في مستوى الرسالة التي أراد لها المسؤسسون والرواد الأوائل أن تضطلع بها ولكن هل استطاعت أو تمكنت من أن تساير وتواكب بمبدأ الأصالة ما يلزم ويجب من تطويرها وسد ما يكون قد ظهر في الساحة الثقافية خلال هذه المدة من مفاهيم ومضامين جديدة تقتضي الأخذ بما يمون نافعا ومفيدا في تلقيح وإثراء التراث الثقافي كمضمون عام لما يحتوي عليه إطار الأصالة.
وقبل الإجابة على هذا السؤال يحسن بي بل وارى من الضروري أن أقول كلمة أوضح بها مدلول الأصالة. هذه المفردة التي طالما لاكتها الألسن وتلوكها وكثيرا ما جرى في شأنها أخذ ورد طويلان عريضان ولكأنها معدن من هذه المعادن التي يتطلب أمرا اكتشافها والعثور عليها المزيد من البحث والحفر والتنقيب. في حين ان مدلولها ومضمونها لا يحتاجان إلا لعبارة تكون جامعة مانعة وموجزة ومختصرة لهذا المدلول. فما هي إذن هذه الأصالة التي أصيبت في شرح مفهومها ومضمونها بآفات الهرج والمرج والضجيج؟
إنها بكل إيجاز تراث حضاري تستمد من أصوله الأجيال المتعاقبة لتبني صرحا لثقافتها وكيانها الفكري يقتبس من روائع التراث الإنساني دون أن يفقد هويته الأصلية وانتماءه الفكري فكريا وأسلوبيا ذاك هو تعريف الأصالة بكلمات معدودات ولكن أراد أن يتعرف جيدا وعمليا على مدلول الأصالة بهذا المعنى فعليه ان يتذكر أو يراجع مجلدات "الرسالة" التي كان يصدرها المرحوم الأستاذ أحمد حسن الزيات جزاه الله خيرا عما أسداه هو وعمالقة الثقافة العربية في ذلك الوقت من أمثال أحمد أمين والدكتور زكي مبارك وطه حسين وفيلكس فارس ودريني خشبة وفخري أبو السعود وعبد القادر المازني وعبد الرحمان شكري علي الطنطاوي واحمد زكي وعبد الله عنان ومصطفى صادق الرافعي وسعيد العريان وغيرهم ممن كانوا في هذا الحجم الثقافي الكبير والأصيل. والذين أعطوا للأصالة العربية مدلولها المتطور والمتفتح والشامخ بهويته العربية ومع كامل الأسى فإن الفراغ الذي تركته مجلة "الرسالة" بعد احتجابها لم يملأ لحد الآن وعلى طول مسافة أزيد من ثلاثين سنة خلت. وذلك بالرغم عن القناطر المقنطرة من الورق التي التهمتها وتلتهمها المطابع في المشرق العربي والتي أكثرها يعتبر عبارة عن هرطقة وهلوسة.
ومرة أخرى هل استطاعت "دعوة الحق" أن تروج لهذا المدلول في وقت توجد فيه أجيالنا الصاعدة أمام معروضات فكرية تتسابق في الهيمنة على أسواق النشر مستخدمة أساليب مغرية في عروضها وبمعنى اشمل وأدق.
هل استطاعت "دعوة الحق" أن تخرج بمضمون الأصالة مما يراد له عن قصد أو بدونه عن قماقم التقوقع والانزواء والانغلاق وأن تكتسب من وسائل الترغيب لأجيالنا الصاعدة في أصالتهم من يقربهم منها وان تجدب إلى حظيرتها أصنافا من المؤلفة قلوبهم من الحيارى والمترددين؟
إن "دعوة الحق" في مسيرتها حاولت أن تفعل هذا وهي ما تزال تحاول أن تفعل ذلك. وبكل صراحة وبمنتهى الموضوعية فإن الطريق ما يزال أمامها طويلا. أنها تنمكن من أن تملأ الفراغ الهائل وان تكون في موادها وتبويبها وإخراجها وثيقة مشرفة لرسالتها التي هي رسالة الأصالة المتطورة بمعناها الواسع الفسيح. بيد أنها ما تزال في حاجة إلى بذل المزيد من الجهد الذي يكون من شانه امتلاك القدرة الكافية على اجتذاب الجيل الصاعد وترغيبه في قراءة إنتاج فكري يتسم بالعمق والرصانة ويكون متفتحا في ذات الوقت على روائع التراث الإنساني في مختلف مظاهره وأشكاله. في عروض تكون متجانسة في مستواها ومتوازنة من حيث المقاييس والمعايير.
فمن أولى واجبات مجلة "دعوة الحق" أن تكون متمكنة من الوسائل الكفيلة بترغيب الجيل الصاعد في منطبق أصالته وان تكون البديل لما يتوالى باطراد وأحيانا بمهارة في العرض أمام ناظره من ضروب الثقافة ذات الطابع التجاري و"الموضوي" إن جازت النسبة إلى صنوف "الموضة" الأخرى.
ولذا وجب على مجلة "دعوة الحق" والقائمين على شؤون تحريرها والمساهمين في دراستها وأبحاثها أن يبذلوا من الجهد أقصاه ومن الاختيار والانتماء أفيده وأزهاه وأبهاه. حتى تكون قد أسهمت على الأقل في إيجاد هذا البديل وفرضه في السوق ليجد فيه المضللون "بفتح اللام الأول وضم الثانية" والحيارى والمترددون ما هم في حاجة إليه من غذاء فكري يكون عنصر البروتين فيه طبيعيا وبالتالي أصيلا وغير معبأ في المعلبات. أرجو أن تكون الجولة الموالية في مسيرة "دعوة الحق" محققة لمثل هذه الآمال. وما ذلك على همة القائمين بها والمساهمين فيها بالشيء العزيز المنال. والله ولي التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here