islamaumaroc

من آثار أثير الدين أبي حيان النفزي الأندلسي

  دعوة الحق

223 العدد

أثير الدين محمد بن يوسف النفزي الأندلسي المولود سنة 654ھ ،1256م المكنى بأبي حيان شخصية علمية وأدبية شهيرة في كتب التراجم والطبقات والفهارس والتاريخ والرحلات وآثاره المتعددة،ولاسيما تفسيره المسمى بالبحر،شرقت وغربت وأعجمت وأعربت منذ عصره وإلى الآن..   ورحل أبو حيان عن غرناطة سنة 677ھ ومر في طريقه على المغرب ومكث بفاس ثلاثة أيام فقط. ومر على بجاية وتونس وأقام بالقاهرة وهي إذ ذاك زارثة علوم بغداد وطال مقامه بها عقودا من السنينإلى أن ودع هذه الحياة بها سنة 745ھ ،1345م .وكان مقامه بالقاهرة من أسباب شهرته عند أهل المشرق والمغرب.كما أن تنقله من المذهب المالكي إلى المذهب الظاهري في الأندلس ثم تنقله إلى المذهب الشافعي بعد أن أقام في مصر من الأسباب التي أكثرت الجدل حول شخصيته وأخلاقه وعلمه فأخذ حيزا من التقدير عند قوم والإنتقاد عند آخرين وفيهم الفقهاء والنحاة والمؤرخون والرحالون..             
وشخصية أبي حيان ذات مواقف وتطورات وموازين وأنواع من السلوك وضروب من الأخلاق وغمرات شخصية خاضها في جهات متعددة ،ثقافية وفكرية ومذهبية واتخذ لسانه وقلمه أداتين حادتين  للتعبير عنها،فلم يكن ذا لون واحد من السلوك،ولا لون واحد من المعرفة لذلك لفت إليه الأنظار وشغل الأقلام والأفكار...واتصل به في مصر الخطيب ابن مرزوق وروى لطلبته في تلمسان ما سمعه منه  في مصر وكذلك أبو عبد الله المقري الجد وابن رشيد السبتي والوادي آشي والمؤرخ صلاح الدين الصفدي والسبكيان تقي الدين وتاج الدين،وغيرهم من أعلام القرن الثامن الهجري...واتصل به عن طريق الكتابة والإجازة عدد لايحصى من أعلام المشرق والمغرب..وموقفه من الشيخ الإمام ابن تيمية شهير..وإلى جانب هذه المكانة العلمية كان أبو حيان شاعرا ينظم الأبيات والمقطعات والقصائد القصيرة والمطولة...وله في كل ذلك الغث والسمين والرخيص والثمين..                                      
واكتشفت مخطوطة ديوان أبي حيان في مدينة وزان المغربية وطبع الديوان بالعراق سنة1969 م ولكن هذه القصيدة التي نقدم نصها هنا ليست من مشمولات الديوان، وإنما وقعت الإشارة إليها ص444 وذكر مطلعها:   هو العلم لا كالعلم شيء تراوده * لقد فاق باغيه  وأنجح قصائده وذلك نقلا عن تلميذ أبي حيان، صلاح الدين الصفدي في كتابه: أعيان العصر وأعوان النصر وحيث إن الصفدي لم يذكر النص بتمامه فإن محققي الديوان اكتفيا بالإشارة إلى ما عند هذا المؤلف...             
وكذلك فعل أبو العباس المقري في نفح الطيب عندما ترجم للأبي حيان تلك الترجمة الطويلة...          
وظهرت طبعة كتاب « الإحاطة » سنة 1975م وفي الجزأ الثالث منها ترجمة أبي حيان وشعره ومن جملته هذه المطولة لأبي حيان ص50-56. إلا أن ما وقع في نصها -مع الأسف- من التحريف والتشويه والتصحيف أفد المعنى والمبنى في عدد كبير من الأبيات كما أن الإشارات التي قصد أبو حيان الإشارة بها إلى أعلام وقضايا وتاريخ وأمثال،لم تجد طريقها إلى ذهن القارئ عن طريق هذا التشويه...         
فالنص له أهداف هامة وخاصة تتجلى في نظرة أبي حيان إلى قيمة النحو وقصة نشأته وما صاحب قصة النشأة من ملابسات مع الإشارة إلى الخليل وسيبويه،والكيسائي وغيرهم وما كان هناك من مكايد ومنافسة وتلاعب بقيم الرجال..لأغراض خاصة..    
كما أن أبا حيان أودع النص بعض مشاعره في مصر وما قاساه من مضايقات وملاحقات من طرف معاصريه..واتبع ذلك بشوقه إلى الأندلس وذكر ما عليه أهلها من اهتمام بكتاب سيبويه،ثم تخلص إلى مدح أستاذه الذي وجهه هذه الوجهة وأفاده بأصولها وفروعها أبي جعفر أحمد ابن إبراهيم إبن الزبير مؤلفه  كتاب –صلة الصلة- وغيره من الكتب المفيدة وكان من أعلام الأندلس الذين تركوا أحداثا رنانة في كتب الأندلسيين والمغاربة..فالنص يهمنا في الدراسات الأندلسية ويعطينا تصورات عن أعلام ومعارف العصر  كما أنه يربطنا بما نجده عند تلاميذ ابي حيان من مغاربة وأندلسيين...ويفسر لنا بعض ما نقلوه عنه من أخبار ومعلومات وآراء وما وصفوه به من صفات..لهذا كنت مهتما بهذا النص واستخلاص صورة صحيحة أو قريبة من الصحة له من الكناشات والمؤلفات التي اهتمت به لاسيما منها مخطوطة كتاب :-روضة الإعلام بمنزلو العربية من علوم الإسلام- الذي ألفه أبو عبد الله الأزرق الأندلسي المتوفي سنة 896ه 1491م قاضيا بمدينة القدس قبل سقوط غرناطة بسنة واحدة . وقد كان النص في مخطوطة –الروضة- بالغا حد النهاية في التحريف والتشويه وكسر الأبيات شأنه في ذلك  شأن الإحاطة ..ورغم ما بذلنا من جهد في التصحيح بمقارنة النسخ واختيار أجودها فإن هناك بعض الأبيات التي ما زلنا نشعر فيها بشيء من الإلتواء في المبنى والمعنى وذلك كله من آثار أعمال الناسخين ..
وهذا نص مطولة أبي حيان مع بعض التعليقات التي توضح إشاراتها..
هو العلم لا كالعلم شيء تراوده                 لقد فاز باغيه وانجح مقاصده
وما فضل الإنسان إلا بعلمه                     وما امتاز إلا ثاقب الذهن واقده
وقد قصرت أعمارنا وعلومنا                   يطول علينا حصرها وتكابده
وفي كلها خيرولكن أصلها                      هو النحو فاحذر من جهول يعانده 
به يعرف القرآن والسنة التي                   هما أصل دين الله ذو أنت عانده
وناهيك من علم علي مشيد                      مبانيه أعززبالذي هو شائده
لقد حاز في الدنيا فخارا وسؤددا               أبو الأسود الديلى فلاجم سائده
هو استبط العلم الذي جل قدره                  وطار به للعرب ذكر نعاوده
وساد عطاء نجله وابن هرمز                   ويحي ونصرثم ميمون ماهده
وعنبة كان أبرع صحبه                         فقد قلدت جيد المعالي قلائده
وما زال هذا العلم تنميه سادة                   جهابذة تبلى به وتعاضده
إلى أن أتى الدهر العقيم بواحد                 من الأزد تنميه إليها فراهده
إمام الورى ذاك الخليل بن أحمد               أقرأ له بالسبق في العلم حاسده
وبالبصرة الغراء قد لاح فجره                  فنارت أدانيه وضاءت أباعده
بأذكى الورى ذهنا وأصدق لهجة               إذا ظن أمرا قلت هاهو شاهده
وما إن يروي بل جميع علومه                  بديهة أعيت كل خبر يجالده
هو الواضع الثاني الذي فاق أولا               ولا ثالث في الناس تصمي قواصده
وقد كان رباني أهل زمانه                       صؤوم قؤوم راكع الليل ساجده
يقسم منه دهره في مثوبه                        وثوقا بأن الله حق مواعده
فعام إلى حج وعام لغزوة                        فيعرفه البيت العتيق ووافده
ولم يثنه يوما عن العلم والتقى                   كواعب حسن تنثني ونواهده
وأكثر سكناه بقفر بحيث لا                       تناغيه إلا عفره وأوابده
وما قوته إلا شعير يسيغه                        بماء قراح ليس تغشى موارده
عزوفا عن الدنيا وعن زهراتها                  وشوقا إلى المولى وما هو واعده
ولما رأى من سيبويه نجابة                      وأيقن أن الخير أدناه باعده
تخيره إذ كان وارث علمه                       ولاطفه حتى كأن هو والده
وعلمه شيئا فشيئا علومه                         إلا أن بدت سيماه واشتد ساعده
فإذ ذاك وافاه من الله وعده                       وراح وحيد العصر إذ جاء واحده
أتى سيبويه ناشرا لعلومه                        فلولاه أضحى العلم عطلا شواهده
وأبدى كتابا كان فخرا وجوده                    لقحطان إذ كعب بن عمرو محاتده
وجمع فيه ما تفرق في الورى                   فطارفه يعزى إليه وتالده
بعمرو بن عثمان بن قنبر الرضا                 أطاعت عواصيه وثابت شوارده
عليك قران النحو نحو ابن قنبر                  فآياته مشهودة وشواهده
كتاب أبي بشر فلاتك قاريا                       سواه فكل ذاهب الحسن فاقده
هم خلج بالعلم مدت فعندما                       تناءت غدت تزهى وأنت تشاهده
ولا تعد عما حازه إنه الفرا                      وفي جوفه كل الذي أنت صائده
إذا كنت يوما محكما لكتابه                       فإنك فينا نابه القدر ماجده
ولست تبالي إن فككت رموزه                   أعضك دهر أم عرتك شدائده
هو العضب أن تلق الهياج شهرته               وإلا تصب حربا فإنك غامده
تلقاه كل بالقبول وبالرضا                         فذو الفهم من تبدو إليه مقاصده
ولم يعترض فيه سوى بن طراوة                وكان طريا لم تقادم معاهده
وجره طعن المبرد قبله                           وإن الثمالي بارد الذهن خامده
هماما هما صار مدى الدهر ضحكة             يزيف ما قالا وتبدو مفاسده
تكون صحيح العقل حتى إذا ترى                تباري أبا بشر إذا أتت مفاسده
يقول امرأ قد خامر الكبر رأسه                  وقد ظن أن النحو سهل مقاصده
ولم يشتغل إلا بنزر مسائل                       من الفقه في أوراقه هو راصده
قد نال بين الناس جاها ورتبة                     وألهاه عن نيل المعالي ولايده
وما ذاق للآداب طعما ولم يبت                   يعني بمنظوم ونثر يجاوده
فينكح أبكار المعاني ويبتغي لها                  الكفء من لفظ بها هو عاقده
رأى سيبويه فيه بعض نكادة                      وعجمة لفظ لاتحل معاقده
فقلت أتئد ما أنت أهل لفهمه                      وما انت إلا غائض الفكر راكده
لعمرك ماذو لحية واتسمت                      وإطراق رأس والجهات تساعده
فيمشي على الأرض الهوينا كأنما               إلى الملأ الأعلى تناهت مراصده
وإيهامه الجهال أنه عالم                          وأنه فرد في الوجود وزاهده
بأجلب للنحو الذي أنت هاجر                    من الدرس بالليل الذي أنت هاجده
أصاح تجنب من غوي مخذل                    وخذ في طريق النحو انك راشده
لك الخير فادأب ساهرا في علومه               فلم يسم إلا ساهر الطرف ساهده
ولا ترج في الدنيا ثوابا فإنما                     لدى الله حقا لاشك أنت واجده
ذوو النحو في الدنيا قليل حظوظهم              وذو الجهل فيها وافر الحظ زائده
لهم اسوة فيها علي لقد مضى                     ولم يلق في الدنيا صديقا يساعده
 مضى بعده عنها الخليل فلم                      كفافا ولم يعدم حسودا يناكده
ولاقى أبا بشربشر سفيهها                        غداة تمادت في ضلال بغادده
أتى نحو هارون يناضر شيخه                    فنافحه حتى تبدت مناكده
فأطرق شيئا ثم أبدى جوانبه                       بحق ولكن أنكر الحق جاحده
وكاد علي عمرا إن صار حاكما                  وقدما علي كان عمرو يكايده
سقاه بكأس لم يفق من خمارها                    وأورده المر الذي هو وارده
ولا بن زياد شركة في مراده                     وكابن زياد مشرك القلب زائده
هما جرعا آلي علي وقنبر                        أفاويق سم لم تنجد أساوده
أبكي على عمرو ولا عمرو مثله                إذا مشكل أعيا وأعوز ناقده
قضى نحبه شرخ الشباب ولم يرع               بشيب ولم تعلق بذام معاقده
لقد كان للناس اعتناء بعلمه                        بشرق وغرب تستنار فوائده
ولان فلا شخص على الأرض قارئ            كتاب أبي بشر ولا هو رايده
سوى معشر بالغرب فيهم تلفت                   إليه وشوق ليس تخبو مواقده
وما زال منا أهل أندلس له                        جهابذ تبدي فضله وتناجده
وإني في مصر على ضعف ناصري             لناصره ما دمت حيا وعاضده
أثار أثير الغرب للنحو كامنا                      وعالجه حتى تبدت قواعده
وأحيا أبو حيان ميت علومه                       فأصبح علم النحو ينفق كاسده
إذا مغربي حط بالثغر رحله                       تيقن أن النحو أخفاه لاحده
بلينا بقوم صدروا في مجالس                     لإقراء علم ضل عنهم مراشده
لقد أخر التصدير عن مستحقه                    وقدم غمر خامد الذهن جامده
وسوف يلاقي من سعي في جلوسهم             من الله عقبى ما اكنت عقائده
علا عقله فيهم هواه فما درى                     بأن هوى الإنسان للنار قائده
أقمنا بمصر حوالي عشرين حجة                يشاهدنا ذو أمرهم ونشاهده
فلما ننل منهم مدى الدهر طائلا                  ولما نجد فيهم صديقا نوادده
لنا سلوة فيمن سردنا حديثهم                      وقد يتسلى بالذي قال سارده
أخي إن تصل يوما وبلغت سالما                 لغرناطة فانفذ لما انا عاهده
وقبل ثرى أرض بها حل ملكنا                   وسلطاننا الشهم الجميل عوائده
مبيد العدا قتلا وقد عم شرهم                     ومحيي الندا فضلا وقد رم هامده
أفاض على الإسلام جودا ونجدة                 فعز مواليه وذل معانده
وعم بها إخواننا بتحية                            وخص بها الأستاذ لا عاش كائده
جزى الله عنا شيخنا وإمامنا                      وأستاذنا الحبر الذي عم فائده
لقد أطلعت جيان أوحد عصره                   فللغرب فخرا أعجز الشرق خالده
مؤرخه نحويه وإمامه                            محدثه جلت وصحت مسانده
نماه عظيم من ثقيف وإنما                        به استوثقت منه العرى ومساعده
وما أنس لا أنسى سهادي ببابه                   بسبق وغيري نائم نائم الليل راقده
فيجلو بنور العلم ظلمة جهلنا                     ويفتح علما مغلقات وطائده
وإني وإن شطت بنا غربة النوى                لشاكره في كل وقت وحامده
بغرناطة روحي وبمصر جثتي                  ترى هل يثني الفرد من هو فارده
أبا جعفر خذها قوافي من فتى                   تتيه على نمر القوافي قصائده
يسير بلا إذن إلى الأذن حسنها                  فيرتاح سماع لها ومناشده
غريبة شكل كم حوت من غرائب               مجيدة أصل انتجتها اماجده
فلولاك يا مولاي ما فاه مقولي                  بمصر وما حبرت ما انا قاصده
لهوبتني حتى أحوك مفوفا                      من النظم لايبلى على الدهر آبده
  وأذكيت فكري بعد ما كان جامدا             وقيد شعري بعد ما ند شارده
جعلت ختاما فيه ذكرك إنه                     هو المسك بل هو أعلى وإن عز ناشده             

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here