islamaumaroc

دعوة الحق: منبر حق

  دعوة الحق

223 العدد

لم يكن من قبيل الصدف، ولا من سبيل المجازفة، أن تسمت مجلة "دعوة الحق" بهذا الاسم، فاتخذته لها عنوانا، ولبسته رداء، وتلفعت به ذاتا وموضوعا، وإنما هي تسمية نابعة من صميم أهدافها، منبعثة من أعماق مقاصدها، ممثلة لقول الله سبحانه في محكم تنزيله: "له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال" (1).
ذلك أن "دعوة الحق" اسم يطابق مسماه، وينبئ عن لفظه ومعناه، ويفصح عن مضمونه ومبناه، ويعرب عن صورته وهيولاه، ويبين عن محتواه ومقصوده الذي هو الدعوة إلى الله، والعمل لوجهه، والعيش في رحابه، ونشر تعاليم دينه، وآداب لغة كتابه، جهارا من غير إسرار، وإظهارا من غير إضمار، فحسرت اللثام عن كنوز الإسلام، وقشعت الغمام عن حضارته الخالدة وفكره الغزير.
يقول ابن جزي الكلبي: إن المراد من دعوة الحق في الآية المذكورة هو توحيد الله سبحانه بقول لا إله إلا الله، والمعنى أن دعوة العباد بالحق لله، ودعوتهم بالباطل لغيره (2).
والدين عند الله الإسلام، من احتمى به عز وعلا، ومن طلب الرفعة بغيره ذل وهوى، فتصير طباعه جامدة، ودماؤه باردة، وهمته راكدة، وعزيمته خامدة، وما القبض على الماء بالكف إلا دليل على الفراغ الروحي، والانهيار الأدبي، والتلاشي النفسي والانتحار البطيء الذي تعانيه العقول إذا تجردت عن ذكر الله، وابتعدت عن سبله، وتخلت عن نهجه وسنة رسله وأنبيائه، يقول ابن القيم: "في القلب شعت لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الإنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه.
وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا".
وهذا ليس كلام عالم فحسب، بل هو كلام ذائق مجرب، يقول ما يخبره ويقص ما أحس به في نفسه، وما رآه ولاحظه في الناس من حوله.
وفي التمثيل القرآني بالقبض على الماء باليد ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الذي يدعو لها من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه، ويشير إليه بيده فلا ياتيه أبدا، لأن الماء لا يستجيب، وما الماء ببالغ إليه.
الوجه الثاني: إنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه، لكذب ظنه، وفساد توهمه، وخيبة حدسه، وسقم ذوقه.
الوجه الثالث: إنه كباسط كفه في الماء ليقبض عليه فكان ذلك باطلا ولهوا وقبض ريحا، فالماء لا يجمد في الكف شيء منه، إلا أن تغسل ببرد الإيمان، وترحض بجمال التقوى، وتتدثر بدثار الإحسان، مستلهمة الرشد من الله، والسداد من عنده سبحانه، مصداقا لقوله تعالى: "الشيطان يعدكم الفقر ويامركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله وسع عليم" (3).
إن الحقيقة تفرض نفسها دائما على كل من خلصت نيته وانطلق عقله من قيود التحيز وشرك الأهواء، فلذلك اختار المغاربة الإسلام دينا، واتخذوا سنة نبيه سبيلا ومنهجا، واسترشدوا بكتاب الله سراجا ونبراسا، فعرفوا قيمة الإنسانية، وأدركوا معنى الكرامة، وتفهموا مزية المروءة، بقول جلالة الملك: "لقد اعتنق المغاربة الإسلام طوعا واختيارا، ورضى واستبشارا، إذ حمل إليهم من مكارم الأخلاق، وسليم المبادئ، وصحيح الأحكام، وقويم النظم ما سعوا به أفرادا وجماعات" (4).
ذلك أن الإسلام هو الدين الذي أراده الله لخلقه وارتضاه لعباده، إذ خطه في لوح الأزل، وجعله ختام مسك للرسالات السماوية التي سبقته يقول أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني: "إن من منن الله على خلقه ورحمته بهم أن بعث فيهم سيدنا حمد صلوات اله وسلامه عليه برسالة إلهية هي خاتمة الرسالات، تهديهم إلى محجة الصواب وتفتح لهم من وجوه الخير والبر كل باب" (5).
فالإسلام جمع محاسن الرسالات السماوية جميعها، وجدد ما اندثر من معالمها بالترجمة أو بسوء التأويل، فكان بذلك دين الرسل جميعا مصداقا لقوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" (6).
قال مجاهد: "لم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة فذلك دينه الذي شرع لهم (7).
فالعقيدة الإسلامية المسماح مهج حياة يحمل كل الظروف المواتية لخير البشر وإسعاده، ويتناغم بكل هدوء وصفاء مع الفطرة السليمة، ويتلاءم مع الحياة في مظاهرها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فبالملة المحمدية ترسو أقدام الهدى، وتتوثق عرى الاستقامة، وتتأكد القوة المعنوية في قلب المؤمن، وفي الإسلام تجد النفس سكينتها، وتلفي غايتها ومناها، وتحت ظله تستمر النعمة، ويرتفع السعد، وتسمو الأخلاق، وتزول الغشية، ويندحر طائف الشيطان وتشفى جميع الأدواء النفسية، وذلك ما حاولت وتحاول مجلة "دعوة الحق" غرسه في عقول المغاربة، بل في عقول قرائها أينما كانوا وحيث ما حلوا.
ويتصل بالإسلام كتابه الخالد إذ أن "دعوة الحق" تقف موقف الحق في ميدان الدراسات القرآنية، فلا يكاد يخلو عدد من أعدادها من الحديث عن كتاب الله، أو شرح مضامينه أو الدفاع عن مبادئه، أو إلقاء الأضواء الكاشفة على تعاليمه فتتفتح القلوب على أسراره، وما يتصل بجماله وإعجازه، إثباتا لرسالة محمد، وتعريفا بالحضارة الإسلامية وما قدمته للإنسانية من أيادي بيضاء، فبفضله عرف العالم النور، وبه ارتفعت هامة العرب والمسلمين عالية، "ولقد أنشأ القرآن من العدم أمة ودولة انتظمت في سلكها القارات الثلاث التي كانت معروفة إذ ذاك ودانت لها بالطاعة، ودخلت الكثرة الكاثرة من سكانها في دين الله الذي يدعو إليه القرآن، برغبة تلقائية، فتكون منها مجتمع فاضل يخضع في شؤونه الخاصة والعامة لأحكام القرآن ونظامه المثالي، وتفاعلت عبقريات الشعوب التي تكونت منها الأمة الإسلامية مع تعاليم القرآن، فشيدت تلك الحضارة الإنسانية التي لم يشهد لها التاريخ فيما مضى مثيلا" (8).
فالقرآن نعمة الله السابغة، وحجته البالغة، أودعه الله العلوم النافعة، والبراهين القاطعة، وجعله في الطبقة العليا من البيان فحار في أسلوبه وتركيبه دهاقنة الأدب وعباقرة التأليف.
وفي ضوء الإسلام وتعاليم كتابه، يستحث المغرب الخطى في اطمئنان، ويسير بثقة تامة، ليستكمل بناء صرحه الاقتصادي، ويستتم قواعده الاجتماعية، ويوطد إشعاعه الحضاري دفاعا عن كيانه، وذودا عن بيضة الإسلام والمسلمين متفاعلا مع الحضارات الإنسانية المختلفة دون شعور بالاغتراب أو الاستلاب: "إن حيوية الأمة الإسلامية وتداخل مجتمعاتها مع غيرها، وتفاعلها مع حضارات ولقاءات وديانات ومذاهب أخرى إلى أمد قريب تفصلها عنها المسافات المادية والمعنوية، وأن التطورات ولتغييرات السريعة التي طرأت على المجتمع البشري في السبعين سنة الماضية، والتي قال عنها أحد المستقبليين: "بأن ما حدث خلالها من تقدم يوازي ما حدث في مدى خمسة آلاف سنة الماضية"، كل هذا يفرض علينا أسلوبا، جديدا في التعامل مع تراثنا الحضاري بجميع جوانبه، أسلوبا يتيح للمسلم والمسلمة أن يندمجا في المجتمع التكنولوجي الذي يعيشان فيه (9).
والحق أنه لا يمكن لمقالي المتواضع هذا أن يفي "دعوة الحق" حقها فكيف وقد مضى لها من العمر ربع قرن شهد أحداثا جساما على الساحة الإسلامية، وعاش تقلبات غيرت نظر القارئ الواعي في مختلف القول من مقالة وقصة ومسرحية... وقد استوعبت المجلة أكثرها إذ صارت منبرا حرا للكاتب والقارئ على السواء، معبرة عن شعور الإنسان المغربي بذاته بما تحمله من تراث وتعيه من أمانة ضارية في أحشاء التاريخ، إذ فرضت نفسها على الزمن، وكتبت صفحاتها على جبين الدهور، لا يماري في ذلك إلا كاذب الحدس أو فاسد الظنون.
وإن فنون القول وأصناف الفكر وضروب الأدب لتجد نفسها اليوم أكثر موضوعية على صعيد كل من يحمل القلم، أو ينشد الكلمة، أو ينمق العبارات، إعرابا عن الملحمة الحسنية الخالدة التي تحقق كل يوم أمجادا وتسجيل مفاخر في شتى مجالات الحياة.
"وقل اعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".

1) سورة الرعد، الآية 14.
2) كتاب التسهيل لعلوم التنزيل لمحمد بن أحمد بن جزي الكلبي. ج 2 ص: 132 دار الكتاب العربي بيروت لبنان.
3) سورة البقرة، الآية: 268.
4) انبعاث أمة ج: 10 ص: 90. 1965.
5) من رسالة جلالة الملك إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن 15 هـ المنشورة بمجلة دعوة الحق ص: 11 العدد 1، السنة 23 مارس 1982.
6) سورة الشورى، الآية: 13.
7) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله بن أحد الأنصاري القرطبي ج: 10، ص: 11 دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة 1387 هـ - 1967 م.
8) من مقال للأستاذ عبد الله كنون في مجلة دعوة الحق السنة 19 العدد الأول.
9) من رسالة جلالة الملك إلى ندوة الإمام مالك دعوة الحق العدد 3 السنة 23 ص 27.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here