islamaumaroc

دعوة الحق صورة جيل.

  دعوة الحق

223 العدد

 لعبت المجلات الثقافية والأدبية في حياة الجيل الذي أنتمي إليه بالحياة والفكر معا. دورا أساسيا وعميقا في تكوين عقله. وصقل وعيه. وحفزه على ممارسة الكتابة. واستكشافه للرؤى الجديدة نحو الذات والعالم. واستجلائه للمواقف والصور الفكرية من خضم تياراتها واتجاهاتها القديمة والحديثة.
وهكذا خلفت تلك المجلات. على اختلاف مواقفها الفكرية وتباين مواقعها الثقافية. آثارا واضحة وجلية في وجداننا. كانت تصب كلها في نهر واحد لم يكن لنا مناص من السباحة فيه. مع رقة عودنا وغضارة عمرنا ونضارة شبابنا. نهر نتلقى فيه الأدب وفنونه. ونتذوق أجناسه وأساليبه من غير مرشد أو دليل. تلقيا وتذوقا كانت فيهما المتعة وبين الفائدة. لأننا في تلك السن لم نكن نفرق بين المتعة وبين الفائدة. فكلتاهما كانت مطلبا يلح علينا.
ولو سئل ذلك الجيل يوما عمن يكون المربي الرائد لثقافته والمكون الحقيقي لنمط وعيه في شبابه الأول. لأجاب على الفور- إن كان صادقا مع نفسه ومع واقعه ودون أن يجانبه الصواب ويتنكبه التوفيق- بانهما يتمثلان أساسا في صفحات المجلات والفكرية التي كان يطالعها بشغف عظيم. وفي الأسماء التي كان يؤثر أن يقرأ لها على غيرها.
وليس من شك في أن هذه هي الميزات التي تشرف ذلك الجيل الذي لم يقدر له أن يلج أبواب الجامعة.
فيتزود منها ومن أساتذتها بثقافة منظمة ومفصلة بالبرامج والمناهج والمقررات المعتمدة في نظام الدراسة والتحصيل.
هي ميزة مشرفة له لأنه وجد نفسه- حين وعى المحيط الاجتماعي والفكري والعقلي الذي نشأ فيه نشأة لا تخلو من اضطراب وعدم توافق وانتظام- أمام تحد خطير لم يكن فيه خيار. وهو أنه إذا شاء أن يقيم الأساس الصقافي والأدبي لعقله ووجدانه. فليس عليه إلا أن يشمر عن ساعد الجد. وان يعتمد على نفسه وحدها في التكوين والحاصل والصقل إذا أراد أن يكون له على الأرض موقع لقدم.
ومن هنا. فذلك الجيل يمثل البقية الأخيرة للرعيل الأول في الفكر والثقافة والأدب الذي تكبد من أجل أن يمتص ويتمثل نصيبا موفورا من ذلك كله. صنوفا وضروبا من المشقة والعناء والعنت. ربما لم يعان منها إلا نزرا يسيرا هذا الجيل الأدبي المعاصر الذي تشرب بعمق ودراية مناهج الفكر والتفكير الحديثة. وتشبع بأساليبها ومذاهبها عن طريق الدراسة المنظمة في الجامعات التي أتيح له أن يلجها ويتابع دراساته بها وهو مستقر البال على حاضره ومستقبله. مطمئن القلب إلى الوسائل والأدوات التي سيواجه بها الحياة.
ولا عجب في أن يجد جيلنا نفسه منجدبا بقوة إلى الأسماء الأدبية اللامعة التي سبقته إلى ارتياد ذلك الطريق الشاق. فمهدت له معالمه ويسرت له السير ليخطو عليها أولى خطواته التي سيعرف من بعد أنها كانت خطوات موفقة ناجحة. آلت إلى بعض ما كان يتوخاه منها. فرضي هذا الرضى الذي يخامره منه اليوم إحساس رقيق واستبشار عميق.
ولم تكن تلك الطريق لتخلو لطبيعة الحال. مما يثير في نفس ذلك الجيل أعمق مشاعر الألم والمضض. ومما يستلزم منه جهدا جهيدا لا بد أن يبذله حتى يستقيم له الأمر فيما يسعى إليه. وليعتدل اعتدالا يسمح ببعض الظهور في الحلبة الواسعة التي كان يقف هو على أطرافها وجنباتها المترامية قارئا متأملا. وزاهدا عاكفا على شغله العنيف الذي شغل به.
ولم تكن الأيام لتراه إلا مأخوذا ببريق الأسماء ولمعانها الذي كان ينجذب إليه انجذابا ينسيه نفسه وحاله حينا. وينسيه حينا آخر ظروفه الاجتماعية الخاصة التي كان قلبه يضطرم بنارها اللاهبة. وكان عقله يضطرب في دروبها وشعابها الملتوية. فيقسو عليه هذا قسوة لا تزال ملامحها وقسماتها باقية بارزة إلى اليوم في نفسه أولا. وفيما يكتب ثانيا.
ولا عجب أيضا في أن يلوذ ذلك الجيل- مضطرا لا مختارا- إلى مدرسته الصغيرة المتواضعة. حيث لا يعرف فيها فترة منتظمة من الدرس والتكوين والتحصيل. وفترة منتظمة من الراحة والدعة والتعطيل. وإنما يعرف فيها فصولا متعاقبة تتصل فيها ساعات القراءة والتثقيف من كل ما يصل إليه من كتب أو مجلات أو صحف أو جرائد... لا ينتقيها من سوق المكتبات بالمدينة. بل هو مدفوع إلى أن يأخذها من مصادر مختلفة بقضها وقضيضها وغثها وسمينها. والى أن يقرأ ما اشتملت عليه من مقالات وموضوعات بعاطفة مشوبة بالخيال. وشوق ملتهب بالطموح. وقلب يفيض نحوها بالمحبة والحنان والتعلق الخالص.
في غمرة هذا الجو الذي اكتنفه الغيوم والسحب الداكنة. شهدت نفسي تتفتح شهيتها للقراءة والمطالعة.
وتتطلع إلى أن تلتهم- ما وسعها الجهد- جميع ما تحصل عليه من الكتب والمجلات والجرائد. وكانت "دعوة الحق" من بين الأطباق الممتعة التي امتلأت بها مائدتي الأدبية والفكرية المتواضعة. إذ لم تكن الظروف تسمح لي في تلك السنين الأولى من عقد الستينات بأن أتطلع إلى أسفار التراث وأمهات الكتب التي سبق لعناوينها المسجوعة المغرية أم طرقت أذني وأنا أتردد على أحد فصول الدراسة الثانوية في سنواتها الأولى. حيث أتيح لي فقط قراءة شذرات مختارة منها في بعض الكتب الأدبية المبسطة، شذرات من جيد الشعر والنثر للجاحظ والمتنبي وابن المقفع والمعري وابن الرومي وأبي حيان التوحيدي من القدماء. ولطه حسين والعقاد وأحمد أمين والزيات والمازني والشابي وأبي ماضي وشوقي وحافظ ومطران والمنفلوطي وتوفيق الحكيم من المعاصرين. إلى جانب قراءات متناثرة لأدباء وكتاب وشعراء آخرين من طبقة غير طبقة هؤلاء وأولئك. اختفت أسماؤهم من الذهن وانمحت آثارهم من الذاكرة.
وإني لأذكر أن اطلاعي على "دعوة الحق" جاء بمحض المصادفة لا الاتفاق. فقد كان شقيقي محمد يحتفظ بمجموعة منها في إحدى زوايا البيت. وكان عمله بالتعليم يلزمه السفر إلى مدينة شفشاون فكنت اغتنم فرصة سفره وغيابه عن البيت لاستولي- في تكتم شديد- على تلك المجموعة وأقبل على قراءتها في إحدى حجرات الدار التي هجرتها العائلة وانصرفت عن استعمالها. فانفردت بها وحدي لأجل القراءة والمطالعة.
وفي هذه الأعداد الأولى من "دعوة الحق" التقيت أول مرة بالمعلمين الأوائل: محمد الطنجاوي ومحمد الصباغ وعبد السلام الهراس وعبد الله كنون وعلال الفاسي واحمد عبد السلام البقالي ومحمد الطنجي ومحمد بن تاويت والتهامي الوزاني وعبد الوهاب ابن منصور واحمد زياد زتقي الدين الهلالي وعبد الكريم غلاب ومحمد برادة وعبد القادر الصحراوي والمهدي البرجالي وإدريس الجاي وعزيز الحبابي ومحمد زنيبر وعبد القادر حسن وغيرهم كثير... من هؤلاء ومن سواهم. عرفت الأدب العربي المغربي الحديث. وعرفت بعض أعلامه في الشعر والمقالة والقصة والنقد والبحث والدراسة الأدبية والتاريخية. فكنت أقرأ لهم بانتظام في "دعوة الحق" التي كانت بالنسبة لي الباب الذي فتح أمامي آفاقا واسعة ورحبة. أفيض بألوان وصنوف ومذاهب من المعرفة بالصقافة المغربية والعربية والإسلامية.
وصارت بيني وبين "دعوة الحق" هذه العلاقة الحميمة التي تشد وتربط القارئ إلى كجلته حين يلتقي فيها بتلك الألوان والمذاهب من المعرفة والثقافة التي يحس أنها تصور نفسه وشخصيته وذاته. ولا تزال بيني وبينها تلك العلاقة وهي قائمة على أواصر أشد وعلائق أوثق ووشائج أوكد.
وأحب من القارئ أن يعذرني بعدما أسقلت صدره بهذه الذكريات الذاتية. وقد أردت أن أسوقها إليه ليس لقيمتها في ذاتها. فهي شيء مما يحدث ويقع في حياة القارئ. ولعني قصرت في تصوير وتبيان نشأة هذه الصداقة الحميمة التي تربط بين القارئ والمجلة والتي تتحول مع تحول الأيام إلى حب يفوق كل قدرة على الوصف.. قلت إنني إنما أردت أن أسوق للقارئ تلك الذكرى ليس لقيمة فيها. ولكن لشيء اكبر وأعمق وابعد غورا.
إن "دعوة الحق" ليست من المجلات التي يتلقفها المرء حين صدورها فيطالع منها ما يسعفه به الوقت. ثم يطويها طيا ويسلمها للنسيان. كأنما هي صفحة الماء ينقش عليها الريح صورا باهتة الظل. خافتة الصوت. فتاتي موجة من موجات التيار لتدفع هذه الصور مع زخات الهواء إلى الهباء. بل إنها لمن تلك الكتب الباقية التي يحن إليها الإنسان المرة تلو المرة. ويعو إليها الحين بعد الآخر. ليقرأ فيها قيما باقية لا تبلى. ومثلا خالدة لا تزول. وليطالع فيها معاني إنسانية حية ما فتئت تعيش في قلوبنا ووعينا ووجداننا جميعا. وليستحضر منها قضايا ومواقف لا تزال أحولنا ومصائرنا وأقدارنا الفكرية والثقافية والعقلية والروحية والاجتماعية نفرضها علينا فرضا ملحا حتى يوجد لها رجال الفكر وأقطاب الاجتهاد والتجديد حلولا حاسمة.
ولكن الأحوال والمصائر والأقدار في كل بيئة من البيئات البشرية التواقة إلى التطور والنمو والاكتمال. تأبى هذه الحلول لأنها تتنافى- إلا فيما اتصل ببعض الأمور والشؤون- مع الطبيعة الإنسانية وطموحها إلى الكمال الاستواء.
وإن مجلة هذه خصائصها وفلسفتها. وهذا مذهبها وطريقها لا تسهم فحسب في تكوين العقل وتربيته وتهذيبه لظرف خاص من الظروف. وإنما تسهم أيضا في تكوينه وتربيته وتهذيبه لعقود وأجيال تجد جدا متواصلا في اعتناق وامتصاص وتمثل القيم الصالحة والمبادئ القويمة والأفكار الأصيلة التي تعرف في بناء شخصية الإنسان من أساسها. أي يكون لها في نشأة العقل والوعي والوجدان الاجتماعي والفكري والحضاري دور عريق متأصل في الجذور التي ينطلق منها البناء العام ليس للفرد الواحد فقط. وإنما للأمة بأكملها.
وأحسب أن "دعوة الحق" هي في طليعة تلك الكجلات من أوفرها حظا في القيام بذلك الدور الكبير الذي لا يضطلع به في واقع الأمر إلا معاهد العلم والمعرفة. وان الجيل الفكري والثقافي الذي عاش ميلادها ونموها وتطورها ونضوجها. والمقصود بهذا كله هو الفعل العقلي المتنوع والخصيب الذي تدرجت "دعوة الحق" في ممارسته طوال خمسة وعشرين عاما في حقل تثبيت وتعزيز قيم ومبادئ الأصالة المغربية بشقيها العربي والإسلامي. قلت أن ذلك الجيل يدين لهذه المجلة بدين كبير طوقت به عنقه في شبابه الأول. وعلمته- فيما علمته- إن علاقة الإنسان القارئ بالمجلة علاقة دائمة لا تنحصر في مرحلة الطلب الأولى. ولكنها تستمر وتنمو حتى تكتمل وتستقيم في صورة صداقة أو حب. لا تزيدها الأيام الا قوة ورسوخا.
وها هو ذلك الجيل. لا يزال إلى اليوم تستكن في أقطار نفسه كلها بصمات وروائح طيبة سخية من هذه الحقبة من الزمن التي ربطته ب"دعوة الحق" ربطا لا انفصام له بإذن الله ومشيئته. وهي حقبة تمثل ميلاده ونموه وتطوره ونضوجه العقلي والفكري والأدبي. وتصل له ولغيره من الأجيال اللاحقة مدرسة شامخة من القيم. تأصلت على أرض صلبة ثابتة. وقامت على جذور راسخة قديمة.
هي – في النهاية- واجهة من وجهات البناء الثقافي لبلادنا. ومظهر من مظاهر أصالتنا.
ولا حاجة بي إلى القول أن "دعوة الحق" سجل للثقافة المغربية الأصيلة خلال ربع قرن. سجل حافل تطوي صفحاته قيم ومنطلقات الدعوة وتأصيلها في الوجدان المغربي. فهي بهذا المعنى الوحيد لهذه المجلة خلال هذه المرحلة م عمرها المديد بعون الله- المرآة التي تعكس طموح وآمال المثقفين والأدباء والكتاب المغاربة. وتعكس مواقفهم الفكرية والوجدانية والعقلية. وتعكس أخيرا رؤيتهم المتجددة إلى المشاكل والقضايا الفكرية المختلفة التي شغلت بالهم في أثناء تلك الفترة. ولا تزال إلى اليوم تشغلهم بنشاط أزيد . وحيوية أكثر. ونضوج اقرب ما يكون إلى الاكتمال والاستواء في الكتابة والتعبير والمعالجة.
ولعل مما يحمد لذلك الجيل الذي تعلم- أول ما تعلم من "دعوة الحق" أنه حافظ على عاطفته وإحساسه ورقة شعوره. وحافظ أيضا على تمسكه بأصالته وبقدرته الذاتية على تطوير مواهبه وملكاته. فاستطاع من خلال هذا كله أن يكن صورة صادقة للجيل الذي سبقه على نفس الطريق. وان لم يكن أكثر منه قدرة وامتلاكا على هضم واستيعاب الأسلوب الفكري والأدبي المتفرد الذي يتميز به وان لم يستطع أن ستضاهيه في حرارة العاطفة وحساسية الكلمة وتوهج الشعور. ولعل لتصادم الأجيال وصراعها في الثقافة والفكر والأدب دخلا غير يسير في هذا الاختلاف والتباين. ولكنه تصادم غير عنيف لأنه لم يذهب هذا المذهب الجديد الذي أوغل في التعسف والشطط حتى كادت الصلات الثقافية تنفصم بين الأجيال. واعتقد ان على "دعوة الحق" أن تسهم من جديد في إقامة وتجديد هذه الصلات والعلائق. حتى تستمر القيم الفكرية الأصيلة في سبيلها القويم. حتى تستمر القيم الفكرية الأصيلة في سبيلها القويم. وحتى تدلل مرة أخرى أنها تتجدد بتجدد الأجيال. فلا خير في حياة فكرية وثقافية وعقلية بلا جديد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here