islamaumaroc

دعوة الحق في مهرجان بلوغها ربع قرن

  دعوة الحق

223 العدد

"تريد تجديد بلدك؟ تريد ترقي بلدك؟ إذن: اقرأ، ثم اقرأ، ثم اقرأ" (1) تلك هي السمة الهوية الأزكى، والدعامة الأفعل في مسيرة الحضارة، وغير عجيب ارتكاز "القراءة" – في استمرارية وتواصل – منذ الغابر، بين جماهير، امتازت بتعددية النبوغ في الإسلاميات وكافة حقول المعرفة... حقا لهي وظيفة أسمى لأن يرابط ذووا الألباب – على ضفاف المتوسط والأطلس – حماة لشرف العقل، وذادة لنورانية الكلمات – كلمات الله... وهو دور كفاحي اضطلع به المغرب، ومن ثمة فإنه "ليحظى – يؤكد لك جلالة الملك الحسن الثاني – بالتقدير في حظيرة الدول وأن الاعتبار الذي تتمتع به بلادنا لم يبلغ في أي وقت مضى ما بلغه الآن من سعة وامتداد" (2) من هاته الجذوة استقت مجلة "دعوة الحق" قبا منيرا وكنت تلقى لولادتها عام 1957 تهليلا واستبشارا، في تونس، رافقا مراحل تطورها الدائم، من ذلك الكلمة الترحيبية الرشيقة بركن (أصداء الفكر) من مجلة (الفكر) (3) تعريفا بموقع المولودة من شبكة الحركة الأدبية والعلمية بالمغرب، وإشارة إلى القائمين عليها ومنهم الأستاذان المكي بادو وعبد القادر الصحراوي عضو الوفد المغربي إلى مؤتمر الأدباء العرب الثالث (4)
ولئن استأهلت هاته الظاهرة الفكرية كل التنويه، فإنها ليست بالأولى في ميدان وضع المجلات بالمغرب العربي، ففي تونس – مثلا – برزت (الفكر) في أكتوبر 1955 (5) خادمة عموم فروع الثقافة العربية، ومن قبلها ابتدعت السعادة العظمى" كأول مجلة إسلامية بتونس، في محرم 1322 أبريل 1904 (6) أصدرها الشيخ المرحوم محمد الخضر حسين خريج الزيتونة وأستاذها، وشيخ الجامع الأزهر من عام 1371 / 1952 (7).
أما المغرب الأقصى، فتعد مجلة "السلام" – الصادرة بتطوان سنة 1933 – السباقة إلى الحلبة الصحفية دفاعا عن ثنائية الشخصية المغربية: العروبة والإسلام (8).
فأنت إذن – إزاء قلاع من مؤسسات المعرفة، تزكي الروح وتنمي الفكر وتذكي الحماس يقوي مكونات البطولة حماية لنمطية الانتساب والوجود، ووصلا بين أمسنا والحاضر... و.
ما أشبه الأمس – يا دنيا – بحاضرنا
فنحن شعب مدى الأزمان ما وهنا
لن يستباح حمانا أننا همم
من البطولات تفدي الترب والسكنا (9)
وعساه يكون من مقدمات الوصل الحضاري بين الجماعة الإسلامية الذي ارتأته مجلتنا الفيحاء قدرها، النهج الحثيث لإقامة "تعارف" حقيقي ومثمر، امتثالا للحكمة القرآنية البليغة: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقــــاكم" (10).
وما علو منزلة – التعرف – كظاهرة إنسانية سامية – إلا تديل على إثارته موجة عتيدة من موجات التقادح والتساند بين المتأدبين والعلماء، باتجاه التكامل الأنفذ، وفي هذا شيء من معاني السمو الوارد في قول البارئ تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله" (11).
و"دعوة الحق" أدت – وتؤدي – مهمتها جاهدة في تمتين ذلك الحبل – حبل الود والتقوى والانعتاق والترفع – بين جماهير قرائها – على الأقل – لما نهضت عليه من شرائط البحث العلمي الطارح للتعصب المذهبي أو التزين بالهجين من الإيديولوجيات، مقابل التقوى بالأخلاق وعرى الأصالة الحق والموضوعية، في منأى عن الإثارات المنحرفة والاهتزازات المشتتة والخطرات السياسية العائمة والشطحات العشوائية المذبذبة "فإن المطلوب – تعري لك المجلة عن مذهبيتها في وضوح وإصرار – الترفع عن الصغائر وسفاسف الأمور وتوافهها، واللجوء إلى الحكمة والعقل والعلم والمعرفة الفطنة والذكاء، والإعراض عن الابتذال والإسفاف والسفه، وكل ما من شأنه أن ينال من مكانة المجتمع الإسلامي ويشوه صورة الإسلام المشرقة في الأذهان، ويلحق الأذى والضرر بالقائمين على الإعلام بدرجة أو بأخرى" (12).
إنما دأب "دعوة الحق" الغوص الدأب في الجوهري من شؤون التربية والاجتماع والفكر والرعاية والدين، وهي وإن كانت تنطلق – في بعض المناحي – نحو بسط ملامح قد تبدو أخص بمنطقة دون أخرى، فـ "إن معرفة العرب بقضاياهم، وبهذه الأجزاء التي تكون وطنهم، لخير سبيل لتحقيق ما يعمل له العرب جميعا من وحدة في العمل "لبناء كيان عربي متين" (13).
وتأسيسا على ذلك، نلتقي بها دون سقوط في أخاديد الجمود والانغلاق، وإغفال المستقبل وملابسات الآن، تكريسا للقوى بغية تقديس الماضي، فهاتيك كلاكل صلدة لإعاقة الدفع التقدمي وشل حركة الانبعاث الإسلامي التي أريد لها: "أن تكون منطلق نهضة دينية شاملة تقوم على أساس التجديد في الدين، دون المساس بجوهره الأصيل، وتحديث أساليب الدعوة إليه وطرق التبشير به ووسائل تلقين وتعليم مبادئه ومقاصده ومفاهيمه من غير إخلال بالهدف النبيل والقصد الشريف، أو انحراف عن السبيل الذي اختطه السلف الصالح لتبليغ رسالة رب العالمين مسايرة للصحة الإسلامية المتنامية التي تهدف إلى الأخذ بالإسلام عقيدة وسلوكا ومنهجا ودستـــــــــورا" (14).
قلت: أليست "دعوة الحق" خير معبر عن النية والإرادة الجماعيتين لمسلمي العصر في قضية (الإعلام الإسلامي المعاصر)؟ بله أقول: وجاءت السباقة إلى كسب الرهان !! ذلك أنها أتقنت الإيفاء – مقدما – بتطلعات المؤتمر العلمي الأول للإعلام الإسلامي بأندونيسيا... يوصي ميثاق جاكرتا الدعاة بوصايا وتذكيرات، معها يقدم الفوز، حين "يلتزمون بنشر الدعوة الإسلامية وتعريف الشعوب الإسلامية بعضها ببعض والاهتمام بالتراث الإسلامي والتاريخ والحضارة الإسلامية ومزيد العناية باللغة العربية والحرص على سلامتها ونشرها بين أبناء الأمة الإسلامية... بتثبيت فكرة الأمة الإسلامية المنزهة عن الإقليمية الضيقة والتعصب العنصري والقبي واستنهاض الهمم لمقاومة التخلف في جميع مظاهره" (15).
ولجل هاتيكم الآفاق والامتدادات تصدرت "دعوة الحق" مرتبة رائدة كوثيقة مرجعية معتمدة تستقطب الباحثين وراصدي الحركة الفكرية في المغرب لهاته الفترة، فتتحفهم بالطريف الممتع واليقين الراسخ والتسجيل الدقيق، ولذلك من إشراقة بلد يكفيه فخرا بعث الأكاديمية العلمية "هذه التجربة الكبيرة التي ستكون مثمرة ما في ذلك شك نظرا إلى قيمة الرجال الذين تم اختيارهم وللأهداف النبيلة المحددة وللانطلاق المحمود الذي برز من أول الأمر" (16). كما وإنشاء المجالس العلمية بكافة مناطق المملكة (17)...
وبحوصلة لامة، نلمس، في يسر، البعد التسجيلي المطابق عين الواقع، لما أرسله الأستاذ الصديق عبد القادر الإدريسي – رئيس تحريرها – من أن المجلة في تطورها المتلاحق، لتتطلع إلى الإجادة والإتقان والإبداع في حدود الطاقات الخلافة للفكر المغربي الملتزم بالأصالة الدينية والسمو الأدبي ومعطيات البيئة المغربية في جوانبها الثقافية المشرقة" (18).
ومن منطلق الإحساس بالتعاطف والتحية، أجدني مدفوعا لبث خلجات هي إلى التناصح ألصق... ذلك أن تضايقا بدر من جراء الإسراف في استعمال الورق، إما بإبقاء مساحة شاغرة قد تصل إلى الصفحة الكاملة... وإما بالإفراط في تركيب العناوين، ولارتفاع سعر الورق، ولكون المجلة ملكا للمطالع، لا ينبغي الإعراض، بأي شكل، عن حقه في التماس زيادة حسن التصرف في تغطية الفضاء الورقي والضغط على حجم العنونة في اعتدال، ويعني كل ذلك: تدعيم تقنية الإخراج...
ومن هذا الضرب: لعل بذل لفتة أرحب نحو التنظير المركز بين المواد المجمعة في عدد واحد – وأمثل هنا بالأعداد الخاصة كعدد تنصيب المجالس العلمية – يعطي القارئ نفسا أدوم وشحنة موقظة أقوى، حيث أزيل من أمامه الإعادات على وتيرة واحدة، مستجابا لرغباته والميول، دون دوران في خصوصية ضيقة، أو اجترار جماعي لفكرة أو ظاهرة محددة وإن سمت... !
على أنه وإن تدافع أمثالي، بغية تمجيد نضال مجلة "دعوة الحق" الصامدة، في محاولة لتوسيع رقعة مجال ذكرها وتناولها، فإنه سرعان ما تهمس النفس لهذا المتدافع الجاد، مذكرة متمثلة بصدر بيت لعمر الخيام عن الورد وشذاه:
وكذا الورد – أمس – ذاع شذاه !
... غير أن شذا مجلتنا العبق: لقاح الأذهان الراغبة، وقوت القلوب اللهفي، وري التآخي من أجل النماء... ولا ضير علي وعليك – قارئي الكريم – إن اجتنابا هذا الشذا إليه، وإلى حيث مرياه الثر: المغرب الأقصى... فإنه:
بالمغرب الأقصى يهيم جناني
وأراه في الأعماق حيث يراني
حسناته تترى من (الحسن) الذي
بالفكر والخلق العظيم سباني (19)

1) معالم على طريق المستقبل – من خطب جلالة الملك الحسن الثاني – دعوة الحق ع 1 س 21 مارس 1980 ص 19.
2) نفس المصدر ص 20.
3) انظر (الفكر) س 3 ع 6 مارس 1958 ص 96.
4) انعقد بالقاهرة من 9 إلى 15 ديسمبر 1957 وموضوعه الأدب والقومية العربية.
5) بعثها بعصامية مثالية وإيمان فريد الأستاذ المفكر محمد مزالي – الوزير الأول حاليا كان أستاذا بالعاصمة، في ظروف مشجعة...
6) اختصت بالبحوث الدينية والأدبية، كان يحررها كبار علماء الزيتونة المعتدلين، وهي نصف شهرية، توقفت في جانفي 1905.
7) ولد ينغطة – جنوب تونس – عام 1293 – 1873 وانتقل إلى العاصمة ليتعلم بالزيتونة، ثم اشتغل بالقضاء والتدريس، هاجر إلى دمشق عام 1912 واستقر بالقاهرة سنة 1910 توفي بها عام 1958، مؤلف وشاعر، انظر عنه كتاب: محمد الخضر حسين، حياته وآثاره للأستاذ محمد مواعدة، طبع الدار التونسية للنشر سنة 1974.
8) "دعوة الحق" ع 1 ص 21 ص 104، مجلة السلام أول صحيفة وطنية مغربية، للأستاذ محمد العربي الشاوش.
9) "دعوة الحق" ع 9 س 20 شتنبر 1979 ص 53 – شعر: وجيه فهمي صلاح.
10) سورة الحجرات آ – 13.
11) سورة التوبة آ – 71.
12) "دعوة الحق" الافتتاحية: الإعلام الإسلامي: ع 9 س 20 شتنبر 1979.
13) "دعوة الحق" ع 1 س 21 مارس 1980 ص 84 (علال الفاسي).
14) نفس المصدر ص 10: ثبات وصمود لحماية الوجود، د. أحمد رمزي.
15) اقرأ نص القرارات والتوصيات ب "دعوة الحق" ع 6 س 21 أكتوبر 1980 ص 25 وما بعدها.
16) من مقال: أكاديمية المملكة المغربية – الأستاذ البشير بن سلامة – رئيس تحرير (الفكر) ووزير الثقافة بتونس – (الفكر) س 25 ع 9 جوان 1980 افتتحت دورة تأسيس الأكاديمية بفاس يوم 21 أبريل 1980، وللمزيد انظر "دعوة الحق" ع 2 س 22 أبريل 1980.
17) أعلن جلالة الملك الحسن الثاني عن تأسيس مجلس أعلى للمجالس العلمية في خطابه يوم 8 يوليوز 1972، ثم تلاحق – فيما بعد – تركيز مجالس ما إقليمية، اقرأ عنها:
"دعوة الحق" ع 1 س 21 ص 15 وما بعدها، و، ع 6 س 22 أكتوبر 1981.
18) "دعوة الحق" ع 1 س 21 مارس 1980، زاوية: هذا العدد
19) نفس المصدر السابق ص 107. شعر: محمد بن محمد العلمي. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here