islamaumaroc

المجلة الرائدة

  دعوة الحق

223 العدد

إنها المجلة الأولى في المغرب في عهده الجديد عهد الاستقلال، وقد كانت حقا مجلة رائدة، هذه الريادة التي تتجلى عندي من اختيار الشعار والعنوان.
وهو شعار دل على جسامة الدور الذي اضطلعت به من أول يوم، وهو عنوان ينم عن الغاية المقدسة التي توختها من أجل التصحيح والإصلاح وهي الدعوة بالحق وإليه.
وما أعظمها من دعوة خالدة تحمي وتقي من الباطل والضلال: (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون له بشيء...) "الرعد: 14" وقد كانت تحية المغفور له مولانا محمد الخامس للمجلة في عددها الأول حافزا لها على تحمل المسؤولية ونبراسا أضاء لها معالم الطريق الطويل في عهد الاستقلال وهو طريق البناء لهذا الاستقلال.
قال رضي الله عنه في تحيته للمجلة: "أصبح من أكد الواجبات المنوطة بنا في فجر نهضتنا الشاملة أن نضاعف عنايتنا بالناحية الروحية والفكرية، ونعمل على تحرير العقول من قيود والأوهام التي لا تتلاءم والمفهوم الصحيح لتعاليم ديننا الحنيف.
إن حرصنا على الاعتصام بحبل الدين والتشبت بمبادئه والسير على سننه ليعد أحد العوامل الأساسية في خروجنا من معركة الحرية ظافرين منتصرين، بالرغم عما اعترض سبيلنا من عراقيل وما منينا به من أهوال وخطوب، وسيظل عاملا أساسيا في تحقيق أهدافنا المنشودة كأمة تواقة على حياة راقية كريمة" (1).
لأنه للحفاظ على هذا الاستقلال ولصيانته لابد أن يكون بناؤه سليما وقويا، أسسه روح وثابة وفكر ثاقب وعقل نير وفهم صائب، وهذه أوصاف إنما تنسحب على عناصر البناء من رجالات المغرب الحبيب وأطره الفتية: عناصر مؤمنة مخلصة شعارها دينها الحنيف، وعملها الدائب لصالح البلاد دينها الشريف.
وكما كانت التحية الملكية للمجلة دعوة صادقة للالتزام بمبادئ ديننا، كانت مقدمتها أيضا مقدرة للمسؤولية واعية للدور الخطير الذي ينتظر هذا المنبر الجديد.
وهو التزام الحق مع الاستفادة من حضارة القرن العشرين: "إن الطريق الحق هي من جهة التمسك بأهداب الدين، والتحلي بالفضيلة، واحترام القيم العليا، ومن جهة أخرى، الأخذ بأسباب الحضارة، والاستفادة من علوم العصر وأفكاره وفلسفاته، بعد تمييز صحيحها من سقيمها، ولبابها من قشورها، ونافعها من ضارها" (2).
وقد صدر العدد الأول وما بعده من أعداد السنة الأولى وما تلتها من سنوات في المستوى الراقي من حيث المحتوى الرفيع إذ دلت مقالاتها وبحوثها على أصالة المغرب ونجابة أبنائه، فمغربنا مذكان وهو عريق: رجاله أعلام ومفكروه جهابذة، ولا ريب عندي أن مجلة دعوة الحق فضيلة وحسنة من فضائل وحسنات الاستقلال.
وحري بي هنا أن أشير إلى أن نعمة الاستقلال هي التي أتاحت الفرص لظهور البراعم وإبراز المواهب التي تبني وتصون هذا الاستقلال.
وقد كانت مجلة دعوة الحق ميدانا لعلمائنا وكتابنا اظهروا من خلاله نتاج عقولهم وبنات أفكارهم بغزارة ورصانة.
ولست مغالبا إذا قلت بأن كل مقال من مقالات السنة الأولى كان معلما من معالم الفكر النير وجوهرة من جواهر الكلم الطيب، كله دعوة وحكمة وموعظة حسنة ومجادلة بالتي هي أحسن.
ولنذكر على سبيل المثال مقال الزعيم المفكر علال الفاسي في العدد الأولى (3): "... لقد محنة أرادها الله. أيقظتنا من سباتنا، ونبهتنا من غفلتنا فتقدمنا نتساءل: ما هي الأسباب وما هو الدافع لسقوطنا ونهوض غيرنا؟
ما هي العوامل التي جعلت تلامذتنا بالأمس أساتذة لنا بل سادة يحكموننا؟ وهكذا وقف المسلمون – والمغاربة منهم – في مفترق الطرق، يبحثون عن الوسائل التي تعيدهم لما كانوا عليه من مجد ورفعة، وارتبك اتجاههم بين آثار الجمود ودعوة الجحود، وزادهم ارتباكا أن الغرب نفسه غير متفق في برامجه ولا في خططه، فله هو الآخر جموده متعدد الألوان والأشكال، وله هو الآخر جحود، مختلف الأنظمة والأوضاع".
وقد حلل الزعيم الراحل موضوع الجمود والجحود فكان موفقا رحمه الله إذ وضع النقط على الحروف فكأن انحراف المسلمين الذي تحدث عنه الزعيم وتنكبهم سواء السبيل يعود لتفشي داء الجمود مع جحود طبقة منهم.
وهو لعمري قول حق يذكرني بقولة الأمير شكيب أرسلان: "أضاع هذا الدين جامد وجاحد" (4) كما تحضرني أيضا في هذا الشأن حكمة الشيخ محمد عبده: "هذا الدين محجوب بالمسلمين".
وقد نشرت مجلة دعوة الحق الكثير الجيد من البحوث العلمية والفلسفية والأدبية مما جعلها مرجعا وثائقيا لا يستغنى عنه ودليلا علميا لكل راغب وطالب، وهنا يتبادر إلى الذهن ذكر تلك السلسلة الذهبية (5) من الردود المفحمة المفلحة، والمقولات البينة المؤمنة للدكتور تقي الدين الهلالي التي نشرها على صفحات المجلة خلال السنوات (3، 4، 8، 9، 10) من عمرها المبارك العديد والتي كانت نقدا بناء وردا رادعا للمتطاولين المدعين ودواءا للشاكين وقامعا للمشتكين.
ومما يزيدنا اغتباطا بمجلتنا الرائدة ويزيدنا اعتزازا بها أن دورها التثقيفي كان بارزا وفعالا، وهنا أشير بإكبار على الأستاذ محمد الحمداوي الذي خص المجلة في سنتها الثامنة والتاسعة بسلسلة ردود في موضوع ثقافة القرآن والثقافة العالمية.
وفي نظري وبدون مبالغة أن ردود (6) الأستاذ الحمداوي في موضوع ثقافة القرآن كانت القول الفصل في هذا الشأن، وحجتي أن كثيرا من الكتاب والمفسرين تاهوا في موضوع ذي القرنين مثلا، ولم يحالفهم التوفيق ولم يهتدوا للتفريق بين الإسكندر المقدوني وذي القرنين، ولكن حينما طالعت للأستاذ الحمداوي على صفحات دعوة الحق ردوده طمأنتني وأقنعتني أيما إقناع جزاه الله خير الجزاء وزاده توفيقا، وأخيرا أقول: هذا استعراض مني لبعض مراحل المسيرة العلمية والفكرية التي قطعتها وتقطعها مجلة المغرب الأولى وهو جهد المقل.
وما قلته عنها نزر يسير، وهذا اعتراف مني بالتقصير، ولكن عذري أن الكثير الطيب من فضائلها وأدوارها سيستغرق الكثير من الصفحات والصفحات... وهذا الذي أتركه لغيري.
فتحية على المجلة الرائدة في ذكراها الفضية.
1) دعوة الحق، سنة أولى، عدد 1، ذو الحجة 1376 – يوليوز 1957، صفحة: 3.
2) للأستاذ المكي بادو – صفحة: 6.
3) لا جمود ولا جحود، صفحة: 5.
4) لقد خانتني الذاكرة، فلست أجزم بأنها لشكيب أو لمحمد كرد علي.
5) وهي "نقد الموافق النفسية للتخطيط" و"دواء الشاكين وقامع المشككين" في 40 مقالا، وقد جمعت فيما بعد في كتاب تحت عنوان (دواء الشاكين وقامع المتشككين).
6) دعوة الحق 80، 90، وقد جمعت تلك المقالات مع أخرى نشرت بالمجلة وطبعت في كتاب منذ سنتين (في نطاق التفكير الإسلامي).
من توجيهات جلالة الملك الحسن الثاني

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here