islamaumaroc

التسامح البديع .. لا التعصب المقيت

  دعوة الحق

223 العدد

حينما ندعي أن الإسلام متسامح مع الأجانب عنه، وأنه لا رائحة للتعصب في تعاليمه الجوهرية، فإننا لا نستهدف الدفاع عن الإسلام.
فأي رجل له أدنى نصيب من العقل، لا يتخيل أبدا أن الإسلام في قفص الاتهام.
فالإسلام دين منسجم كل الانسجام مع الفطرة والمنطق، منسجم بنصوصه المحكمة ومقدمات منطقه الكبرى والصغرى.
فالمسامع المرهفة، والوجدان اللطيف، وحتى البداهة في بعض الأحيان. كل ذلك من العناصر التي تواكب وتؤيد منطقية الإسلام في غير تحرج ولا نشاز... ومن أسرار قوة الإسلام ومنطقيته، أنه – في أصوله الجوهرية الأولية، في وفاق كامل مع أصول الأديان السماوية السابقة السليمة من كل أي انحراف، ولكنه مهيمن عليها، ومقدم فيها، ورافع لوائها، فالقرآن الكريم يخبرنا عن أعظم الرسل الأول نوح عليه السلام، بأنه كان يكتفي بتبليغ ما أنزل غليه من ربه من غير أية محاولة إكراه.
فالله سبحانه وتعالى يخبرنا في خطابه الخالد من سورة هود الآية 28 عن ذلك بقوله: "قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وءاتاني رحمة من عنده، فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون"؟
فبالرغم مما هو مقرر عند علماء النطق الإلهي من أن الرسل يعلمون صدق رسالتهم بالضرورة، فإنهم لا يحاولون أبدا إلزام أي أحد بها.
يعلمونها بالضرورة لأنهم من أوسط أقوامهم، أي من أفضل أقوامهم في اتساع آفاق الفكر، وصدق المشاعر، وبعد النظر، والترفع عن كل إسفاف، فإذا ما أوحي إليهم، تأكدوا بصدق الوحي في منتهى اليقين. لما يرونه من آيات بينات لا نمت أبدا إلى ما ألفته البشرية من وسائل الغيبيات.
وجاء الإسلام ليبين لخاتم الرسل وأمته سر النهي عن الإكراه في الدين، لأنه مخالف على طول سنة الله في خلقه.
ومن شروط الدين الصحيح السليم: أن لا يصطدم بسنن الله في كونه، ولا بالمدارك العقلية السليمة، وكذلك هو الإسلام في تفاعله مع الفطرة والمنطق وسنن الكون.
فهو على هدي من ذلك، إذ أن الله سبحانه وتعالى صرح في القرآن الكريم بأن اختلاف الناس في معتقداتهم، من سنن الله في خلقه، قال تعالى في الآيتين: 118 – 119 – من سورة "هود" "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم". فما دام أن الله خلق الخلق مختلفا الفكر والنزعة والمذهب، فلا يكلفهم أبدا بضد ما خلقوا عليه، غير أن الله لم يعين لنا من يهتدي ومن يضل، إلا حينما بنص على ذلك كما نص على "أبي لهب وحمالة الحطب".
وفي نطاق ترك حالتهم كذلك، أمر الله سبحانه رسله بالتبليغ فحسب، والله يهدي ويضل من يشاء، أي بدون إكراه أي أحد على أي دين.
فعلى الرسل واجب الإرشاد والتبليغ، ولله شأن هداية الإيصال: إيصال هديه إلى قلب من يشاء لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون.
وقال تعالى في سورة "يوسف" الآية 103 "وما أكثر الناس ولو حرصت بمومنين".
وبهذه النصوص القرءانية المحكمة، علم المسلمون أنهم لا حق لهم في أي حقد أو اضطهاد لمن يكون على غير دينهم، بل عليهم أن يبادلهم كل مسالمة، ويحترموهم، ويعدلوا بينهم، ويتركوهم لمعتقداتهم، وشرائعهم، من غير إقلاق، ولا إحراج.
وعليهم أن يتجنبوا كل نوع من أناع الإكراه على دينهم.
فبينما كان رؤساء الأديان الأخرى – في أكثرهم – يأمرون أتباعهم باستعمال أشد طرق الإكراه للحمل على دينهم، ولو اقتضى الحال، إزهاق أرواحهم، وسلب أموالهم، وسبي نسائهم وأولادهم، نرى الإسلام ينهى متبعيه عن كل وسيلة من وسائل الإكراه.
ففي سورة البقرة آية 256 يقول محكم القرآن: لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي" وفي سورة يونس الآية: 99 – يخاطب الله خاتم المرسلين بقوله: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين؟".
أي أن هذا ليس في استطاعتك، ولا أنه داخل في نطاق رسالتك، فبشرهم، وأنذرهم بدون إكراه.
هكذا سار الرسول الأعظم على هذا المنهاج الإلهي، وسار أصحابه الفاتحون من بعده، فبن الخطاب رضي الله عنه، ينص "عهده" لأهل القدس على أنه: "أعطاهم الأمان لأنفسهم، وأموالهم، ولكنائسهم، وصلبانهم... أن لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن "بالياء" معهم أحد من اليهود"، انتهى باختصار من الطبرى: تاريخ الأمم والملوك...
بل أن ما له غير المسلمين من حرية في ظل الإسلام وحمايته، لم ينله المسلمون. ولن ينالوه أبدا الآبدين. ذلك أن أي شيء تبيحه شريعة أهل الكتاب، لا يتعرض لهم فيه، فلهم أن يشربوا الخمور دون خشية إقامة الحد عليهم، ولهم أن يأكلوا لحم الميتة والخنزير، وهم متساكنون مع المسلمين، بل إن "أبا حنيفة" يحكم بتغريم المسلم إذا أهرق خمر من أهل الكتاب، أو أتلف له لحم خنزير. فيوجب عليه أن يدفع قيمة ما أتلف.
وفي ذلك منتهى التسامح والإكرام والاحترام لغير المسلمين في ظل الحكم الإسلامي، وفي مجال مناقشة أهل الكتاب، يأمر الله المسلمين بهذا الخلق المنتهى في الروعة والسمو.
ففي الآية 125 من سورة النحل "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" ويتأكد هذا الخلق، الكريم في الآية: 46 من العنكبوت "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا، ءامنا بالذي أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون".
ويرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى سلوك المعاملة معهم خير إرشاد وأكرمه فيقول لنا في سورة الممتحنة آية "8" وآية 9... "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون".
ففي هاتين الآيتين توصية بالعدل والبر الذي هو فوق العدل.
فالبر منبع العطف والحنو، وإرادة الخير، فأي تسامح أكثر من هذا؟ وأي بر أكثر من هذا؟ إنه السمو الخلقي القرآني في منتهى آفاقه، فكيف يتخيل أي عاقل أي تعصب، أو حقد، في تعاليم الإسلام، والنصوص الإلهية المحكمة في منتهى البيان والوضوح والإشراق؟
روى أن غلاما لابن عباس، ذبح شاة فقال ابن عباس "لا تنس جارنا اليهودي، ثم كررها حتى قال الغلام: كم تقول هذا" فقال ابن عباس: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصانا بالجار حتى خشينا أنه سيورثه".
كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "تصدقوا حتى على أهل الأديان كلها" وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحضر ولائمهم، ويعود مرضاهم، ويكرمهم حتى روى أنه لما زاره "وفد نجران" فرش لهم عباءته، وأمرهم بالجلوس عليها ! وكان يقترض من اليهود، وله في صحابته غنى عنهم. ولكن يفعل ذلك إرشادا لأمته. وتعليما لها لأن يلاطفوا جميع أهل الأديان.
نعم إن التسامح الإسلامي المنافي لكل تعصب وحقد وبغض مع أهل الأديان الأخرى. قد اعترف به كثيرون من كتاب النصرانية في مختلف العهود.
والشيء المهم الذي يجب استخلاصه من هذا التسامح الإسلامي العجيب، أنه ليس من مواهب المسلمين، ولا هو من كسبهم، ولا كان، ولن يكون ذلك في استطاعتهم أبدا.
فالطبيعة البشرية مفطورة على التعصب للسلالة من قريب أو بعيد.
مفطورة على التنافس، والصراع والأحقاد، والانتقام، والجفاء، إلى غير هذه الغرائز من جانبها المادي.
إذا فمنطلق الأخلاق في العالم الإسلامي، ومنبعه: الخطاب الإلهي المحكم، تفاعل مع الروح البشرية فسما بها إلى أعلى قمة الأخلاق في عالم الإنسان. وفي ذلك دلالة قاطعة على أن هذا الدين الإسلامي ليس من صفاء سريرة صاحبه عليه الصلاة والسلام. ولا من روحانيته العالية. ولا أنه تلقاه من أي بشر، ولا أنه نتيجة أي مطالع. أو أي أماني. وغير ذلك مما هو مألوف في قادة البشرية وزعمائها.
بل أن هذا الدين من فاطر السماوات والأرض وما بينهما. يعلو. ولا يعلى عليه. وما بقول البشر. كما اعترف بذلك القرآن الكريم غير زعيم من زعماء العروبة وفارس من فرسانها.
فلقد خبر فحول اللغة العربية كل فنون الأقوال والمعاني، فما وجدوا للقرآن الكريم ما يماثله. ولا ما يشابهه. أو يقاربه.
قال: "عتبة بن ربيعة" وقد سمع آيات من "فصلت"
"والله لقد سمعت قولا ما سمعت مثله قط".
"والله ما هو بالشعر. ولا بالكهانة. ولا بالسحر".
"يا معشر قريش، أطيعوني فاجعلوها لي".
"خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه. فاعتزلوه...".
"فوالله ليكونن لكلامه الذي سمعت نبأ...".
أرأيتم كيف اعترف أحد فرسان الفصاحة والبلاغة والخبرة بفنون الأقوال والمعاني بأن النطق الإلهي لم يكن مألوفا. ولا معروفا في عالم العروبة كما قال نظائره: أنه ليس من قول البشر؟
إنه من هذا الينبوع الحق شعت مكارم الأخلاق، فسمت بأهلها إلى أقصى قمم النبل الإنساني. قلق: إلى عرض هذه الجواهر الإسلامية وأسرارها المتنوعة التي لا يرقى إليها الفكر البشري. على "مجلة دعوة الحق" أن تتفرغ للقيام به لتؤدي رسالتها الإلهية بين عالم البشرية كله المتطاحن على تفاهة متاع الحياة الدنيا إرضاء أنانيته التي يستحيل إرضاؤها مدى الحياة. بكل ما احتوته بطون الحياة.
عليها أن تتفرغ لذلك، تاركة المجالات الثقافية والإعلامية لذوي الاختصاص والهواية. ولن يتم لها ذلك إلا بوسيلة جهاز تحريري متنوع الاختصاص في أسرار هذا الدين العالمي. على اعترافي الصادق بأن إصدارها في منهجيتها القيمة الحالية. يعد من غرائب الإصدار في عالم الصحافة ووسائل الإعلام.
شخص واحد. هو الأخ الكريم الأستاذ عبد القادر الإدريسي يقوم بإصدارها مسيرا جميع جوانبها. وفي ظروف غير موفرة للاطمئنان والهدوء الضروريين. إن هذا لشيء عجاب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here