islamaumaroc

اتجاهات المسرح المغربي في مجلة دعوة الحق خلال 25 سنة

  دعوة الحق

223 العدد

إن الحديث عن المسرح المغربي في مجلة "دعوة الحق" خلال مسيرتها 25 سنة، يعتبر من المواضيع المسلم في العثور على عدد لا بأس به في أعداد المجلة، إذا عرفنا أن المغرب عرف حركة مسرحية قد حدد أغلب المتحدثين عن المسرح المغربي بدايتها بقدوم فرقة فاطمة رشدي، ولكن رغم النشاط المسجل في تاريخ الحركة المسرحية المغربية نجد قليلا من المراجع في هذا الموضوع، ومن هنا لا نتعجب إذا عثرنا على بحوث أو مقالات قليلة بين أعداد المجلة خلال 25 سنة، لكن هذا يعني أن المطروق من المواضيع ليس له قيمة أو مكرورة، بل العكس، فإن المطروق منها والمنشور فيها يبرز اتجاهات مسرحية، عرفها المغرب، وإن كانت هذه الاتجاهات حتى الآن لم تأخذ طريق الدراسة التعمقية لإبرازها وخلق منها مدارس مسرحية، باستثناء بعض الدراسات التاريخية الأكاديمية نذكر منها دراسة حسن المنيعي، دراسة حسن الطريبق، دراسة مصطفى عبد السلام المهماه، دراسة مصطفى فاضل، عبد الرحمان ابن زيدان.
نعود فنقول بأن ما نشر بالمجلة هو نواة لدراسة موضوع أو بحث نسميه (الاتجاهات المسرحية) في مجلة "دعوة الحق".
إذن، يمكن القول أن المواضيع المطروقة في "دعوة الحق" اتخذت الاتجاهات التالية من حيث الدراسة للمسرح عامة.
1- اتجاه في دراسة سكشبير ومسرحه بصفة شاملة، ونجد هذا الاتجاه تناوله كل من الأستاذ ابن تاويت في العدد الثامن من السنة التاسعة، صفحة (49) وعند عبد اللطيف الخطيب في العدد السابع، السنة السابعة الصفحة (22) سنة، وعند سلامة بولس في العدد الرابع السنة الثالثة صفحة (65)، وعند حسن المنيعي في عرضه لكتاب فرانسو كارير، العدد الأول، السنة العاشرة الصفحة (40).
2- اتجاه المسرح الكلاسيكي، وهذا لا يبتعد عن السابق حيث نجده عند عباس الجراري في دراسة نشرها عن المسرح الكلاسيكي في العدد السادس السنة السابعة صفحة 52.
3- اتجاه المسرح اللامعقول، مثل دراسة المسرح اللامعقول ونقاد القاهرة، للدكتور عباس الجراري في العدد السابع السنة السابعة صفحة (28)، ودراسة عن المسرح اللامعقول بين العبثية والنقد للدكتور مبارك ربيع، في العدد السادس والسابع، أو السنة العاشرة صفحة (140).
إن الدراسات السابقة كانت كلها متجهة إلى دراسة أعمال العظماء والمسرح الأجنبي، سواء في وطنه الأصلي أوربا وأمريكا، أو خارجه في بلاد عربية، ومن هنا نلاحظ أنه بذلا من الاتجاه إلى تاريخ وتقييم حركتنا المسرحية الفتية التي ابتدأت قبل الاستقلال، والتي لا ينكر دورها في محاربة الاستعمار بتوعية المجتمع، وبعد الاستقلال حيث اتخذت طريقا جديا بظهور أطر مسرحية تلقت دراسة أكاديمية في المسرح وتداريب في الخرج والداخل، ومن هنا يتبين التأخر الذي أصاب الاهتمام بدراسة وتاريخ المسرح المغربي، ولم تظهر محاولة جمع شتات تاريخ المسرح المغربي إلا بعد سنوات ونطرح هذا السؤال.
هل أن تأخير ودراسة المسرح المغربي منع ظهور اتجاه أو اتجاهات في المسرح المغربي؟
إن جوابنا سيكون من ما نشرته مجلة "دعوة الحق" من مسرحيات، ودراسات، ومنها سنحدد الاتجاهات الخاصة بالمسرح المغربي المنشور في المجلة.
1- اتجاه المسرح الهزلي أو الضاحك، وهذا النوع كان سائدا في المغرب وما زال، حيث اتخذ في السابق فصل هزلي عند كل عرض مسرحي، يكون عبارة عن فرجة للترفيه عن المتفرجين، وقد تكون مواضيعه نقدية ساخرة، أو وعظية، ويتبين من الجرد الذي أجريناه على مجلة "دعوة الحق" خلال 25 سنة، أما أول مسرحية هزلية في فصل واحد والتي جعلناها هي أول اتجاه مسرحي نشرته "دعوة الحق" في مسرحية (أحلام) من تأليف الأستاذ عبد القادر المقدم، نشرت في العدد الخامس، السنة الرابعة صفحة (92).
هذه المسرحية مكتوبة بلغة عربية فصحى، وموضوعها:
الزوجة المؤمنة بالتغير في الحياة والتطلع نحو حياة أفضل، والزوج القنوع بوضعه ولا يريد تغييره، إلا بالحلم بدلا من العمل وبذل الجهد للوصول إلى وضعية أفضل.
وقد سار الكاتب في كتابتها باستخدام كل وسائل الإقناع والتوجيه من شعر، وبعض قواعد النحو وحكم الفلاسفة، وأمثال شعبية.
نقدم للقارئ فقرات من المسرحية ليتضح لنا ما طرحه الكاتب من أفكار.
كريمة (في ذهاء) كل الأشياء في هذه الدنيا تنالها يد التغيير إلا أنت يا صابر فلا تزال كما عهدتك منذ الساعة التي تلاقينا فيها على عادات رتيبة وأحوال متشابهة لا تحويل فيها ولا تبذيل... كأنني وإياك تمثلان في متحف الفراعنة... آه يا صابر أنا ضحية هذا الإهمال.
صابرا، (متأثرا) ماذا تنتظرين مني أن أفعل إني كما تعلمين، أصرف أوقاتي في العمل... أجاهد سحابة نهاري وأسهر طرفا من الليل سعيا وراء غاية واحدة هي حفظ توازن أسرتنا وحذاري من تقلبات الحياة.
كريمة – أنا موقنة من أن الدهر لا يهمه من أمرنا شيء كفى ما نحن عليه من الخمول...
فليله لا يختلف في شيء عن نهاره... وكل شيء فينا وحولنا يحتفظ بلونه وشكله كما تحتفظ "نعم" و"بئس" بوزنيهما وصيغتهما من عهد سيبويه، والكسائي...
صابر – ألا يرضيك أن أكون رجلا عاديا يعمل ليوفر له ولعائلته مؤونة العيش؟ فيسلم الناس من شره ليسلم هو من شررهم؟
كريمة – أنا لا أقر هذا المبدأ – المهم أن تجارى الحياة...
صابر – لعلك تضربين على وتر الشاعر الذي يقول:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما
يرجى الفتى كيما يضر وينفعا
كريمة – ليست أول ولا آخر من جرب الفشل.
قال أحد الفلاسفة "لا بد من عبور قنطرة الفشل لمن يتوق إلى النجاح".
صابر – سترين عما قريب أي مغامر أنا.
تستمر كريمة في تحريضه على محاربة الحياة لتغيرها، ويقتنع اقتناعا وقتيا، مع استمرار في حمله بلقائه مع صديقه حيث يشتكي له:
صابرا – (متأثرا) أنت تعلم أنني رجل خامل، وقد ورثت هذا عن الآباء رحمهم الله إذ كنا نسمعهم يريدون هذه العبارة "الخمول نصف السعادة" فنشأنا محبين لهذا المبدأ، ولكن سرعان نا انقلبت الأوضاع وتغيرت الأصول وتبع ذلك تغير شامل لمفاهيم الكلمات ومضامين العبارات... وها نحن اليوم نرى الخمول أصبح نصف الشقاء.
يستمر في الحلم مع صديقه في ركوب الطائرة والباخرة والمال الكثير... وهو متشكك في كل ما وصل إليه بهذه السرعة والتمتع بالحياة... يستيقظ صابر على صوت زوجته.
كريمة: تعد الإفطار وتردد كلمات أحلام أيا أحلام يا... يا... صابر... صابر... قم وقت العمل يقترب... من هذه التي تحلم بها يا ظالم؟ أهذا أنت؟
صابر: (يستيقظ يتمطى)... أنا... أنا... أعود بالله من الشيطان الرجيم... إنها فتنة الأحلام لقد صدق ظني.
2- الاتجاه الشعري، هذا الاتجاه كما هو واضح من عنوانه يعتمد على التفعيلة والوزن، وقد عرفه المسرح المغربي كذلك منذ الأربعينات إلا أنه قد درس مؤخرا دراسة أكاديمية لنيل دبلوم الدراسات العليا من طرف الأستاذ حسن الطريبق، وساهم في تطويره العديد من المبدعين كأحمد بنميمون...
المهم يبدو من جردنا لأعداد المجلة أنها قد عرفته خلال مسيرتها الثقافة حيث نشر الأستاذ علال بن الهاشميي الفيلالي، في العدد الرابع والسادس والسابع والتاسع والعاشر من السنة العاشرة في صفحات 126 و103 و107 مسرحية شعرية عن "ابن زيدون" في أربعة فصول فيها قصة الشاعر الأندلسي الشهير ابن زيدون مع ولادة بنت المستكفي وهي مكتوبة بطريقة الشعر العمودي الموزون والمقفى.
نقدم هذه الفقرة من المسرحية وهي الفصل الرابع المشهد الثالث والتي تبرز موقفا من المواقف الصعبة لابن زيدون في حواره مع حبيته ولادة...
ابن زيدون في دهشة وفرحة:
أحقا ما أرى
هل أنا في يقظة أم في منام
ولادة: ابن زيدون يا أعز حبيب
عائشة المغربية:
"ابن زيدون" يا بني وروحي
ابن زيدون:
جئتما فرحة لقلبي، ونورا
لجفوني، وبلسما لجروحي
جئتني "يا ولادة" كصباح
زحزح الليل عن حياتي الحزينة
ولادة:
يا بن زيدون يا ربيع شبابي
حبك الغالي واجب أن أصونه
ابن زيدون:
أنت حبي، وأنت ربة شعري
أنت لحني، أصوغ منك رنينه
حجبتني الغيوم عنك، ولكن
جعل القلب من غرامك دينه
ظلموني، فالحزن أدمى فؤادي
يسمع السجن في الظلام أنينه
شيع الحاسدون أني مريب
ووشوا للحميد جورا وظلما
غير مجد ما صغته من قصيد
لم أجد في العميد عطفا وحلما
حدوني على هواك، وكادوا
كل كيد وبالغوا في الخيانة
وخلا الجو، فانبرى كل وغد
لك يبدي غرامه وحنانه
لا تحيدى عن الهوى ففؤادي
حفظ العهد في الغرام وصانه
أين في النادي من يشابه فتى
في اقتدار، وفي حلاوة جرس
أين فهم من يدرك اليوم شأوى
في نبوغ، وفي كرامة نفس
* * *
في دمي ثورة على الكفر تغلي
وبحب الإسلام داني فؤادي
كل يوم يزداد صف الأعادى
في اتحاد، وصفنا في تعاد
إن هذا إذا رأوه عقوقا
لبلادي فيا ضياع بلادي
ولادة: يا بن زيدون
ابن زيدون: ها أنا
ولادة:
صاق صدري
كما تقاسي من الأسى والبعاد
لم يلن شعرك الجميل قلوبا
كصخور تسيء للأخلاق
حيل الكفر لو عمدنا إليها
صرت حرا وضاع كيد العداة
ابن زيدون:
اسمعي يا ولادة أنا حر
رغم أني سجين جور الحياة
إن سجني، وإن ضر بذاتي
هو أجدى لفكرتي واتقادي
كل حر سيبلغ القصد، مهما
خانه الحظ، ورغم كيد الأعادي
ولادة، أنت إنساني، ولكم رويدا
ليس هذا مصير كل نبيل
ابن زيدون: ظلموني...
ولادة: ظلموني وفي فرارك منهم
أسوة الهجرة التي للرسول
ابن زيدون: كل ما تنطقين صدقا، ولكن
كيف أنجو
ولادة: كل ما تنطقين صدقا، ولكن
وذاك يسير
3- اتجاه تاريخ المسرح المغربي، يأتي ظهور هذا الاتجاه على صفحات المجلة بعد سنوات من اهتمام نفس الكاتب بنشر أعمال عن شكسبير حيث نشر في العدد الثامن من السنة الثانية عشرة، بصفحة (145) بحث بعنوان "نظرة على المسرح المغربي منذ أربعين سنة" للأستاذ حسن المنيعي، في العدد الثامن من السنة 12 بصفحة (145)، وبدون شك فإن هذا البحث شكل فيما بعد الجزء الهام من الرسالة الجامعية التي قدمها الأستاذ حسن المنيعي لنيل شهادة الدكتوراه، بعنوان "أبحاث في المسرح المغربي".
في نفس الاتجاه نشرت المجلة مؤخرا بحثا بعنوان "نشأة المسرح المغربي" "للأستاذ محمد بن العلمي حمدان".
4- الاتجاه الدرامي، هذا الاتجاه لم يظهر على صفحات المجلة إلا مؤخرا حيث نشرت مسرحية في فصل واحد في العددين السادس والسابع سنة 1978، بصفحة (111) لأستاذ أحمد عبد السلام البقالي، تحت عنوان: "تصفية حساب" مكتوبة بأسلوب نثري تدور أحداثها بين شخصين لكل واحد منهما حساب مع الآخر، يريد تصفيته، وموضوعها اجتماعي.
نقدم هذه الفقرة من المسرحية.
عزوز: (يتنهد متأثرا) السي الشرقي... مادمت قد فتحت لي قلبك، وأعلنت ثوبتك عن ذنبك، وطلبت مغفرتي، فأنا الآخر عندي ما أعترف لك به، فأنت في الحقيقة لم تكن إلا آلة مسخرة في يد الأقدار لتحويل مصيري، وإيقاظ ضميري... العقوبة التي حكم بها على بشهادتك ظلما كنت أستحقها، وأستحق أكثر منها.
الشرقي: كيف؟ ماذا تقول؟
عزوز: كما تسمع... ولكن ليس على قتل ذلك الغلام، بأني بارئ من دمه كما قلت لك، ولكني مذنب في حق مجموعة من الأيتام تركني أبوهم وصيا ووكيلا عليهم، للصداقة التي كانت تربطني به... واستحلفني على فراش موته، وهو على باب لقاء ربه أن أكون لأبنائه التسعة مكانة هو، فأقسمت له...
ومات الرجل وترك في يدي ثروة طائلة... واعترف لك، أن الشيطان لعب بضميري بمساعدة أحد القضاة المجرمين، فأسأنا التصرف في أموال اليتامى التسعة... ولم يكبروا حتى وجدوا ثروة أبيهم قد تبخرت...
الشرقي: يا إلهي...
عزوز: وحين نزل على ظلمك كالصاعقة، كانت الفكرة الوحيدة التي تخفف من شعوري بذلك الظلم هي أن هذه العقوبة من الله على ظلمي أنا لأولئك المساكين وقد منعني الكبرياء والخوف حتى بعد خروجي من الحبس، من الاعتراف لأبناء صديقي بذنوبي، وطلب غفرانهم... ولكن مجيئك عندي هذا الصباح، واعترافك لي بذلك في حقي، جعلني أفكر جديا الاعتراف لأبناء صديقي بذنبي وليكن ما يكون...
فالأحسن كما قلت أنت، مواجهة العقوبة في هذه الدنيا، على الوقوف أمامهم غدا يوم القيامة، وأنا مدين لك بهذا القرار... وأشكرك عليه، وأسامحك على كل ما صدر منك...
5- اتجاه تاريخ المسرح الإسلامي برز هذا الاتجاه على صفحات المجلة مؤخرا في محاولة لتأريخ تاريخ المسرح الإسلامي في المغرب، من طرف الأستاذ زين العابدين الكتاني، في بحثين نشرا في العدد التاسع من السنة الواحدة والعشرين، والعدد الرابع من السنة الثانية والعشرين في الصفحات (22) و(114) تحت عنوان: "بوادر المسرح الإسلامي بالمغرب".
وبعد:
لقد تبين لنا من خلال ما قدمناه بأن الاهتمام بالمسرح المغربي لم يبدأ إلا في سنوات متأخرة مما جعل الخزانة المسرحية المغربية فقيرة إلى حد أن ما بها من الكتب يعد على أصابع اليد، رغم ما لهذا الفن من هواة، ولكن رغم ما أصاب المسرح من تأخر في كتابته، فإن هذا لم يمنع كما قلنا من ظهور بوادر اتجاهات مسرحية، سواء على صفحات مجلة "دعوة الحق" خلال مدة 25 سنة، أو على صفحات مجلات أخرى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here