islamaumaroc

له دعوة الحق.

  دعوة الحق

223 العدد

تقوم الحضارة على أساس ازدهار العلم، وتقدم المعرفة، وحرية الفكر، وتعتبر الصحافة الأدبية والدينية قنوات أساسية لتوصيل الأفكار والآراء والاجتهادات إلى القاعدة العريضة من المواطنين، وكلما أحسنت الصحف والمجلات أداء رسالتها، ووقفت إلى ذلك توقيفا تيسر خلق نهضة فكرية وثقافية تنشيط الدورة الأدبية في سراديين المجتمع، وتجدد الدم، وتنعش العقل والقلب والوجدان.
ولقد اقترنت نهضات الأمم، منذ أقدم العصور بمدى فعالية الأجهزة المفكرة ذات التأثير البالغ في الرأي العام، ونحن نذكر على سبيل المثال لا الحصر، وتوضيحا للصورة، ما لعبته اليقظة العقلية في مستهل القرن الميلادي الحالي من دور أساسي في المشرق والمغرب، في سبيل تهيئة المناخ السياسي والاجتماعي لتقبل الأفكار الإصلاحية والدعوات التجديدية التي التف حولها، منذ أزيد من قرن الصفوة المختارة من أبناء هذه الأمة.
وإني لأذكر، ونحن نحتفل بالذكرى الفضية لمجلة رائدة، كيف تصديت للكتابة في هذا الموضوع منذ أربعين سنة مفتتحا سلسلة مقالات في العدد الأول من مجلة (رسالة المغرب) في مطلع الأربعينيات التي كان يصدرها آخي ورفيقي في الكفاح الرائد الكبير الأستاذ محمد غازي.
كنت أكتب، تحت عنوان (رسالة المغرب) نظرات وآراء وأفكارا واستنتاجات وتحليلات أردت بها معالجة قضية شغلتنا ولا تزال تلح على الفكر الوطني، وأعني بها دور المغرب عبر التاريخ وخصائص رسالته الحضارية، وكنا نجد في العمل الصحافي، وسط ظروف غير ميسرة، المتنفس لإبلاغ رؤيتنا الإسلامية العربية إلى أهلنا الخاضعين يومئذ للهيمنة الاستعمارية المحكمة، وأستطيع أن أقول، وقلبي ملئ بالثقة واليقين، أن الصحافة الفكرية والأدبية في عهد الحماية نهضت بعبء ثقيل وساهمت بدرجة متفوقة في التمهيد لما كنا نهيئ أنفسنا له من أدوار على ساحة الكفاح الوطني دفاعا عن سيادتنا وكرامتنا ووحدتنا الترابية.
وأشرق فجر الاستقلال الوضاح، وتهيأت البلاد للبدء في مواجهة جديدة مع رواسب العهد البائد، وكان من جملة ما استعانت به مجلة أنشأها ملك البلاد لتكون منبرا للتحرير الفكري والاستقلال الثقافي والخلاص الروحي من مخلفات مرحلة استثنائية في تاريخ المغرب غاب فيها العقل المؤمن وساد خلالها الجهل المطبق.
وكذلك، تحملت (دعوة الحق) نصيبها الموفور من أعباء بناء المغرب المستقل، مستمدة من توجيهات بطل الحرية والاستقلال حافز التواصل والاستمرار والدأب، حتى استطاعت أن تستوي في الساحة الفكرية مجلة كاملة العدة تذود عن الحق وتدعو إليه عن بصيرة وهداية وعلم، فاكتسبت ثقة الجميع، ونالها من حظوظ النجاح النصيب الأوفر، فتمكنت، وترسخت، وذاع صيتها، وانتشرت في الآفاق بشيرة خير، وسفيرة حضارة عريقة ضاربة في العمق هي المغرب بكل جلال تاريخه وعظمة دوره في الفكر والثقافة، وفي الأدب واللغة، وفي النحو والفقه، وفي التاريخ والشعر، وفي الجهاد والفتح، وفي الحضارة والتقدم، حتى صرنا اليوم نذكر (دعوة الحق) فيتمثل لنا جهاد ثقافي موصول وعطاء أدبي موفور وإسهام في التجديد والتنوير ملحوظ.
لقد حددت مقاصد (دعوة الحق) في أول عهدها بالصدور، فلم تترك للمصادفات والارتجال، ولكنها التزمت بخط فكري مستقيم، وبرسالة إعلامية سامية، تعبر بها عن أصالة هذا الوطن، وجذوره الإيمانية وانتمائه الدينية والقومية، وتطلعاته القارية والدولية.
وإشعاعاته عبر العالم هداية وتنويرا، دفاعا عن الحق وانحيازا إليه، فكان أن اجتمع حول (دعوة الحق) المغربي والجزائري والتونسي، والمصري والسوداني والشامي والعراقي، وأبناء الجزيرة والخليج، وقادة الفكر وإعلام البيان ورجال الدعوة والإصلاح من باكستان والهند، ومن سمرقند وبخارى، ومن تركيا وإيران، ومن أوربا والأمريكتين، على مدى ربع قرن، في ألفة وود، وفي إخاء وصفاء، تعاونا على البر والتقوى، في مضمار إحياء الفكر الإسلامي وإنعاش الأدب العربي وازدهار الثقافة الإنسانية الحرة بعيدا عن الأهواء والأغراض، وفي منادى عن شطحات العقل وأوهام النفس، وبذلك أضحت هذه المجلة مدرسة في الصحافة الإسلامية والإعلام الثقافي ذات أصول وتقاليد، يشهد لها بالريادة القاصي والداني.
أن (دعوة الحق)، وهي تشق طريقها اللاحب، تضع أمامها ثلاثة معالم مضيئة:
أولا: الكلمة السامية لجلالة الملك المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه التي صدرت العدد الأول الصادر في مثل هذا الشهر من سنة 1957.
ثانيا: المقال الهام الذي كتبه للمجلة ولي العهد الأمير مولاي الحسن ونشر بالعدد الثاني من نفس السنة.
ثالثا: الكلمة التاريخية المؤثرة التي خص بها جلالة الملك الحسن الثاني المجلة لسنة 1973 بمناسبة الدعوة الرائدة إلى البعث الإسلامي.
ويأتي على رأس هذه المعالم المنيرة التي تهتدي بها دعوة الحق وسيكون لها بالغ التأثير في مسيرة المستقبل بإذن الله هذه الرسالة البليغة المعنى، البالغة التأثير، التي أبى جلالة الملك – وهو يواجه مسؤوليات الدولة الجسام وأعباء البناء والتنمية والدفاع والتوجيه – إلا أن يوجهها إلى الأمة الإسلامية، وهي على عتبة القرن الهجري الجديد ترشيدا لها وتقويما، وهداية وتنويرا، وتصحيحا وتصويبا لعمل اليوم والغد إن شاء الله.
وفي هذا الإطار، وعلى مدى هذه المشاعل الملكية التي تشع مشاعر وإحساسات وعواطف مولوية طافحة بالحب والتقدير، تواصل (دعوة الحق) أداء المهام المنوطة بها في الحياة الثقافية تبصيرا بحقائق الدين الحنيف، وتبشيرا بقيم ومثل انعقد حولها الإجماع، ودعوة إلى الاستقامة في الفكر، والموضوعية في التحليل، والإنصاف في الحكم، والدقة في المعالجة، والروية في الفهم، والإخلاص في الكتابة.
وتستشعر (دعوة الحق) جسامة هذا العبء، وثقل هذه الأمانة، ولكنها لا تتوجس خيفة من المضي في هذه السبيل ولا تتردد مواصلة عملها يشد من أزرها كتابها وقراؤها معا، ويقوي من عزيمتها ثقة الرأي العام الأدبي في المشرق والمغرب.
فهنيئا لقراء (دعوة الحق) بالعيد الفضي لمجلتهم، وهنيئا لكتابها الأفاضل بذكرى مرور خمس وعشرين سنة على مجلتهم ومنبر أفكارهم وملتقى آرائهم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here