islamaumaroc

القرآن كلام الله.-2-

  دعوة الحق

223 العدد

في هذه الحلقة الثانية نواصل الحديث عن القرآن الكريم بصفته كلام الله وكتابه المبين. ومواصلة الحديث في هذا الموضوع. تقتضي البحث في نقطتين هامتين: أمية محمد (ص) ثم الوحي.

أولا: أمية محمد عليه الصلاة والسلام:
للأمية معنيان ينبغي تحديدهما:
أول المعنيين: يراد به الجهل بالقراءة والكتابة. وهو المعنى المعروف المتبادر إلى الذهن. والأمي على هذا. إما منسوب إلى الأمة. أي الجماعة أو الغوغاء أو سواد الشعب الذي غالبا ما يكون جاهلا بالقراءة والكتابة. وإما منسوب إلى الأم بالفطرة الأولى التي فطر عليها الإنسان عندما ولدته أمه. ومن المعلوم أن المولود – في أولى مراحل طفولته المبكرة – يكون عاجزا حتى عن الكلام. فهو من باب أولى وأحرى عاجز عن الكتابة والقراءة. وكيفما كان الحال. فالنبي (ص) لم يكن يعرف القراءة والكتابة. وكذا مجموع القبائل العربية بشمال (1) شبه الجزيرة العربية، فقد كانت غالبيتهم تجهل القراءة والكتابة. عدا أفراد قليلين تعلموهما. ولم يكن محمد بن عبد الله بينهم.
لقد ورد وصف النبي (ص) بالأمي في عدة آيات من كتاب الله العزيز:
ففي سورة الأعراف 157 (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يامرهم بالمعروف، وينهون عن المنكر...) وفيها أيضا الآية 158 (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يومن بالله وكلماته).
وورد وصف العرب بالأميين. لأنهم اشتهروا بين الأمم بالأمية، أي بعدم معرفة القراءة والكتابة. قال تعالى في سورة الجمعة 2 (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وإن كانوا من قبل في ضلال مبين).
وثاني المعنيين: يراد به عدم الإحراز على كتاب سماوي. فالأميون على هذا المعنى. من ليسوا يهودا أو نصارى. وهم مشركو العرب الجاهليون. وقد ورد هذا المعنى في سورة آل عمران مرتين: إحداهما في الآية 20 (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين: أسلمتم؟) وبما أن العطف يقتضي المغايرة فعرب الجاهلية هم الأميون الذين لم يكونوا قد أمنوا بالكتاب السماوي (القرآن). والأخرى في الآية 75 (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) والقائلون هنا هم اليهود الذين رضعوا – حتى التخمة – لبان الأثرة والتعصب الأعمى. فلم يكن مدى إبصارهم يجاوز أرنبة أنوفهم.
هذا، وتنزيل القرآن على النبي الأمي يعد أكثر دلالة على أنه من عند الله. وأظهر إعجازا. وأقوى تحديا للعرب الذين عرفوا بين الأمم القديمة، بالإعراب والفصاحة والبيان. ومع ذلك لم ينج النبي (ص) من سلاطة ألسن خصومه أهل مكة. ومن انتقاداتهم المرة. ودعاويهم ودعاياتهم المغرضة. فقالوا عنه: إنه شاعر، وقالوا، ساحر، وقالوا: مجنون. وقالوا عن القرآن إنه أساطير الأولين، وأنه مفترى. ولكن تحدي القرآن لهؤلاء – رغم مقدرتهم البيانية – ظل قائما. فتحداهم أن يأتوا بمثله. قال تعالى في سورة الطور. الآية 33: (أم يقولون تقوله؟ بل لا يومنون. فلياتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين).
ولما عجزوا. تحداهم أن ياتوا فقط بعشر سور مشابهة لسوره. قال تعالى في الآية 13 من سورة هود: (أم يقولون افتراه؟ قل: فاتوا بعشر سور مثله مفتريات. وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين).
وحين عجزوا أيضا. تحداهم أن ياتوا بسورة واحدة مماثلة لسورة منه. قال تعالى في سورة البقرة 23 (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا. فاتوا بسورة من مثله). وقال في سورة يونس 38 (أم يقولون افتراه؟ قل، فاتوا بسورة مثله).
ولما وقع العجز التام الشامل، انصرف التحدي إلى الأنس والجن معا. قال تعالى في سورة الإسراء 88 (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ياتوا بمثل هذا القرآن. لا ياتون بمثله. ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا).

ثانيا الوحي:
يتناول البحث في الوحي ماهيته – إمكانيته – بدء الوحي – التدرج فيه – الموحى به.
1- ماهية الوحي: الوحي لغة الإعلام في حفاء، المدرك بسرعة، ويكون بالرمز، والتعريض. والكلام الخفي، ويكون بالإشارة (ببعض الجوارح) كما يكون بالكتابة.
أما في الإصلاح أو الشرع فالوحي هو إلقاء الله أوامره وتعاليمه الدينية إلى أنبيائه قصد تبليغها عنه، ويكون بإحدى الطرق التالية:
1) بالرؤيا الصادقة.
2) بالإلهام فينفث الملك في روع النبي (قلبه) دون أن يراه.
3) بأن يتمثل الملك للنبي في صورة رجل.
4) بوساطة ملك ترى ذاته ويسمع كلامه.
5) بسماع كلام الله من وراء حجاب، من غير معاينة، وبلا واسطة.
6) بغير ذلك من الوسائل الربانية.
ب – إمكانية الوحي: تحدث الإمام ابن خلدون في مقدمته، عن الوحي حديثا رائعا ينم عن شفافية نفس النبي، وصفائها الروحي، لدرجة ترتفع معها الحجب بين العبد وربه، وكذلك عالج الإمام الشيخ محمد عبده في كتابه (رسالة التوحيد) موضوع إمكانية الوحي بما لا مزيد. ولكني أريد هنا فقط، أن أؤكد أن هذه الإمكانية قد تعززت كثيرا بالمباحث التي قام بها المحدثون في ميادين البحث العلمي والتقنيات، وفي ميادين المواصلات عن بعد (السلكية واللاسلكية)، وفي المواصلات الروحية – إن صح التعبير – إلى غير ذلك من نتاج العقل البشري الجبار.
لقد تقدمت المباحث النفسية كثيرا في هذا القرن العشرين. فقرأنا. وشاهدنا الشيء الكثير عن ظواهر التنويم المغناطيسي، وقراءة الأفكار، ونقل الأفكار، والتخاطر (رأي تبادل الخواطر) أو التلباث. وكلها مباحث جديدة، وللتأكد من جدتها، يمكننا أن نرجع إلى الكتب والموسوعات المؤلفة أو المطبوعة في القرن الماضي، فلا نجد لهذه المصطلحات العلمية أي ذكر أو أية إشارة.
يعرف العلامة ما برز التلباث قائلا: "هو اشتراك عقلين في انفعالات من أي نوع كانت، وبكيفية مستقلة عن طرق الحواس المعروفة". وعرفه بعضهم تعريفا لأدق وأوضح فقال: (التلباث انعطاف عقلي بين شخصين، يجعل التأثيرات العاطفية قادرة على أن تمر من أحدهما إلى الآخر، رغم بعد المسافة. وبدون واسطة ظاهرة، وبكيفية مستقلة عن العمل العادي للحواس".
إن عرب الجاهلية لم يكونوا يدركون أن الوحي ممكن، أو أن الإنسان يمكنه أن يقوم – وهو قطرة فقط من بحر القدرة الإلهية – بأعمال خارقة للعادة، فينقل الكلام والصور بواسطة المذياع والتلفاز إلى مسافات شاسعة. لو تنبأ بهذا متنبئ، في أول هذا القرن، لا عند ظهور الإسلام، لقيل عنه كل شيء. إلا أنه في حالة عقلية سليمة. ولكن إنسان اليوم – وقد تقدمت التكنولوجيا وازدهر العلم – صار يبارك مثل هذه الأعمال المدهشة ويشجعها. وصارت حكومات الدول الراقية، تصرف الأموال الطائلة في سبيل تحقيقها وإنجازها. ولعل الإنسانية تجد بعض العزاء في هذه الأعمال، حين تعتبرها دليلا على وجود الله ووحدانيته وقدرته الفائقة... إن جميع أنواع المواصلات تثبت بشكل أو بآخر. أن الوحي الإلهي لعباده المصطفين ممكن، وأن رسالات الأنبياء صادقة، وأن المرسلين قد بلغوا رسالات ربهم وأدوها على خير وجه.
وأقف عند هذا الحد، لنعود إلى الحديث في موعد لاحق إن شاء الله تعالى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here