islamaumaroc

منبر الأصالة العربية الإسلامية ولسان الصدق للحضارة المغربية العريقة.

  دعوة الحق

223 العدد

تلقيت دعوة كريمة من الأستاذ الجليل، والوطني المكافح، العلامة النابغة السيد الهاشمي الفيلالي، للمشاركة في العدد الممتاز الذي اعتزمت مجلة (دعوة الحق) المناضلة، إصداره في عيدها الفضي، والأستاذ الهاشمي الفيلالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية غني عن كل تعريف وتقديم، فمواقفه الشريفة النبيلة تدل عليه، كما يدل على الشمس سناها، وعلى الوردة شذاها، كيف لا، وهو بكل فخر واعتزاز معلم أجيال وأجيال، ورائد نخبة طيبة من الأبناء البررة لهذا البلد الأمين، أبلى في الله البلاء الحسن، وجاهد حق الجهاد، فكان أهلا للثقة المولوية السامية، التي زادته مجدا على مجد، وأضافت إليه فائق التشريف، في ذلك التكليف؟ ! فهنيئا له مريئا !
ولم أجد بدا من تلبية هذه الرغبة النبيلة، بالرغم من زحمة الأشغال الإدارية،والمسؤوليات الجسام التي لا ترحم، فسارعت إلى أن أدلي بين الدلاء، يقينا مني بأنني سأخوض في هذا المضمار بحرا بعيدا الأغوار، يحتاج إلى مهارة في الغوص، وأناة ودقة في الاستقصاء، خصوصا وأن مجلة (دعوة الحق) الغراء، من النوع المستظرف الذي يأخذ من كل فن طرب، فهي تهدي لقرائها الكثيرين في العالم العربي الإسلامي عموما، من كل بستان زهرة، ومن كل رحيق قطرة، وهي دائما ذات نكهة فريدة، وجوهر نفيس، وقيمة عليا في الحس والمعنى إذ ليست نفاستها في ذاتها فقط، ولكن أيضا في الهدف الشريف الذي ترمز وتسعى إليه، من تعزيز الثقافة العربية، وإثراء الرصيد الإسلامي من كتاب الله وسنة رسوله، ومن شتى الاجتهادات والبحوث العلمية، على جميع الأصعدة وكافة المستويات، ولها في الاقتباس من التراث الثقافي الإنساني، ما يشوق وما يروق، فالحكمة ضالة المؤمن، يلتقطها حيث وجدها، كما جاء في الحديث الشريف.
وإن المتتبع لمجلة (دعوة الحق) منذ نشأتها إلى حد الآن، وإلى أن يشاء الله، يلاحظ التحسن المطرد، والتقدم الملموس، في أناقة الطبع، وعامل التشويق وتحريك الهمم، وحسن اختيار المواضيع والأبحاث والدراسات العربية والإسلامية والعالمية، والاستفادة العظمى من ثمرات المطابع والنقد الذاتي الذي لا يخلو من متعة وتفتح وتبصر، والسعي دائما لما هو أليق وأحسن وأجود.
ولقد كانت مجلة (دعوة الحق) بحق منبر الأصالة العربية الإسلامية، ولسان الصدق للحضارة المغربية، انطلاقا من عهد الأدارسة الذي أعقب فتح عقبة بن نافع الفهري، ومرورا بالمرابطين، والموحدين، والمرينيين، والسعديين، إلى عهد الأشراف العلويين، أعز الله أمرهم، وخلد في الصالحات ذكرهم.
فالرسالة التي تبلغها هذه المجلة، والأمانة المناطة بها ذات أبعاد سيكولوجية ودينية واجتماعية بعيدة الآفاق، من أجل رفع راية القرآن في كافة أصقاع الدنيا، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، فإذا تحدثنا عن ذكرى نزول كتاب الله العزيز.
وعن التضامن الإسلامي العربي، من خلال لجنة القدس التي يترأسها مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك المظفر الحسن الثاني – أدام الله بقاءه – وإذا تناولنا بالدرس والتحليل والاستعبار من مؤتمرات القمة في الرباط، وفاس، ومكة والطائف، وإذا بحثنا عن مؤتمرات رابطة علماء المغرب، أو خريجي دار الحديث الحسنية، وإذا نظرنا إلى التعاطف الإسلامي المطلق مع إخواننا في أفغانستان وإيريثريا المجاهدة على سبيل المثال لا الحصر، وإذا توسعنا في الرؤية إلى نصرة القضايا العادلة العالمية، فإننا نلمس عن كثب، أن (دعوة الحق) سباقة إلى الحضور في طليعة الجهر بالجوهر، ومساندته بكل ما لديها من طاقة وجهد.
إن أياديها البيضاء لا ولن تنسى أبدا على إذكاء الروح الوطنية المترفعة عن الطائفيات والملابسات والمفارقات في الوسائل، شتى الاعتبارات، فالأهم لديها المصلحة العليا للبلاد، وتأييد كل ما يدعو إلى محبة الله، والوطن، والملك ! فياما أجلها من وسيلة ! وياما أحسنها من غاية !
فمن منا لا يتذكر ما رصعته من روائع وبدائع، حول قضيتنا الأولى، قضية وحدة التراب الوطني، واسترجاع صحرائنا الحبيبة، عملا بمقتضى قسم المسيرة الخضراء الحسنية المظفرة؟ ومن منا لا يقف وقفة تأمل في أعداد (دعوة الحق) الخاصة بالمجالس العلمية لأقاليم المملكة؟ وبذكرى نزول القرآن الكريم؟ وبمناسبة بزوغ القرن الخامس عشر الهجري؟ وبشتى اجتماعات لجنة القدس، ومؤتمرات فاس، ومكة والطائف؟ ومن منا لم يستفد من ندوة القاضي عياض؟ ومن منا لم تتحرك غيرته، ولم يصح ضميره في أعداد (دعوة الحق) التي تفوح مسكا وطيبا في عيد العرش المجيد؟ وفي عيد الشباب؟ وفي ذكرى ثورة الملك والشعب؟ وفي عيد المسيرة الخضراء؟ وفي الأعياد المجيدة الثلاثة: عيد العودة، وعيد الإنبعاث، وعيد الاستقلال؟ ومن منا لم يخشع ولم يستعبر بمعركتي الأرك، ووادي المخزن؟ أو بإحياء قصة عبور البطل المغربي طارق بن زياد، إلى الأندلس، فردوسنا المفقود؟ ومن منا لا يتذكر بفخر واعتزاز معركة الزلاقة التي قادها الأمير المرابطي العظيم يوسف بن تاشفين، والتي وطدت للإسلام وجوده وبقاءه بالأندلس، أكثر من أربعة قرون؟ !
ومن منا لم يستوعب بقلبه وجوارحه ما يبعثه فينا من أمجاد إحياء عيد المولد النبوي الشريف، أو ذكرى الهجرة المحمدية من مكة إلى المدينة، أو ذكرى الإسراء والمعراج التي تشد المسلمين أجمعين في أقطار المعمور، إلى مأساة فلسطين السلبية، وإحراق المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث الحرمين، من لدن الصهاينة، شذاذ الآفاق، ونفاية الشعوب؟ !
ومن منا لا يذكر رحلة الكفاح والصمود والتحدي التي قام بها جلالة المغفور له مولانا محمد خامس – قدس الله روحه – إلى طنجة، حيث أرسلها صيحة مدوية من ذلك المنبر الدولي، ليعلن للعالم أجمع أن المغرب عضو من صميم الأسرة العربية والإسلامية الكبرى، وأنه وحدة لا تتجزأ في شماله وجنوبه، وفي شرقه وغربه، فلا مكان لدخيل ولا لمستعمر بين الأحرار والأسياد ! إن تلك الانطلاقة الأولى، فصل رائع من تاريخ المقاومة المغربية، التي شبت وترعرت في بذرة محاربة الظهير البربري المشؤوم ! وما تزال ولن تزال المعركة مستمرة عبر عصورنا وأجيالنا، كابرا عن كابر، وماجدا عن ماجد، من أجل الاستقلال والوحدة الترابية ! فنحن ذات واحدة، وقلب واحد، من طنجة إلى الكويرة، وفي صميم سبتة ومليلية، قد قضينا على خرافة الحماية، وأوهام الاحتلال والتدويل، فقد حافظنا ونحافظ دائما على تلك النوعية البالغة الجرأة في درب الجهاد المستميت من أجل الوحدة والحرية والاستقلال، وركبنا ونركب أصعب الطرق، إيمانا منا واقتناعا بحتمية الظفر والنصر المؤزر ! فالشعب والعرش لا يملان من الكفاح المتواصل، انطلاقا من العقيدة الراسخة والمبدأ الذي لا يتزعزع ! ونحن إذ نبر بقسمنا، فإنما نخوض مزيدا من الجهاد الأكبر، في مجالات المشاريع والمنجزات، وذلك في ظل القائد الرائد الذي لا يزداد شعبه الوفي، إلا تعلقا بعرشه، وحبا وولاء لشخصه الذي هو منار النماء والازدهار والوحدة... ولا تزداد القارة السمراء، والعالم كله إلا إعجابا بمواقفه الحكيمة، وبطولاته النادرة، وعبقريته الفذة ! والله متم نوره ولو كره الجاحدون والناقمون والحاسدون ! وما النصر إلا من عند الله وحده دون سواه !
وقد أولت مجلة (دعوة الحق) النصيب الأكبر من اهتمامها إلى قضية الاستشراق والمستشرقين الذين يسهمون على نطاق واسع في الدراسات العربية والإسلامية، وهم غالبا ما يقومون بذلك لا حبا في سواد عيون العرب واللغة العربية، ولا محاولة لاستكشاف جمال وجلال الدين الإسلامي وشموليته، ولكن لينالوا من العقيدة، وليزرعوا بذور الشك والبلبة، وليشجعوا الإسرائيليات والانحرافات والتأويلات الخاطئة، والمذاهب الهاشمية الهدامة التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي هي من نسج الخيال المحض، إسرافا في صب جام العداوة والبغضاء على كل ما يمت بصلة للمسلمين، وسعيا في انحسار المد الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها، فالمستشرقون يبرزون نقاط الضعف والتشفي – في نظرهم – ويؤججون نيران التعصب والشعوبية، ولا يتركون فرصة تمر، دون أن يدعوا بأن الإسلام دين التأخر، وأن المسيحية هي دين التقدم، وقد نسوا حين يرمون الدين الإسلامي بالتجمد والعمق، وينسبون التفتح إلى سواه، وبكل الكتب السماوية المنزلة كصحف إبراهيم وموسى، والزبور، والتوراة، والإنجيل، والقرآن، يقول الله تعالى: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير"، ويقول عز وجل مخاطبا رسوله الكريم: "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا"، وهذا ما يدل دلالة قاطعة على شمولية الدين الحنيف الذي جاء لإسعاد البشرية جمعاء، فلا فضل لعربي على عجمي، ولا لرئيس على مرؤوس، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، فلون الإسلام هو الصفاء والطهر والاستقامة والنور والبشرى والصلاح والفلاح، ولا عيب في الإسلام من حيث هو، لأنه دين الفطرة التي فطر الناس عليها، لا تبدل لكلمات الله، ألم يقل النبي – ص - : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"؟ فالحديث الشريف ذكر بالخصوص التهويد والتنصير والتمجيس، ولم يذكر الدخول في الإسلام، لأنه هو الفطرة المتحدث عنها بالذات ! والجوهر قائم بنفسه، ولا يحتاج إلى عناصر أجنبية عنه تقومه.
وبهذه المناسبة، أعجب كل المعجب من أولئك الذين يهيئون دراساتهم الإسلامية الجامعية، بتوجيهات من مستشرقين مسيحيين أو من ديانات أخرى؟ ! ألا يخاف أولئك الطلبة ما يبث في طريقهم من مزالق وأحابيل لتشكيك في معتقداتهم، وللزج بهم في متاهات المجادلات السفسطائية الفارغة، التي إن هم استغرقوا فيها، فغنهم يفقدون الفضل والربح ورأس المال معا؟ ويجنون الأذى والخسارة من حيث توهموا النفع والاستفادة؟ إن الله تعالى يقول: "ولا تؤمنون إلا لمن تبع دينكم" ويقول جل وعلا: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" ويقول أيضا: "إن الدين عند الله الإسلام – ومن يبتغ غير الإسلام دينا، فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين"، ومجمل القول: إن الإسلام هو الخط المستقيم الذي يعتبر أقرب مسافة بين نقطة وأخرى، والمسلم المؤمن بصير على نفسه، يتقى شر التورط بأي شكل من الأشكال، أو بأي أسلوب من الأساليب في نهج الفتنة والإغراء والانزلاق والانحدار إلى الهاوية، والدرك الأسفل من الجهل والضلال، فالثبات الثبات على العقيدة ! بالرغم من أساليب الضياع والتضليل والمذاهب الانحلالية المستوردة، فالحفاظ على الأصالة الإسلامية الصافية، أمانة في عنق كل واحد منا "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، ومن احتاط لدينه وعراقته، فقد ارتاح ضميره، وفاز فوزا عظيما.
فلنتأمل هذا التنبيه الإلهي: "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب، كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم، تشابهت قلوبهم" ويصبح التنبيه أكثر دقة وعمقا وشمولية، في هذا النداء الرباني، القائم على الدعوة النزيهة إلى الحقيقة الجوهرية: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباب من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون".
ويخبر عن أب التوحيد، فيقول في حقه: "إن إبراهيم كان أمة" – "ما إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين". – "هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم، وتكونوا شهداء على الناس".
ويمتدح سيدنا موسى عليه السلام بقوله: "وألقيت عليك محبة مني" – "واصطنعتك لنفسي" – "إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين".
ويتحدث عن اليهود والنصارى بصراحة وصدق، فيقول "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، ويقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين".
ويخص السيد المسيح عليه السلام بالذكر، فيقول عنه، وهذا مهم جدا في كمال التوحيد، وصفاء العقيدة، وجلال الربوبية، وجمال العبودية لله تعالى الواحد الحي القيوم. "وإذ قال الله ييا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد، إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم".
ويدعو كتاب الله إلى التعقل والرزانة، والنضج، وانفتاح البصيرة، وحرية الاختيار، إذ يقول: "لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي". – "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟" – "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" – "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة، وجادلهم بالتي هي أحسن".
"ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" – "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله، فيسبوا الله عدوا بغير وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" – "وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا".
إن الكفر ملة واحدة، سواء في الشرق أو الغرب، وإذا كانت وسائله تختلف، فإن معاول هدمه ذات غاية واحدة مشتركة، وهي النيل بوسيلة أو بأخرى من المسلمين "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنون بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء شهيد، إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، ثم لم يتوبوا، فلهم عذاب جهنم، ولهم عذاب الحريق"...
فالإسلام سلوك يفرض نفسه، بدعوته إلى توحيد الله، وتكريم الإنسان، ورفع راية المثل العليا لإخراج البشرية جمعاء من الظلمات إلى النور، ومن الضلال على الهدى، من أجل الاستخلاف في الأرض، والتمكين فيها وإصلاحها وعمارتها بالعدل والإنصاف، حتى يزول الخوف، ويسود الأمن والاستقرار والاطمئنان.
وفي هذا الوعي الإسلامي الخالص، واضطلاعا بالرسالة النبيلة المناطة بها، أولت "دعوة الحق" عناية خاصة وفائقة برسالة مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك الحسن الثاني إلى الأمة الإسلامية، بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري، وذلك تجديدا للتقليد الشريف المتعارف عليه منذ عهد أجداده الغر الميامين، فقد أبرزت هذه المجلة أن الرسالة الملكية السامية إلى الأمة الإسلامية تنص على أن "الإسلام دين يعامل الناس بالإنصاف والسوية، ويلزم بالشورى بين الراعي والرعية"، وأن الله "اختار لنا أن نكون أمة وسطا، رحمة بنا، وحفاظا على وحدتنا وألفتنا، وضمانا لاستمرار حياتنا، وحماية لما لنا من أضرار التطرف التي قد تهددنا"، وأن "الطريق إلى مركز الصدارة بين الأمم مفتوح في وجه الأمة الإسلامية، ولضمان ذلك، وجب الحفاظ على تلاحم الأسرة الإسلامية، وحمايتها من عوامل التفكك والانحلال"، وأنه " بالتخطيط الإسلامي المحكم، والعمل المتواصل المنظم للدعوة الإسلامية الموحدة، يتغلب المجتمع الإسلامي على كثير من الأزمات، ويتصدى لكثير من التحديات، فعلينا نحن المسلمين كافة، فرادى وجماعات، أن نتحمل مسؤوليتنا التاريخية بكل شهامة، داخلا وخارجا، حتى يواصل الإسلام سيره، ويسترجع مركزه الممتاز" – "فلنجعل من القرن الخامس عشر حلقة ذهبية في سلسلة تاريخ الإسلام المجيد، ولنكن في مستوى هذا القرن الجديد، إذ من واجب القادة المسلمين، والزعماء البارزين، أن يفتحوا الطريق أمام القائمين بالبعث الإسلامي، والدعوة الإسلامية... فكل مسلم يعتبر راعيا ومسؤولا عن رعيته، كل في دائرة اختصاصه ومسؤوليته".
- "ولقد امتاز المغرب الإسلامي بملوك بررة، جعلوا الحفاظ على الإسلام، والدفع عنه ونشره مهمتهم الأولى، ففي الإسلام – والفضل لله – طاقات زاخرة، ما تزال مكنونة لم تستثمر لحد الآن، وما علينا إلا أن نكشف الستار عنها ونستثمرها، والإسلام دين يقرر كرامة الإنسان، ولا يرضى له بالتعرض للذل والهوان، وهو دين العلم والحرية والوفاء بالعهود.
لقد كانت الرسالة الملكية بحق في ظروفها الخاصة، تأكيدا للالتزام الإسلامي، وتجديدا لنداء جلالة المغفور له المولى الحسن الأول تحت شعار (الدين النصيحة)، واستلهام مقومات الإسلام في العلاقات والمعاملات بين الأفراد والجماعات، وتنقية الأجواء مما ران عليها من أوساخ التفسخ وأدران الانحلال والإباحية، وإحلال القيم الإسلامية الحقيقية، لمواجهة التحديات... وإحباط المؤامرات التي تحاك سرا وعلنا ضد العالم الإسلامي، وإطفاء نيران التفرقة التي ترمي إلى استنزاف الطاقات الاقتصادية والسياسية للمسلمين، من أجل الحيلولة دون الامتداد الحضاري لأمة الإسلام التي يجب أن تقوم قومة رجل واحد للمواجهة المصيرية، وتكريس التعاون والتكامل والتكافؤ بين أطراف العالم الإسلامي، وتدعيم وتعزيز الالتزام الإسلامي قولا وفعلا وممارسة، وذلك هو المنهج الإسلامي القويم والسليم.
فالرسالة الملكية السامية وحاضرها، وتذكير بأمجادها كيف كانت، وكيف يجب أن تكون، وقد كان لتلك الرسالة صدى خاص، ونكهة رفيعة بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري، وما تحيط به من ظروف وملابسات، إذ نادت بإبراز المواقف المشرقة للواقع الملموس للمسلمين في
شؤونهم الدينية والدنيوية، مهيبة بهم إلى الاضطلاع بأمانة المسؤولية التي يجسدها العرش للذود عن كرامة المسلمين، وزاجرة إياهم عن مواقف الذل والاستكانة والقبول بالأمر الواقع، وداعية إياهم لمحاربة جميع أشكال الانحراف والتردي كيفما كانت، وأينما كانت، واستيعاب الظروف الموضوعية والذاتية، والسعي على منهج السلف الصالح للخروج من الظلمات إلى النور، وذلك بالاستحضار الدائم للمقومات التي تطبع الوجود الإسلامي يفرض نفسه منذ انبثاق الدعوة الإسلامية، إذ إن دوام المحافظة على الرسالة الإسلامية، حافز من الحوافز القوية على انطلاق الصحوة الإسلامية واستمرارها في عز صفائها وقوتها وتبل رسالتها المقدسة.
ثم إن المعطيات الحضارية الإسلامية زاخرة بالدلالات والمغازي، فهي إذ تخدم أهداف الأمة الإسلامية، والغايات التحررية للمجتمع الإسلامي برمته، فإنها هي قائمة في القاعدة والقمة على شريعة الله التي ترمي إلى إسعاد البشرية، وتعميق الإيمان بالله ووحدانيته، فالإسلام غير تغييرا جذريا مظاهر الحياة الإنسانية من حيث العلاقات المجتمعية والروحية، ومن حيث المعاش المستقبلي لبني البشر أجمعين.
والرسالة الملكية الكريمة تقديم رائع للميزات التي رافقت انطلاق الدعوة الإسلامية، وسبر عميق، وغوص ماهر في أغوار الصراعات القائمة على ضوء العوامل التاريخية والاقتصادية والسياسية التي هي أحوج ما تكون محتاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى استلهام روح الشريعة السمحاء، إن إنارة السبيل أمام الإنسانية في كل عصر وفي كل حين، هي بالذات ما يبلور جانبا كبيرا من الإعجاز الذي تحفل به العقيدة الإسلامية، فالعناية الربانية، والرحمة الإلهية، منهما وقع الاختيار على الأمة الإسلامية لتضطلع بذلك الدور الروحي والحضاري، امتثالا لأمر السماء ومواكبة للمستجدات، وتعمقا في الفهم، وتقوية للإيمان، وإشاعة للطمأنينة والاستقرار، ومعالجة لما أصاب المجتمع من تفسخ وانحلال، أمام التيارات والمذاهب الإباحية، وأساليب الإغراء الهدامة، التي تفتن الناس، ومواجهة لمتطلبات الحياة المتطورة، وصيانة للأصالة والاستفادة مما ينتفع به حسا ومعنى من جوهر ولباب، والأعراض عن القشور والتفاهات.
إن الفضل الإلهي قد طبع الأمة الإسلامية، ووجودها الحضاري والروحي والاقتصادي بميزات الفاعلية ولا أدل على ذلك، من كون الطاقات البشرية والاقتصادية للأمة الإسلامية تتحكم في شرايين الحياة الدولية، وعليه، فإن تسخير طاقاتها وإمكاناتها، يجب أن يبقى لفائدة البشرية، وذلك، للمسير بها قدما على نهج النور والهداية، وإعطاء نفس جديد لذلك المنطلق الرائع الذي غير وجه التاريخ.
وفلسطين؟ والقدس الشريف؟ والمسجد الأقصى؟ وكافة المقدسات الإسلامية؟ إنها جميعها محور اهتمامات مجلة "دعوة الحق" في جوهر أعدادها، فكم نشرت في هذا الموضوع من بحث تاريخي قيم، وقصيدة شعرية رائعة، لشعراء فطاحل من كل نواحي العالم الإسلامي ! وكم شجبت من عدوان وشحذت من عزائم، وأيقظت من همم ! وتوجت هذا المجهود الجبار، والسعي المشكور، بإصدار عدد ضخم من أعدادها خاص بالقدس الشريف، يعتبر في حد ذاته مرجعا هاما من المراجع النفسية التي يرجع إليها الباحثون والمستقرئون لأطوار القضية الفلسطينية، وغير خاف ما يوليه مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني من رعاية سابغة للرفع من مستوى العالم الإسلامي بالإقدام على إحياء المبادئ الإسلامية الأساسية التي جعلت على امتداد التاريخ من هذه الأمة، قوة ذات منعة وإشعاع، وفي ظل هذا الإشعاع بالذات، أصبح المغرب قلعة من قلاع الإسلام، وحصنا من حصونه، يعتمد السنة والكتاب منهجا قويا في شتى مستويات حياته، مما عزز مسيرته الظافرة، خصوصا وأن جلالة الملك الصالح المصلح – أيده الله ونصره -، وبشهادة المؤتمر الإسلامي، اعتبر القائد والزعيم الإفريقي والعربي الذي ساهم مساهمة فعالة في الرفع من قيمته، على نهج السلف الصالح بعدم التفريط في حرف من الكتاب والسنة والتشريع، ليجعل من إصلاحاته ثورة إسلامية في مستوى التحديات التي تجابه الأمة العربية والإسلامية في هذه المرحلة من تاريخها الدقيق، إذ لا يمكن بأية حال من الأحوال أن تكون هناك أمة تابعة إلى جهة من الجهات ذات الصبغة الاقتصادية واللغة، ثم تتحقق لها الشخصية المطلوبة، بدون التحرر من كل الروابط التي تملي عليها القرارات، سواء منها السياسية أو الثقافية بغية ربطها بالبلد المعني، وجعلها تدور على الدوام في فلكه.
والحضارة الإسلامية قد اعتمدت على أسس ثابتة ومعروفة جعلت منها حضارة تستفيد منها شعوب المعمور.
وانطلاقا من التشريع بالروح الإسلامية الأصيلة، اجتاحت العالم العربي والإسلامي بصفة عامة، والمملكة المغربية بصفة خاصة، موجة كبيرة وعارمة من السخط على ما أقدمت عليه العصابات الصهيونية من إطلاق نيران أسلحتها على المسلمين الذين كانوا يؤدون الصلاة في المسجد الأقصى، وقمعها الوحشي للمتظاهرين في قطاع غزة والضفة، بحصدها عشرات المواطنين الفلسطينيين الذين خرجوا للتعبير عن رفضهم لكل أنواع الاعتداء التي تقوم بها الإدارة الصهيونية المتغطرسة ضدهم، فالأمة العربية والإسلامية واحدة في همومها وانشغالاتها ومصيرها وطموحاتها، ولم يدهشها ما قامت به العصابات الصهيونية، من شذاذ الآفاق، ونفايات الشعوب – ومن جاء على أصله فلا سؤال عليه -، وإنما أضافت النزعة اليهودية العنصرية المتطرفة فصلا جديدا إلى مخازنها، وذلك بارتكاب تلك المجزرة الشنيعة والجريمة الفظيعة، في مسلسل القمع والإرهاب ضد الشعب العربي الفلسطيني.
وقد تتبع مولانا أمير المؤمنين، وحامي حمى الملة والدين، صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني أيده الله – ببالغ الاهتمام الأحداث الخطيرة التي هزت أركان الأراضي العربية المحتلة، ومدينة القدس على إثر أعمال الإرهاب الأعمى، التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد السكان المدنيين، وأمام المنعطف الخطير الذي اكتسبته هذه الاصطدامات التي أسفرت عن عدد كبير من القتلى والجرحى، وعن اعتقالات واسعة في صفوف السكان الأبرياء، وعن انتهاك حرمة المسجد الأقصى، ومسجد عمر، من طرف عسكريين إسرائيليين مسلحين، لم يتردد بعضهم في إطلاق النار على المؤمنين داخل المسجد، مخلفا عدة ضحايا، قرر صاحب الجلالة، بصفته رئيس لجنة القدس، دعوة مجلس الأمن لدراسة هذه التصرفات الخرقاء التي تشكل تهديدا خطيرا للسلام والأمن الدوليين.
ففي الرسالة الملكية السامية إلى مجلس الأمن الدولي صرح مولانا أمير المؤمنين على الخصوص بقوله: "نؤكد باسمنا، وباسم إحدى وأربعين دولة إسلامية، احتجاجنا الصارخ ضد هذه المحاولة التي جعلت إسرائيل تغوص في اللامشروعية الدولية، والتحريض، ونطالب بإلحاح لا هوادة فيه ولا تراجع، بإدانة حالة العنف، وعدم التسامح الذي يشوه مدينة القدس ويدنسها، فالعمل الدموي الذي انتهك المقدسات، وداس الحرمات، زاد في تصعيد خطورة حالة كانت من قبل تهدد السلام العالمي، ولا جدال في مسؤولية إسرائيل، ولا يمكن لها أن تتنصل من هذه المسؤولية".
واجتمع مجلس الأمن يوم 13 / 4 / 1982 مساء، بناء على طلب جلالة الملك الحسن الثاني بوصفه رئيسا للجنة القدس المنبثقة عن المؤتمر الإسلامي، وذلك لشجب العدوان على المسجد الأقصى، والوضع المتردي في الأراضي العربية المحتلة، وكان ممثل المغرب السيد لمراني زنطار، أول المتحدثين في الاجتماع، حيث تلا رسالة جلالة الملك الحسن الثاني – نصره الله – وحمل إسرائيل مسؤولية الهجوم على قبة الصخرة المقدسة، وتدنيس المقدسات الإسلامية... وأعمال العنف يجب التنديد بها، وعدم السكوت عنها، ولا يمكن الادعاء بأن الشخص الذي ارتكب جريمة إطلاق النار في المسجد الأقصى، قد تصرف بمبادرة منه، وإن قرار إسرائيل بإعلان القدس عاصمة أبدية لها، يعتبر انتهاكا لقرارات المنفرد، وتشعر إسرائيل بالعار والاشمئزاز إزاء هذا العمل الخسيس من لدن (هاري كودمان) اليهودي الأمريكي المهاجر البالغ من العمر 38 سنة، وقد سبق أن فعلها من قبله (روهان) الذي كان قد أحرق المسجد الأقصى، في 21 غشت من سنة 1969.
هذا، وقد استجاب مئات الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لدعوة صاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز، عاهل المملكة العربية السعودية، للقيام بإضراب مدة يوم واحد عن العمل، احتجاجا على حادث إطلاق النار الذي وقع يوم الأحد 11 أبريل 1982.
وفضحا للمؤامرة الصهيونية الدنيئة، كان يوم الأربعاء 14 أبريل 1982، يوم إضراب شامل في العالم العربي والإسلامي قاطبة، تضامنا مع الشعب الفلسطيني المناضل من أجل قضيته العادلة، وإذا كانت إسرائيل مصرة على عنادها وتعنتها، ابتداء من احتلالها اللاشرعي للأراضي الفلسطينية والعربية، وانتهاء بقرار ضم الجولان والقدس، وإذا كانت تمني نفسها بإسرائيل الكبرى من القرات إلى النيل، فنحن لها  - إن شاء الله – بالمرصاد، ونقسم مثلما أقسم مليكنا الحبيب، المسلم المؤمن المخلص لرسالته العظمى، بأننا سنصلي في القدس ! وما ذلك على الله بعزيز، وما ضاع حق من ورائه طالبه !
لقد كان احتلال القدس من طرف إسرائيل يوم 7 يونيه 1967 وجراحاته النازفة، ما تزال تصرخ باسترداد الكرامة، والتخلص من أقبح عار، فقد كانت وما تزال، ولن تزال عربية مسلمة، وما الإضراب الجماعي سوى تعبير للمسلمين والعرب قاطبة عن التشبث بمقدساتهم، والصدى العميق الذي تركته الرسالة الملكية في أوساط مجلس الأمن، دليل قاطع على الإشادة بموقف جلالة الملك الحسن الثاني الحازم من الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى الذي أجمع مجلس الأمن الدولي على إدانة السلطات الإسرائيلية التي استباحت حرمته، ودنست رحابه.
إن تاريخ نضال الشعب الفلسطيني سيذكر بكثير من الاستعبار والجلال يوم الرابع عشر من شهر أبريل 1982، حيث أضرب المسلمون والعرب عن العمل، تعبيرا عن استنكارهم لجريمة تدنيس الأقصى، وتضامنهم الفعال مع الشعب الفلسطيني الشقيق، وإصرارهم على التصدي للصهيونية والإمبريالية بفضل رسوخ همتهم، وقوة إرادتهم، فالفلسطينيون المجاهدون الذين ليسوا وحدهم في الميدان، سيكيلون لإسرائيل الصاع صاعين، فالغضب العام، والتنديد الشامل بإسرائيل لهما ما بعدها من الدروس القاسية التي تأتي على بنيان إسرائيل من القواعد، فتجتثه بإذن الله، خصوصا وأن الوحدة أصبحت أقوى وأنصع دلالة على القدرة الهائلة على التعبئة التي لم تكن للطاغين في الحسبان (وما يعلم جنود ربك إلا هو، وما هي إلا ذكرى للبشر)، إن التضامن مع منظمة التحرير الفلسطينية، أصبح يمرض نفسه أكثر من ذي قبل على جميع الواجهات، وكافة المستويات البشرية منها العسكرية، والمالية، والديبلوماسية، فبقطع النظر عن الحوافز الدينية، هنالك عوامل إنسانية محضة تستوجبها الظروف في هذا الشأن، فلا يمكن قبول أو تمرير التقتيل، من دون أن ينال مقترفوه ما يستحقونه من الردع والعقاب، فيجب إرغامهم وإجبارهم، والضغط عليهم بجميع الوسائل السياسية منها والاقتصادية، والمالية، والتجارية، حتى يعود الحق إلى نصابه، والغرباء إلى وطنهم أعزاء مكرمين، فالإخوان الفلسطينيون سيلقون المزيد من الدعم والمساعدة، وفي الإضراب الشامل يوم الأربعاء 14 أبريل 1982 تأكيد لذلك، فإذا اختلفت الأساليب على طريق الجهاد الصعب الطويل، فإن طموحات الشعب الفلسطيني لابد وأن تظفر بالرضا الكامل، والرفض القاطع للاحتلال الصهيوني منذ سنة 1948.
لقد تبلور التضامن الاحتجاجي في استجابة جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله وشعبه الوفي للنداء الذي وجهه أخوه الملك خالد بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية، بالإضراب الشامل عن العمل، شجبا للممارسات الصهيونية اللاإنسانية في الأراضي المحتلة، والتقنية العالية لهذا الإضراب الهائل، قد أبرزت أكثر فأكثر وحدة الموقف الإسلامي في مشارق الدنيا ومغاربها، وقد اتضح للملاحظين السياسيين في أعلى المستويات، نجاعة التوجيهات الحسنية الرشيدة في رئاسة لجنة القدس، حيث تبخرت أمامها خرافات وأوهام ومطالع الصهاينة الغلاة، وأصبحت الطاقات الجادة للعالم الإسلامي تحسب حساباتها الدقيقة لمواجهة مخططات العدوان كيفما كانت، ومن أي مصدر نبعت، وصار الاستعمار بكل جبروته وكبريائه، وقمعه وتعنته يفقد صوابه، ويحصى دقات قلبه أما غضبة الشعوب المؤمنة بحقها، والحرة في اختياراتها، فلا مهاودة في الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني ! ولا مساومة في المحارم الإسلامية في القدس الشريف، فمزيدا من الحزم والعزم ! (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره).
وإذا كان الإعلام يعتبر في عصرنا الحاضر، السلطة الرابعة، بعد سلط الثلاث: التشريعية، والقضائية، والتنفيذية، فإن الإعلام الإسلامي الذي تحمل لواءه مجلة "دعوة الحق" عن جدارة واستحقاق، ليس شرقيا ولا غربيا، وليس رأسماليا ولا ماركسيا، ولكنه إعلام قائم على الاعتدال والاستقامة التامة، انطلاقا من قول الله عز وجل: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه،ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم سبيله) – (إن ربي على صراط مستقيم) (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله).
ولعل في الافتتاحيات التي تدرجها براعة الأستاذ عبد القادر الإدريسي – وفقه الله وأعانه – ما يضيف إلى مجلة "دعوة الحق" رونقا فوق رونقها، وإشراقا على إشراقها، ففي أسلوبه الرشيق والممتع، تبرز رصانة التفكير والنفوذ إلى الأعماق، والتشبع بكلمة الحق المدموغة بالحجة والبرهان، والاقتناع الذاتي الهادف إلى إقناع الآخرين، فتلك الافتتاحيات هي الوجه الوضاء للمجلة، وميزان نضجها، وإدراكها تمام الإدراك للقضايا التي تهم المسلمين، والجواب الشافي لشتى التساؤلات التي تشغل بال الباحثين والعلماء والأدباء والمفكرين.
هذا، إلى جانب ما تكرسه مجلة "دعوة الحق" من تكريم لحملة الأقلام، والمثقفين عموما، في إخوانياتها، وردودها السريعة، وانتقاداتها الذاتية التي لا تخلو أبدا من متعة وفائدة.
إن مجلة "دعوة الحق" المرجع الأدبي والعلمي، والثقافي والتاريخي، أسهمت وتسهم بجهود مشكورة في واجهة كبرى من واجهات جهادنا الأقدس، وإنها لعلى صراط مستقيم، وكفاها بذلك فخرا واعتزاز ! وعمرا مديدا، وسعيا حميدا إن شاء الله تعالى ! برعاية كريمة من عالم الملوك وملك العلماء، مولانا أمير المؤمنين، وحامي حمى الوطن والدين، محرر الصحراء، ومحقق وحدة التراب الوطني، من كان للآداب شعارا، وللفنون منارا، جلالة الملك الحسن الثاني دام له التأييد والتمكين، والفتح المبين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here