islamaumaroc

وعاد التاريخ إلى عهوده الذهبية.

  دعوة الحق

223 العدد

 ونظرا للمسؤوليات التي أتحملها ليس من حقي أن أران على ما ليس هو مؤكد... « الحسن الثاني»

أرومة واحدة:
يحاول بعض الدارسين أن يفصل بين إفريقيا الشمالية وإفريقيا السوداء كعاملين منعزلينتفصلهما الصحراء. ناسين أو متناسين أن المساحات الشاسعة الممتدة على طول الجنوب المغربي العربي الكبير لم تكن ابدا فاصلاو لا عائقا بي المنطقتين بقدر ما انت حافز تطلع.شأنها شأن البحر المتوسط الذي يعتبر عامل تامل بين القارتين.

طريق القوافل:
كانت الصحراء منذ القدم الطريق التي تربط الشمال بالوسط.فعبر الأنهار المتغذية من جبال الأطلس التي تشق الصحراء وتفني فيها كانت القوافل تصل إلى أعالي النيجرومالي...كانت المسافة طويلة تدوم شهورا.لم تن هنا الحدود ولا التسميات المتعارف عليها اليوم...كان المغرب وبلد الرجال السود. ولا تزال تلك القوافل  مائلة على طول نهر السينغال.مرورا( بتانبكتو) إلى (تادويني).

وحدة النوع:
وقد دلت البحوث الأنتروبولوجية أن جنس سكان المنطقتين في حقب ما قبل التاريخ كان واحداولابد من التذكيربأن جمجمة إنسان( كريمالدي) تماثل جمجمة إنسان( بوثمان) في جنوب القارة مما يقود إلى التفكير أنه قبل أن يوجد كل من إنسان المنطقة السوداء. وإنسان المحور المغربي في شمال القارة فإن إفريقيا كلها وجزءا من جنوب أوربا قبل التاريخ كانتا مسكونتين بذلك النوع من البشر.الضخم الجمجمة الطويل الذراعين. القصير الرجلين. وكان لزاما لنشوء أجيال جديدة أن تنتظر القارة القرن العاشر الميلادي لتنشأ أولى المدنيات البدائية عبر موريطانيا إلى الجنوب. مقصد قوافل التجالر الذين كانوا يقايضون قماشهم وأوانيهم النحاسية بالذهب الخام متأثرين بسكان الجبال الذين غيروا طرائق حياتهم. فقد تحول كثير منهم من الزراعة إلى التجارة. بل نزعت طوائف منهم إلى التجارة بالدقيق الذين كانوا يغنمونه في الحروب مع بلاد (أكيناون) فيما امتهن المستقرون بالمناطق الصحراوية رعي الإبل والماعز يشربون لبنها و يتدثرون بوبرها ويصنعون خيامهم من جلوده و يذكر التاريخ أن ( كدالة ،ولمتونة،ومصوفة،وبعض قبائل صنهاجة و زناكة) من اولى القبائل التي اتصلت بالإفريقيين جنوب نهر السينغال وامتزجو معهم في صلات رحم، ولم يغير من تلك العلاقات أي عائق إلى الآن...

الإسلام والتاريخ المتجدد:
وخلال القرون الأربعة الأولى من الهجرة بدأ الإسلام يتقدم عبر بلاد ما وراء الصحراء.ولكن دخول القرن الحادي عشر سجل حدثا تاريخيا خالدا وهو تغلغل الإسلم في كثير من مناطق إفريقيا السوداءعلى يد رجل من قبائل الصحراء هو يوسف ابن تاشفين زعيم لمتونة ومؤسس مدينة مراكش(1062) م وفاتح الأندلس ويذكر المؤرخون أن النصر تم له بفضل جيش مخضرم من المسلمين السود ومغاربة الصحراء و برابرة الجبال. ولم يكن ليتم له ذلك لولا قوة الإلتحام التي وحدت بين هذه القبائل.وبفضل الإسلام تحولت تلك الرابطة التي كانت تجمع بين شعوب المغرب العربي وشعوب إفريقيا السوداء من رابطة مصلحة إلى رابطة روحية مقدسة وأضحت تلك الطرق مقصدا لصلات الرحم وتلقي العلم وتبادل لفنون المهن بين سكان الساحل والدراوين والدراميين.فيظهر التأثير واضحا في سبل الحياة وطرق المعاملات، وفي الهندسة المعمارية حيث نراها تزدهر في عهد الإمبراطور(كونغوموسى1325) الذي جلب معه من قرطبة مهندسا مختصا صمم له مسجدين في كاو.ومسجد في تانبوكتو وقصرا نفت فيه (الساحلي) وهو إسم المهندس.كل مواهبه الفنية وقد ربطت هذه الصلات علافات سياسية عميقة بين أمراء إفريقيا السوداء. ماندينك وسوكاي وبامبارا.وبين سلاطين المغرب.فحوالي 1332 أرسل كونغوموسى بعثة إلى فاس لتهنئة السلطان المريني أبو الحسن بالنصر في معارك تلمسان فيبادله أبو الحسن بالمثل إذ بعث بسفارته إلى مالي التي وصلتها سنة 1336.

دور القبائل الصحراوية:
ولقد لعبت القبائل الصحراوية مثل بني حسان وصنهاجة في القرن الخامس عشر دورا هاما في إرساء هذه العلاقات وخاصة بين جنوب المغرب و العواصم الإفريقية البارزة حينئذ مثل تاميكتو و دجين متغلغلة في أعماق القارة فاتحة الطريق لبني أرومتها ليواصلوا رسالة الربط بين الماضي والحاضر واضعين بذلك أصول علاقات للمستقبل. وإن توقفنا طويلا أمام تلك المحاورالتي لاقت ما بين الإنسانيين(إنسان المغرب العربي والإنسان الإفريقي) ليعطي للمتملي صورة لضخامة ذلك التاريخ المليء بالأحداث الزاخر بالملاحم.
سنطاكروز وهم الإستعمار الإسباني في جنوب المغرب:
سنطاكروز خط وهمي خلقه الإستعمار الإسباني في بداية القرن السابع عشر الميلادي ليجعل منه شباكا تقع فيه السياسة المغربية حينئذ وحلقة مفرغة يدور في بوتقتها الرأي الإسباني الموزع عهدها قصد جمع شمله و توحيد كلمته لمضاعفة غزواته لبلاد ما وراء البحر.
لم تكن سنطاكروز منطقة معروفة ذات حدود معلومة لا في الخريطة ولا في ذهن الساسة الإسبانيين الذين اختلقوها.كانت مجرد خط وهمي رسموه لمخططاتهم التوسعية لحماية استراتيجية مستعمراتهم فالمؤرخ(باشكو) يدعي أن سنطاكروز هي نقطة ما عند البحر الذي يفصل بين جزر الخالدات.والساحل المغربي الجنوبي ويتبعه في ذلك الناقلون عنه وتلاميذه.وما أكثرهم وعلى رأسهم أولئك الذين أرخوا لفترة ما بعد احتلال إيفني بعد التلاثينات .وتؤكد أغلب آراء المؤرخين الإسبان قبل التلاثينات تناقض آرائهم حول إمكان وجود هذه المنطقة.سواء منهم المقتنعين الطامعين أو التابعين.وعندما بدأت أوصال الإستعمار الإسباني تخور قواها في أمريكا اتجه نظر الكنيسة إلى إيجاد البديل.وتوجيه النظر إلى مصادرأخرى،فصارت تبحت عن المناهج.ولم تجد غير هذا الوهم لتوعز إلى ترسيخ فكرة تحقيقه،فوجدت الظرف مواتياعهدئذ إذ كان الغزو الأوربي في القارة الإفريقية يمتد.يوزع أطرافها بمقتضى معاهدات تارة وبدونها أخرى.ومنذئذ أي بعد تقلص الحكم الإسباني من أمريكا اتخذها السياسيون الإسبان فرصة وحولوا الوهم إلى حق أخذوا يطالبون به الحكومات المغربية. ويسعون بكل الوسائل ليفاوضونها من أجلها.فصارت تبعث البعثات تلو البعثات إلى العاصمة (فاس) لتطالب جلالة السلطان بتعيين مكان هذه المنطقة(الوهم)ففي سنة1860 مباشرة بعد التوقيع على معاهدة تطوان،طالب المفاوضون السلطان بتعيين لجنتين للبحث في موقع سنتاكروز.ولحكام إسبانيا أسطورة أخرى يعتبرونها معينا لهذا الإسم الوهمالذي يطالبون به...(يقول المصدر:عندما اهديت الجزر للبرتغال بعث الملك الفونس الخامس ضابطا ليتولى الحكم فيها.فتزوج هذا الأخير من إحدى بنات حاكم الجزر.وخرج الإثنان ،الحاكم وصهره متوجهين إلى الساحل المواجه.ويقول المصدر المذكور أنهما بالشاطئ وشيدوا في مكان ما حصنا احتموا به وسموه (سنطاكروزدي لامارباكينيا) وتضيف الأسطورة أن الحصن تعرض لهجوم فصيلة من الجيش المغربي تحت قيادة الأمير(أوابه) وتعين الأسطورة القرن الخامس عشر كتاريخ هذا الحصن المزعوم.
وتضطرب المصادر وتتناقض في صحة هذه الأسطورة التي أصبحت من ضمن أساطير التاريخ الإسباني. وعندما نقارن بين هذه المصادر، وأهمها بالدرجة الأولى تلك التي ألفها مؤرخون رسميون مثل(بنيطو) نجد أن هذا الحصن يتهدم أكثر من مرة ليشيد من جديد،فيقول مثلا(أن الحصن شيده الحاكم اريرا)ثم يرجع فيقول من مصدر آخر(اريرا) شيد حصنا آخر في مكان يدعى أرغيلا.
وإذا نظرنا بإمعان إلى المعاهدة المبرمة بين البرتغال و ملوك الإسبان القشتاليين سنة 1479 لا نكاد نقف البتة على موقع يحمل إسم (سنطاكروز).ويتناقض هؤلاء المؤرخونولا يجدون حرجا في تناقضهم.فقد عرفت الحقيقة على مدى التاريخ الإنساني الطويل تزييفا هيأه لها الزاعمون ليجدوا لها المصادر.فكم زيف الإستعمار ولا يزال ولكن التزييف الذي يقوم على أساس التخريص سرعان ما يفتضح وتنقشع عنه تلك الغمامة التي كانت تغطي الحقيقة.فتظهر هذه واضحة جلية وأساليب الإستعمار واحدة.فهو يزيف مصادره كما يزيف وثائقه.والوثائق التي يعتمدها الإستعمارالإسباني حول ما يسميه(سنطاكروز) كلها وثائق مزورة.من هذه الوثائق: - وثيقة (سيدونيا) المعروفة بالدوقية تقول:
إن خوان الثاني ملك البرتغال أهدى- كزمان وسان لوكاردى-أرضا قريبة من البحراكتشفت حديثا.وهذه الرض يقع جنوب الساحل وتوجد بها عدة مراكزللصيد ويمكن التوسع منها نحو الداخل وعندما احتلت إيفني قرر الإستعمار أن ينفذ ادعاءه الخاطئ فسمى الساحل الجنوبي لطرفاية بسنطاكروز...ويظهر أن الإسبان الذين كانوا يتنافسون مع جارتهم البرتغال قرروا أن تكون لهم مثل ما كان لجارتهم البرتغال في جنوب المغرب مستعمرات ولو وهمية !!

المسيرة المظفرة:
كان الجناح الغربي من دولة الإسلام أيام عزها يطلق عليه إسم المغرب لزمته التسمية حتى بعد أفول النفوذ الإسلامي من جنوب أوربا،وكان منبع الحكم في هذا الجناح يتركز دائما في عاصمة المملكة المغربية من حيث انطلق الفتح.ذلك الإشعاع الديني والثقافي والحضاري الذي شمل شبه الجزيرة الإيبيرية متوغلا في بلاد الغال شمالا وبلاد السينغال نازلا إلاى خط الإستواء جنوبا.وعلى الرغم من تقلص الإمبراطورية الإسلامية من الشرق، وتوزع أطرافها بين الملوك،حرص خلفاء المغرب على الحفاظ على رقعة الإسلام وصيانة أمنها مما حول إليه الأنظار وألب عليه الأطماع.وكان حرص خلفاء المغرب على الحفاظ على رقعة الإسلام يوازي حرصهم على حفظ الدين مما زاد من تمسك الرعية بهم ومنحهم الإجماع والصلاحية.ولم يكن هذا الإجماع الكامل إلا ما اصطلح عليه في الإسلام بالبيعة.يقول ابن خلدون (واعلم ان البيعة هي العهد على الطاعة لأن المبايع يعاهد أميره أنه يسلم له النظر من نفسه وأمور المسلمين،لا ينازعه في شيء من ذلك.ويطيعه فيما يكلفه فيه من الأمر المنشط والمكره) وعلى امتداد التاريخ الإسلامي في المغرب كان هذا البلد دائما وطنا أما لكثير من الدويلات الإنفصالية التي عملت الظروف والأهواء الطائفية على صنعها.ولم يثبت على امتداد التاريخ أن فرط المغرب في شبر من أرضه.فقد كان من أبرز الخصال التي يتميز بها الشعب المغربي ملوكا وشعوبا الحفاظ على السيادة الوطنية والذود عنها. وقد خلف لنا التاريخ مواقف شاهدة على هذه الميزة. ويحدثنا تاريخ الخلافة في المغرب أن ملوك هذه البلاد لم ينتزعوا الإجماع الشعبي قهرا.فقد ثبت أن الشعب دائما قدر في ملوكه جهادهم وتضحياتهم،وتفانيهم في خدمة البلاد...ولعل أروع صفحة حديثة تسجلها الخلافة في المغرب الجهاد من أجل توحيد البلاد وسيذكر التاريخ الحديث ما ناصر مسيرة المغرب السلمية لاسترجاع صحرائه من إجماع آمن به الشعب وحياه.وسيخلد التاريخ هذه المسيرة التي حولت استراتيجية المطالبة بالحق وركزت أنظار الملاحظين على أبعادها.وقد اعتبر عبور الإنسان المغربي الحدود المصطنعة ضربة القرن. كما اعتبر نقطة تحول في تاريخ الأجيال المغربية الحديثة. ففي السادس من نوفمبر1975 عرفت طرفاية أعظم تجمع جماهيري عرفه التاريخ.وفي انتظار الساعات القليلة التي سيتقرر فيها الفصل كانت كل العيون مشرئبة إلى وراء الحدود المصطنعة تمتد كلما أزفت اللحظة الحاسمة تلك التي لم يعرف المغرب مثيلا لها إلا يوم رجوع جلالة المغفور له محمد الخامس من منفاه ولم ينشغل الناس بشيء منذ إطلالة صباح الإنطلاقة إلا بساعة اختراق الحدود وكانت العيون هي العاصمة التي تعانقها أنظار الجماهير المنتظرة. وقد بدا جليا من خلال خشوع الجماهيرأن اللحظة الحاسمة أسرت العقول واستحوذت على الألباب مما أكد أن هذا الشعب لن تنفصم له عرى وأن الله معه يحميه. وما تزال الأواصر قائمة متلاحمة بين العرش والشعب تحددها باستمرار القضايا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية تعكسها صورة التعامل المتبادل هذه الصورة تبين إلى أي حد يمنح الشعب المغربي إجماعه للملوك،إجماع حسب بعضهم أنه نام أو يكاد.ولكن الروح الإسلاميةفي المواطن المغربي لا تنتظر مناغاة الخارجين عن حدود الله لتنطلق من قمقمها.فقد استتبت الخلافة في المغرب بالحق...لم تأت للحكم لتراهن بمصالح الرعية .إذ كل رهان ليس مؤكد ربحه...أكد هذا القول جلالة الملك بقوله: " ونظرا للمسؤوليات التي أتحملها ليس من حقي أن أراهن على ما هو ليس مؤكدا " وحرص ملوك المغرب على أن ربط الوصال مع الصحراء يأتي في الدرجة الأولى.ومنذ تأسيس الدولة العلوية التي انطلقت من الصحراء كان هم الملوك الخلفاء الوحدة وعندما رجع جلالة المغفور له من منفاه، زار الصحراء وقد شهدت قرية المحاميد (محاميد الغزلان) لقاءا حارا بين  ملك غيور وشعب محب مخلص. وتأتي المسيرة لتربط الماضي بالحاضر وتواصل ذلك الإلتحام وتؤكد الإجماع الكامل في عصر يكاد ينعدم فيه الإجماع الذي ضرب الشعب فيه أروع الأمثلة في الإمتثال والإنضباط.وعاد التاريخ الحديث إلى عصوره الذهبية.             

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here