islamaumaroc

دور مجلة دعوة الحق في بعت النهضة ونشر الدعوة الإسلامية

  دعوة الحق

223 العدد

إن مجلة "دعوة الحق" كلما سلخت عاما من حياتها ودخلت بوابة عام جديد عرفت ألوانا من التجيدي في موضوعاتها ومظهرها إلى جانب الدقة والعمق في بحوثها، وكلما أضاءت شمعة جديدة أعادت الحساب وأرجعت البصر وكررت النظر في أعمالها باحثة عن الإيجابيات والحسنات لتعميقهما والسلبيات والسيئات للتخلص منهما.
ومجلتنا اليوم تحتفل بذكرى عيد ميلادها الفضي بقدر ما يدعوها هذا الاحتفال إلى الزهو والسعادة بما حققته من مكاسب بقدر ما يدعوها هذا إلى أن تقوم أعمالها من جديد وتدرس متطلبات التجديد لتبلور من خلال ذلك كله الموقف الصحيح الذي يليق بها كمجلة إسلامية جامعة أنيطت بها سعادة المغاربة، ووكلت إليها هدايتهم، ليتأتى لنا ولأبنائنا ولحفدتنا من بعدنا الاحتفال بذكرى أعياد ميلادها وقد حققت كل الطموحات.
قليلة هي المجلات التي عاشت ربع قرن من الزمان غلا التي تميزت بمميزات وخصائص تختلف بها عن نظيرتها من حيث العمق والتنوع والجدة والأصالة ومواكبة الأحداث والصدق والأمانة فيما تكتبه من أبحاث ودراسات، ومجلتنا من هذه النوادر التي تنطبق عليها تمام الانطباق هذه الأوصاف لذا نحن نحتفل بالذكرى التي تفصلها عن ميلادها مدة زمنية جديرة بالتأمل والتفكير الرصين، وسنحتفل – إن شاء الله – بأعياد ميلادها في المستقبل وهي أحسن حالا مضمونا وشكلا.
وبعد هذا نتساؤل، لماذا هذا الاهتمام بجمعها وتسفيرها والعناية بها والاعتماد عليها في كل المؤسسات العلمية بالمغرب وخارجه.
وإلى أي حد استطاعت شق طريقها الوعر وسط تيارات وإديولوجيات تستهدف النيل من كرامة المسلم؟
إن مجلتنا هذه صارت وثيقة تاريخية لا غنى لكل باحث عنها، ولا مناص لكل دارس منها وهو يتحدث أو يكتب عن النهضة الفكرية بالمغرب أو حضارته، أو عن الحركة السلفية، أو تاريخ المغرب الاجتماعي والسياسي والتربوي، وهذه الحقيقة تؤكدها لنا معظم المؤلفات على اختلاف تخصصاتها التي ألفت منذ فجر استقلال المغرب إلى يومنا هذا إذ تعتمد عليها كمرجع من المراجع، وهذا شرف وفخر وتكريم على كل حال لا تحظى به سوى قلة قليلة من المجلات والمراجع.
إنها تحاول أن تبتعد عن أن تكون لها صفة الصحافة اليومية ووظيفة الصحافة الأسبوعية لتظل خالصة للثقافة وقيمها، ومتربعة على أريكة الخلود تشرئب إليها أعناق الباحثين والدارسين وتستقطب اهتمامهم، ومما يعمق هذه الثقة بها أنها قد غدت فعلا منبرا للجهابذة من رجالات العلم وأساطين الفكر على اختلاف تخصصاتهم يشهد بها ما تنشره من أبحاث ودراسات لهؤلاء، وما تحظى به من اهتمام من لدن الجميع، ولولا هذا وذاك لما كان بمستطاعها أن تشهد عيد ميلادها الفضي وهي أكثر أملا في المستقبل وأصلب عودا وأوفر حظوظا.
ومن يلازم قراءتها يلاحظ بأنها حققت خلال هذه السنوات الأخيرة خطوات واسعة إلى الأمام وتقدما في الارتقاء بمستوى مادتها العلمية وفي الموازنة بين الحياة الروحية والعلمية والاجتماعية والسياسية، وكذا في التوفيق بين هذه الجوانب، مبرزة صلات الترابط والتكامل القائمة بينها.
ومجلة "دعوة الحق" بالإضافة إلى ما ذكر أصبحت مدرسة غير نظامية قائمة الذات تغذي العقول والأدمغة بسلسل عذب من العلوم على اختلافها، وتطمع أخرى بفيض منها سعيا في صقلها والارتقاء بها، وتلقح عقولا فتية ضد الأمراض الاجتماعية التي تحتاج بلدنا بمعلومات هادفة ليلا تزل وتنزلق ولتحصنها وتقيها من كل خطر محتمل.
عن رسالتها هاته التي قامت بها على كل الأصعدة والمستويات تستوجب منا جميعا على اختلاف مهماتنا ووظائفنا آباء وأمهات ومربين و... أن نحتفل بذكراها متمنين لأن تواصل مسيرتها الظافرة على النهج الذي رسمه لها باعث النهضة أمير المؤمنين حامي الملة والدين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني – أطال الله بقاءه – ألا وهو مواكبة العصر الذي تعيش فيه بأحداثه وقضاياه ومعاناته وتطلعات المغاربة إلى غد أفضل.
وإذا نحن عدنا إلى مجلة "دعوة الحق" وتصفحناها ألفيناها تتناول مختلف فنون المعرفة مستهدفة من هذه الأبحاث والدراسات غايات معينة كما أومأنا لذلك آنفا.
وعلى سبيل المثال نذكر بعض الدراسات القيمة التي تناولتها المجلة في رحاب التربية الخصب وميدان علم النفس الواسع، فتارة تحدثنا عن التربية بالمغرب عبر التاريخ، وأخرى تحدثنا فيه عن النهضة الفكرية به، كما تحدثنا عن المناهج التقليدية وآفاتها على مستقبل أبنائنا وحضارتنا، والمعاصرة وآفاقها ومحاسنها مع دراسات مقارنة لهما، وعلى كل فإذا نحن قمنا بدراسات تحليلية استقرائية لهذه الموضوعات كلها المطروقة في التربية وعلم النفس وسرنا أغوارها منذ نشأة المجلة إلى يومنا هذا أمكننا الخروج بحصيلة من المعلومات عن الحياة التربوية والتعليمية في المغرب قديما وحديثا حاضرا وآفاق هذه الحياة استقبالا، وبالمناسبة نقتطف فصلا من فصولها وهي تحدثنا عن التربية التقليدية بالمغرب.
"الطفل المغربي كان يدخل على المسيد فالجامع فيبدأ بتعليم الكتابة والقراءة تقليدا من غير إتقان لقواعدهما وحفظ ما تيسر، من القرآن الكريم محاكاة دون فهم لمعانيه، ولا معرفة لما يتضمنه من أحكام وأخلاق وقصص ومواعظ، فإذا حذق (المحضرى) القرآن انتقل يقرأ العلوم ويحفظ متونها كالأجرومية في النحو والمرشد المعين في الفقه والمقدمة الصغرى في التوحيد والحساب وكلما حفظ متنا وفه ما فيه من قواعد انتقل إلى متن في نفس الموضوع أوسع من الأول واشمل موضوعا، وهذه العلوم والمعارف كانت لا تخرج عن مادتي الدين واللغة" فإن الدراسة بهذه الطريقة البدائية العقيمة كانت في غالب الأحوال لا تؤدي إلى نتائج إيجابية، ولعقم الطريقة كانوا يتوسلون (أي القائمون بالتعليم) بشتى الوسائل القسرية والقهرية لحمل الطفل كرها على مواصلة العمل في ظل منهج يرفضه لكونه يسبب له متاعب نفسية وبدنية، وشعورا من المجلة بعقم الطريقة التقليدية أخذت تسعى إلى تخليص بعض العقول المتحجرة من فكرة حكم الأموات للأحياء.
إن بعض هذه العقول بقيت مخلصة للأحكام الاعتباطية البائدة الموروثة وظلت، أسيرة لفكرة الرفض المطلق للتجديد والتحديث قرونا، ولم تستطع التحرر من هذه الأفكار المتجاوزة رغم الضوء الساطع والبرهان القاطع الذي أسفرت عنه الدراسات الحديثة في إيجاد المناهج المكيفة التي تلائم ميول الطفل وحاجاته وقدراته واستعداداته، كل هذا لينشأ تحررية وواقعية متكاملة حسا ومعنا وروحا واجتماعا خلقا وجماليا.
وتحدثنا كذلك عن تاريخ نشأة جامع القرويين وعن الحياة التربوية والتعليمية بها وأنظمتها، وكذا عن مساهمتها كأقدم جامعة في بناء صرح الحضارة الإنسانية، إن القرويين كانت المنار الهادي للحائرين والمورد الروى للظامئين من أبناء المغرب وإفريقيا والأندلس والمشرق وذلك في أيام عزها، فليس يحصى من استضاء بنورها، ولا ينبغي أن نغفل ما كان لمؤلفات علمائها من تأثير على النهضة العلمية بأوربا، تلك المؤلفات التي ترجمت واستفيد منها أعظم استفادة في العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها.
وإلى جانب ذلك نجد في صفحاتها أحيانا أبحاثا ودراسات لبعض رجالات التربية تدعو إلى التجديد والتحديث في المناهج والبرامج والطرق لمسايرة ركب الحضارة، كل هذا في إطار ديننا الإسلامي وأصالتنا، وعلى كل مجلة "دعوة الحق" أصبحت موسوعة متكاملة شاملة لكل ميادين المعرفة.
وإلى جانب هذه الدراسات التربوية والأبحاث البيداغوجية قامت بدراسات اجتماعية قيمة ومفيدة استهدفت طرح المشاكل الحقيقية التي تقف سدا منيعا في وجه النهضة وبالتالي التقدم العربي والإسلامي.
ومن هذه المشاكل التي تناولتها المجلة بالدرس والتحليل مشكل التقليد، تقليد الضعيف للقوي والصغير للكبير وتتمثل صفاته في الخمول والكسل والبلادة وحالة من التشتت والشعور بالعجز، كما تناولت مشكل انسلاخ الإنسان عن مجتمعه والتظاهر بالزهد إلى حد الإفراط أو مشكل الدنيوية فالحال الأولى مشكل الصوفية التي لا نعني بها التقوى أو الروحانية الخاصة بالإسلام المستمدة من الإيمان الحقيقي، بل نعني بها الصوفية المرادفة للشعوذة التي تتنكر تحت هذا الاسم لغرض من الأغراض الخبيثة والتي تستعيض عن المعرفة العقلانية بالكشف والتأييد للكرامات والتوكل والاستسلام، لقد أدى شيوع مثل هذه الظاهرات المرضية إلى احتياج أوبئة اجتماعية كان لها أبعد الأثر سلبا على حياة العرب والمسلمين، كما كانت لها انعكاسات خطيرة على العقلية والسلوك ومثل هذه الظواهر تتعارض لا ريب مع الحياة الحقيقية لكونها تستنزف قوات بشرية عبثا وتمتص طاقات أخرى هدرا.
أما الحالة الثانية فنعني بها مشكل الدنيوية وهي تنشئة الفرد في غيبة عن الجانب الديني، وكأن لا علاقة للدين بالدنيا، وهذا الشعور بالازدواجية المصطنعة أدى إلى صراع وتطاحن وإلى إشكالية ذات أبعاد خطيرة في المجتمع، إن كل ما يلاحظ من تهاون وتخاذل واستهتار بالقيم والمبادئ وتفشي الكثير من الأمراض ه نتيجة حتمية لهذا التقسيم التعسفي بين المادة والسروح وبين الدين والدنيا، وشعورا من المجلة بخطورة الحالة والموقف، وسعيا منها في إيقاف هذا الداء العضال بادرت بتخصيص دراسات مركزة استهدفت إعادة النظر في تنشئة الفرد تنشئة دينية في إطار اجتماعي، كما عالجت المجلة بكل موضوعية مشكل الاستعمار، أسلوبه، هويته، استيلابه، إنه في كل يوم يتخذ أسلوبا جديدا للهيمنة والقرصنة تحت غطاء الإنسانية والتحضر، ويتوسل لذلك بوسائل ثقافية وعلمية وتكنولوجية وغير ذلك، إنه فقط يسعى بكل الحيل والمكائد ليصل إلى أغراضه ومبتغاه ألا وهو التوصل إلى استلاب الإنسان، بمعنى أن يجعله يشعر بالدونية والعجز والنقص ولا أمل له في تدارك مافات سوى التعلق بأذياله أو السير في فلكه، إن مجلتنا غنية بمثل هذه الدراسات التي تكشف لنا عن نواياهم الحقيقية، وهناك موضوعات أخرى عالجتها المجلة بنجاح تناولت مشاكل أخرى وإشكاليات على صعيد الفرد والجماعة من جهة والعالم العربي والإسلامي من جهة ثانية.
ومن خلال هذا العرض الموجز لبعض أعمال المجلة تأتي أهمية ما تطرحه من أبحاث ودراسات، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن التاريخ التربوي الذي اهتمت به يحمل إلينا فلسفة الحياة في السلوك والقيم ويحمل إلينا رائحة الماضي تحضيرا للحاضر واستلهاما بقربنا من اليقين في معرفة معالم المستقبل.
وخلاصة القول: أن مجلة دعوة الحق ساهمت مساهمة فعالة في التوعية وقامت برسالتها خير قيام في ميدان نشر الدعوة الدينية الصحيحة السليمة بمنهجها الواضح وطريقها اللاحب، إنما يبقى أن نتساءل إلى أي حد نجحت في مقاومة الفكر الخرافي والتحديات الصهيونية وزحف التيارات الهدامة والإديولوجيات الأجنبية؟
هذا موضوع آخر يمكن تناوله في بحث مستقل، ولكن قبل أن أختم عرضي هذا أود أن أقول: أن مجلة "دعوة الحق" مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى لأن تتخذ منهجا جديدا وأسلوبا حكيما للوقوف بثبات واستعلاء لفضح نوايا الاستعمار والصهيونية التي تحاك ضد الإسلام بدهاء وخبث ومكر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here