islamaumaroc

دعوة الحق سجل ثقافي عايش المغرب منذ الاستقلال

  دعوة الحق

223 العدد

"دعوة الحق" مجلة شهرة تعنى بالدراسات الإسلامية وبشؤون الثقافة والفكر تصدرها وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، ولطالما تأملت في وظيفتها الفكرية وفي مدى ما استطاعت أن تقوم به من إحياء الفكر ونشر الوعي وتعميم الثقافة وتفسير مفهومها الالتحامي الذي يمتاز بالحرية والشمولية والتطور والتنويع فرايتها منبرا يدعو الحق بالحجة والبرهان لا تحول بين الاتجاهات الفكرية اللهم إلا إذا كانت منحرفة تتضارب مع روح فلسفتنا الإسلامية والوطنية أما إذا كان الغرض البنائي واضحا فهي تترك للذين يشرحون ويحللون ويجتهدون مجال القول ومجال الاجتهاد.
ولدت هذه المجلة في أحضان استقلال المغرب بعد أن قاوم الحماية الفرنسية بكل قواه لذلك سنجدها مصدرا تاريخيا يواكب تجربتنا الاستقلالية في المجال السياسي والفكري والاجتماعي كما يواكبها في التفتح الخارجي الذي كنا مكرهين قبل الاستقلال على الانغلاق دونه فقد حصل المغرب على الاستقلال بعد كفاح طويل وجهاد مرير وكان يتطلع دائما إلى أن يجد مفكروه وأدباؤه فرصة لشرح نظرياتهم وتحليل آمالهم وتسجيل بطولاتهم وإحياء تاريخهم وتبادل وجهات نظرهم سواء بينهم وبين إخوانهم في المغرب أو بينهم وبين المهتمين بالثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي أو في غيره من دول العالم.
لهذا وجدوا في هاته المجلة سبيلا إلى التغيير الحر ورآها حافزا عمليا يدعوهم إلى العمل وإلى الاجتهاد والمواطنة فلم يبق لهم مبرر إذا تقاعسوا أو تكاسلوا أو انغلقوا على أنفسهم فالحواجز قد انهارت والاستعمار قد ذهب إلى غير رجعة لكنه ترك بصماته على كثير من المناحي الثقافية في بلادنا فكان من اللازم أن نعمل على تطهير المغرب من هاته البصمات الممثلة للاستعمار الفكري وليس هناك أي سبيل إلى هذا التحرر إلا بفسح المجال للمؤمنين بالقيم الدينية والوطنية ليعبروا وليخططوا سواء بالمساهمة الفعالة في تسيير دواليب الحكم أو بالمساهمة الفكرية في توجيه الرأي العام وفي إعداد المواطن الصالح القادر على تحمل مسؤولية الاستقلال.
ومن المعلوم أن تحقيق الجانب الثاني يحتاج إلى وضع مجلة واعية تفسح آفاقها للذين يملكون منظرا اجتماعيا وفلسفيا يناهض الفكر الاستعماري ويمحو ما تركه من مخلفات في عقول عدد من الذين عبأهم الاستعمار بأفكاره المنحرفة وإيحاءاته الضالة سواء في الداخل أو الخارج.
وعمل كهذا يحتاج إلى الإخلاص والمواظبة وإلى الاطلاع على الأحوال العامة وإلى المشاركة الفعالة في الدراسات الجادة الهادفة إلى وصف الوضع الاجتماعي كما هو على تحديد ما يجب أن يصير عليه لأن المغرب بعد الاستقلال كان يتطلع على الوحدة والاستقرار وكان يتطلع على العلم ويود أن يحافظ على أصول مبادئه المثلى المتجلية في المحافظة على الدين الإسلامي وإحياء اللغة العربية، ولم يجد سبيلا إلى البلوغ إلى هاته الغايات إلا بإشراك رجال الفكر في هذه المهمة العظمى، لهذا فكرت وزارة عموم الأوقاف آنذاك في إنشاء مجلة "دعوة الحق" لتقوم بهذه المهمة ولتتولى هذه المسؤولية فاستجاب لها عدد من الكتاب والأدباء وتحملوا الأمانة بإخلاص وصارت المجلة بسبب ذلك سجلا حافلا بالوثائق القيمة، وروضة متفتحة الأزهار يانعة الثمار تمنح لناظريها باقات من الفكر مختلفة الألوان متعددة الأشكال.
أنشئت هذه المجلة في مرحلة عصيبة من مراحل الانتقال فكانت بسبب ذلك حاملة لرسالة هادفة إلى التوعية وإلى نشر المبادئ الإسلامية في صورة متفتحة وكان المجتمع حين ظهورها متعطشا إلى المعرفة باحثا عن سبل الحياة الرغيدة هائما في البحث عن المصير المشرق مضطربا بين شتى المذاهب الاقتصادية والاجتماعية لكنه كان ينتظر من المفكرين المسلمين أبحاثهم وكان متشوقا إلى منظورهم ليقتدي بهم فيما بلغوا إليه وليتأمل في مخططاتهم عساه أن يجد فيها ما يشفي غليله ويزيل قلقه واضطرابه.
وليس هناك مرحلة من المراحل الفكرية تحتاج إلى العمق الثقافي كالمرحلة التي يكون فيها المجتمع مضطربا في مناهله الفكرية وفي تصوراته الاجتماعية والاقتصادية، إنه حينئذ يكون في حاجة ماسة إلى المثقفين يعبدون له الطريق ويمهدون له وسائل الاستقرار ووسائل الاطمئنان، لقد حملت مجلة "دعوة الحق" هاته المهمة على عاتقها وساعدت بوسائلها الخاصة كل الذين كانوا يرغبون في تحمل المسؤولية الفكرية في بلادنا أو في غيرها من البلدان الأخرى ولم تحجر أساليب التعبير والإفصاح فهي كانت تقبل البحث والمقالة والقصة والمسرحية والقصيدة وتترك لأصحاب المواهب حق التصرف في مواهبهم وحق الحرية في استغلال سجاياهم حسب استعداداتهم ومؤهلاتهم.
كانت تقبل الإنتاج العربي المحض وتقبل الإنتاج الإسلامي المكتوب بلغة بعض الدول الإسلامية التي لا تتكلم العربية بعد ترجمته فكم قرأنا من مقالات وأبحاث مترجمة عن الكردية أو الفاسية أو التركية كما كانت تقبل الإنتاج الأوربي المترجم إلى العربية بحيث نجد في هاته المجلة مترجمات كثيرة عن الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية وغير ذلك من اللغات العالمية الحية.
إن هذه المجلة إذن ليست مجلة إقليمية وليست صفحاتها مخصصة لفئة دون أخرى فهي منذ البداية تعرف أهدافها وتحرص على تحقيق هاته الأهداف، ولقد تعاقب عليها محررون وتداولها أقلام مفكرين وواكبت مشاكل كبرى حدثت للمسلمين وللعرب بل واكبت أحداثا خطيرة ارتبطت بالعالم ككل فكان من الطبيعي أن تكون اهتمامتها منصبة على هاته المشاكل كلها وأن تعنى في بعض الفترات ببعضها دون البعض حسب الظروف المحيطة بالعالم إذ لا يمكن أن تنفصل مجلة واعية عن المجرى الكوني ونحن نعيش في عالم الأقمار الاصطناعية وفي عصر الثورة التقنية.
ومن أهم ما تمتاز به هاته المجلة أنها تفسح القول للرأي ولما يقابله وتترك مجال الحكم للذين يقارنون ويوازنون وقد تصل هذه الحرية أحيانا على حد الاحتدام وقد تكون أحيانا في حدود الإقناع الهادئ وهي في كل ذلك تترك للعلم هيبته ولا تتداخل في المجال القولي لمن أراد أن يساجل أو يواجه، شهدنا ذلك منذ البداية وأحسسنا به منذ ساهمنا بمقالاتنا وأبحاثنا في هذه المجلة الغراء.
إن هاته المجلة تعتبر نفسها واسطة للنشر وتحترم التزامها هذا فتترك للأدباء والعلماء حق القبول والرفض وتبيح لهم حق النقد وتلك سجية من سجايا الحرية الفكرية التي تبنتها منذ بدايتها ولكنها في الوقت ذاته كانت تسمح للباحثين أن ينقدوا وكانت تترك لمن أراد أن يتصدى للأفكار المنشورة أن يكتب ما شاء ثم تعرضه على القراء ليوازنوا وليقارنوا وليقبلوا ما ينسجم مع القواعد العلمية وليرفضوا كل ما عجز أصحابه عن الدفاع عنه، ولا تبالي في ذلك أكان المنقود من أسرتها القريبة أو من أسرتها البعيدة وتلك ميزة من مميزات الحوار الفكري الذي تنمو معه الثقافة وتزدهر.
عن المساجلات الفكرية ذات قيمة كبرى في الازدهار الثقافي إلا أن هذا الازدهار لا يكون قائما على ركائز قوية إلا إذا كان العلم منتشرا بين الربوع المختلفة بحيث تتيسر المطالعة وتسهل الاستفادة بل لا يكون قائما إلا إذا كان المثقفون قد اعتادوا المطالعة وتربوا على الانتقاد إليها والتأمل فيما ينشر سواء كان مطابقا لمنظورهم أو مخالفا لأنه فرق كبير بين أن تحجر رأيك فلا تقرأ إلا ما يكون موافقا له وبين أن تقرأ الآراء المتضاربة ثم تختار من مقروءاتك ما ينفع فالعقل الضيق يجعل الصدر ضيقا والجهل حرمان يبعث على التعصب ويخنق روح التطور فما أقسى على المؤلفين والمنتجين أن يكتبوا فلا يجدوا من يقرأ لهم أو من يحاورهم، إنها إذن لنكبة كبرى يصاب بها الفكر ما أحرانا أن نتجاوزها بخلق جيل حريص على المعرفة مجتهد في الطلب يعرف قيمة الكتاب وقيمة المنشورات الدورية والمجلات الفكرية.
إن من الوسائل التي يجب أن تنهض بها في أمتنا ونحن نتحدث عن الاحتفال بالذكرى الفضية لمجل "دعوة الحق" الاهتمام بالمطالعة والدراسة والحرص على التوعية الكافية التي تجعل من قرائنا جمهورا متحمسا للمطالعة عالما بفوائدها وبما تدره من الخيرات على نهضتنا الوطنية وحضارتنا الإسلامية فإن من أخطر ما وقعت فيه حياتنا العصرية مزاحمة وسائل النشر الإعلامية المرئية والسمعية للكتاب والمجلات فأصبح الكسل العقلي مسيطرا على عدد من الناس الشيء الذي يجعلنا نخشى على مصير الدراسات المعمقة وعلى مصير الكلمة المكتوبة مع أن الفرق كبير بين ما يكتب فينشر وبين ما يقال فيذاع أو يبصر فالمنشور ملك لك تتصرف فيه وتعاود النظر في محتواه وتعايش جزئياته وتباشر مضمونه مباشرة الناقد الممحص أما ما يذاع فهو شيء عابر لا استقرار له فلنعمل على تلافي هذا المشكل ولنوجه عناية طلبيتها وأبنائها إلى المطالعة الحرة بكل تبعاتها لنخرج الأدباء والعلماء والباحثين والمفكرين الذين يقدرون على استيعاب الحقيقة وعلى مناقشة الأفكار وعلى الأخذ والعطاء.
هذا وإني لأود وأنا أتحدث عن هاته المناسبة أن تساهم وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية في عملية مفيدة جدا تتعلق بوضع فهرست عامة لما نشر في هاته المجلة من موضوعات داخل هاته المدة وأن توازي ذلك بفهرست للمشاركين من العلماء والأدباء والشعراء والباحثين شرقيين أو غربيين ليتسنى لمن يريد البحث أن يجد في هاته المجلة ما يساعده ويرشده فقد أصبحت الآن كلياتنا مليئة بطلبة العلم وبالمحضرين للشهادات العليا وهم لا يتيسر لهم في كثير من الأحيان معرفة بعض المظان النافعة وحيث إن مجلة "دعوة الحق" تعد من أقوى المجلات الفكرية دراسة للمجال التاريخي وأكثرها حرصا على إحياء التراث فسيكون هذا الاقتراح سبيلا إلى تيسير البحث وتوفير عناصره للمهتمين.
وإن عملا كهذا سيجعلنا نطلع على موضوعات شتى ومختلفة منها التاريخي والسياسي والعلمي ومنها الوطني الإقليمي ومنها الإسلامي المشترك ومنها الإنساني المتصل بمشاكل العصر وبفلسفاته كما يجعلنا نطلع على أعلام من رجال الفكر والأدب ساهموا بإنتاجهم في هذه المجلة التي أثرت الحركة الفكرية ببلادنا وساهمت في نهضتها.
إنها عملية ستؤدي حتما – إذا طبقت – إلى استحضار عدد كبير من الأدباء سواء كانوا مغاربة أو غير مغاربة وستعيننا على الموازنة والمقارنة وستهدينا إلى الموضوعات الأساسية والتي شغلت العرب والمسلمين منذ خمس وعشرين سنة فكم من ثورة كانت تحتاج إلى توضيح أهدافها وكم من قضية كانت تحتاج إلى تبيين ملابساتها ويكفينا دليلا على ذلك ما سجلته هاته المجلة حول الوحدة الإسلامية وحول الجامعة العربية وحول القضية الفلسطينية وحول قضية الصحراء المغربية.
إنها مجلة هادفة إلى التحرير ساعية في إبعاد الطغيان حريصة على الربط بين آمال المواطنين داعية إلى الخير راغبة في الألفة وهي في كل أعمالها معتزة بالوعي الوطني المغربي الذي تلتحم فيه القاعدة بالقمة والذي تتسابق الأقلام إلى التعبير عما تكنه نحو العرش من مودة ونحو الدين من إحساس يبدو ذلك في عيد العرش وفي عيد الشباب وفي عيد المسيرة الخضراء كما يبدو ذلك في ذكرى نزول القرآن وفي الاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري وفي الافتخار بالأعياد النبوية وفي غير ذلك من الظروف الدالة على أن المغرب يسير سيرا نحو التكامل والصلاح.
ومما يدعو إلى الإعجاب أن هذه المجلة متطلعة إلى الأحسن راغبة في المزيد من الرعاية لهذا التمست من كتابها أن يدلوا بآرائهم فيما حققته من إغناء المسيرة الفكرية وفيما يقترحون للإبقاء عليها سامية مسايرة للتطور المنشود.
أما ما حققته من الإثراء الفكري فأمر قد اتضح فيما ذكرناه وأما الاستمرارية فمرجعها إلى إيمان المثقفين بدورهم الإيجابي في إحياء العقول وفي تنمية المدارك وفي ترقية البلاد فإن النكوص عن العمل يعد من أكبر الأخطار التي تهدد الحضارات بالزوال والانهيار، فلنسع قدر الإمكان في تزويد هاته المجلة بما يرفع من شأنها وبما يترك لها قوة الاستمرارية وبما يجعلها تساير التطور المعاصر ولنعمل على أن يكون الاتجاه الفكري الذي تتزعمه معتمدا على الدراسات العلمية الدقيقة لا على الإطار الخطابي الذي تنتهي قيمته بمجرد مرور الوقت عليه وهذه مسؤولية مقتصرة علينا نحن المغاربة بل هي مسؤولية المفكر العربي والإسلامي في كل مكان فإن هذه المجلة كما لاحظنا من قبل تفسح المجال لكل المثقفين الواعين في العالم الإسلامي لنحافظ جميعا على مستواها ولنحرص على أن تبقى مشرقة للفكر داعية للحق حاملة للواء الثقافة مسايرة لروح مسيرتنا الحضارية التي لا تنكر للأصالة من جهة ولا تضيق بأصول الفكر من جهة أخرى.
وإننا بعملنا هذا سنمنح لمجلتنا قوة جديدة تساعدها على الاستمرارية وتترك لها الطابع الشمولي الذي يجعلها من أشهر المجلات في القرن العشرين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here