islamaumaroc

حقوق الفرد والجماعة في الإسلام.

  دعوة الحق

223 العدد

تمهيد:
إن التعارف – بمعناه الخلقي والاجتماعي الواسع – مظهر هام من مظاهر العمران البشري، بل إنه من أسباب قيام هذا العمران واستمراره وبقائه.
ولست أعني بالتعارف أن يعرف الناس بعضهم بعضا بمجرد المعاينة والاحتكاك والتخاطب، بل أن يسود بينهم حسن الجوار، والتعاون، والمعاشرة بالمعروف، مع ما يقتضيه العمران البشري من قيام المعاملات بين الناس بالعدل والنصفة والمساواة في الحقوق والواجبات.
ولعل هذا هو المقصود بلفظ "التعرف" في قوله تعالى "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (الحجرات / 3).
وللمحافظة على المزايا التي تترتب عن هذا التعارف، كان لابد من أن تقوم بين الناس سلطة تحكم بينهم وتفصل في منازعاتهم وتساعد على إحقاق الحق وإبطال الباطل، ولا مجال للشك في أن الحكم الذي يستمد أصول أحكامه من الشريعة الإلهية هو النظام الأمثل والأصلح لاستقامة أحوال البشر المعنوية والمادية إذا جرى تنفيذها على أصولها وقواعدها.
قال الله سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين، وكلموا مما رزقكم الله حلالا طيبا، واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون" (المائدة / 87 – 88)
وقال تعالى:
"قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا: قل: الله أذن لكم أم على الله تفترون؟" (يونس / 59).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله فرض فرائض فلا تضيعونها، وحد حدودا فلا تقربوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" رواه الترمذي وابن ماجة.
وقال عليه الصلاة والسلام:
"ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا – ثم تلا: وما كان ربك نسيا – (من سورة مريم / 64)" رواه الحاكم وصححه وأخرجه أبو بكر البزار.
ولا شك أن القصد من التحليل والتحريم هو رعاية المصالح العامة للبشر وحفظ سلامتهم العقلية والبدنية والنفسية وتطهير أخلاقهم الفردية وسيرتهم الاجتماعية.
يقول الله تعالى:
"قال من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل: إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم، والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعملون" (الأعراف / 32 – 33).
فالمقصود بزينة الله، كل ما جعله – سبحانه – للناس في هذه الدنيا من متع حلال تطيب به نفوسهم ويسعفهم بأسباب التوازن العقلي والبدني والنفس كي يعيشوا عيشة سوية لا إفراط فيها ولا تفريط.
وتكتمل هذه الزينة المعنوية بالطيبات من الرزق، أي كل ما خلقه الله تعالى من أسباب المعاش ويسر وسائله كالغذاء والمسكن والمركوب وما يتعلق بذلك من موارد الطبيعة.
ونلاحظ أن لفظ "الفواحش" الذي ورد في الآية الكريمة بصيغة الجمع، جاء عاما شاملا للظاهر والخفي منها، ومعنى الفواحش: كل ما عظم قبحه من قول أو فعل ينكرهما الشرع والطبع ويؤديان إلى اختلال التوازن الفردي والاجتماعي في الخلق والمعاملات.
وقد فصلت الآية الكريمة بعض المحرمات التي يفضي ارتكابها إلى المساس بأحد الأركان الخمسة التي ذكرناها من قبل وهي: الدين والنفس والعقل والمال والعرض.
على أن الإنسان بغرائزه المعقدة وتكوينه الحيواني لا يدرك مصالحه الحقيقة إلا بالشرع المنزل، ذلك بأن الخالق أدرى بمصالح الخلائق، وتدبيره – سبحانه – منزه عن البعث والغرض، وما يأمر به أو ينهى عنه لا يحتاجان إلى التعليل.

المبادئ التشريعية
هذا وما دمت بصدد الكلام عن الحلال والحرام بوصفهما أداتين ضابطتين لنظام الحقوق والواجبات في الشريعة الإسلامية، فلابد من أن أشير إلى بعض المبادئ التشريعية المتصلة بذلك، ومن بينها:
أولا – أن الأصل هو الإباحة، فكل ما لم يرد بتحريمه نص صريح في الكتاب أو السنة فهو حلال، وما سكتت عنه الشريعة – في هذا الباب – فهو عفو، حسب لفظ الحديث الذي ذكرناه – على أن الفقهاء قد اصطلحوا على إطلاق لفظ "المكروه" على ما يحسن تركه إذا كان تكرار فعله
يؤدي إلى ـــــــــأو كانت فيه شبهة تستوجب الإنكار، ـــــــ باجتناب الشبهات ما أمكنه ذلك.
ثانيا – إن مراعاة حالة الاضطرار القصوى واردة في الشرع بنصوص صريحة، ذلك بأن الإنسان ملزم بالمحافظة على بقائه والتماس السلامة لنفسه ولأهله، فإذا ما هو تعرض لإكراه بدني لا يستطيع رده أو لجوع أو مرض لا يجد سبيلا إلى دفعهما إلا بالمحظور فإن الضرورة القصوى تبيح له ذلك وترفع عنه الإثم شريطة ألا يفرط وألا يتجاوز الحد الضروري لحفظ بقائه وسلامته، وفي هذا يقول الله تعالى: "فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم" (البقرة / 173).
ثالثا – إن رفع الحرج والمشقة عن الناس ثابت في الشريعة الإسلامية، فالإنسان غير ملزم بأن يتحمل فوق ما يطيق من الفروض، ومن حقه أن يلتمس الرخصة لنفسه دفعا للحرج والمشقة من غير تحايل.
والدليل على رفع الحرج في كتاب الله قوله تعالى:
"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" (البقرة / 185).
وقوله سبحانه:
"يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا" (النساء / 28).
وقوله تعالى:
"ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون" (المائدة / 6).
وفي الحديث الشريف، عن عائشة – رضي الله عنها –
"أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطبقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل" رواه الستة.
وقال صلى الله عليه وسلم:
"إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا طهرا أبقى" رواه أحمد.
رابعا – إن رعاية المصالح الكلية من أسس التشريع الإسلامي، وقد وضع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لذلك قاعدة ثابتة في حديثه المشهور: "لا ضرر ولا ضرار"، ذلك أن حقوق الأفراد متداخلة ومصالحهم مترابطة، وأحكام الشريعة، التي تأخذ بمبادئ العدل والمساواة، تميل إلى تغليب المصالح العامة على مصلحة الفرد، وتقديم درء المفاسد على جلب المنافع.
خامسا: إن سد الذرائع أصل من أصول الشريعة. ومعناه: منع فعل أو قول جائزين في ذاتهما إذا اتخذا طريقا لارتكاب المحظور، ومن هذا الباب اتقاء الشبهات، وقد روي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قوله:
"الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشبهات لا يعلمن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه".
سادسا – إن العدل مبدأ خلقي عظيم الشأن في رعاية حقوق الأفراد ومصالح الجماعة، لذلك جعله الشرع من أهم الضوابط الواجب مراعاتها صيانة للحقوق من العبث والانتهاك.
وقد نظر التشريع الإسلامي إلى العدل بعين الواقع فجعله قوام السلوك الفردي ومناط المعاملات بين الناس، فهو لا يقتصر على كونه قيمة مثالية تطمح إليها النفوس الخيرة بل إنه – في مفهوم الإسلام – قاعدة أساسية لكل فعل أو قول أو تعامل في أمور المعاش والسلوك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وفي القضاء والحكم بين الناس بغض النظر عن دينهم أو وضعهم الاجتماعي.
وقد وضع القرآن الكريم والسنة النبوية أسس العدل، على وجه العموم والإطلاق، كما بينت الشريعة أوجه
تطبيقه في القضاء والمعاملات ومناهج السلوك الفردي والاجتماعي.
قال الله تعالى:
"إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (النحل / 90).
وقال عز وجل:
"فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم، وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم" (الشورى / 15).
وقال تعالى:
"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس" (الحديد / 25).
وقال سبحانه:
"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" (النساء / 58).
فهذه أوامر إلهية عامة ملزمة لجميع المكلفين، الحاكمين منهم والمحكومين، وهي تبين أشياء منها:
- أن العدل حكم من أحكام الشريعة وركن أساسي من أركانها، وأنه جزء من رسالة الأنبياء، بعثهم الله وأنزل معهم الكتاب والميزان (أي الشريعة الإلهية) ليسود العدل بين الناس ويصبح مقياسهم في الأفعال والأقوال والمعاملات، ولتسهر السلطة الحاكمة على ذلك، وهذا ما يوحى به قوله تعالى: "وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد" وولاة الأمر هم المخاطبون بقوله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها...". وفي هذه الآية الكريمة ربط بين أداء الأمانات والحكم بالعدل لتوقف أحدهما على الآخر، وأداء الأمانات يشمل رعاية الحقوق في الولايات والأموال وغيرها.
أما من حيث التخصيص فقد أوجب القرآن الكريم العدل في القول والفعل، أي في الشهادة والمصارفة وفي جميع المعاملات المدنية والمالية والجنائية، وفي ذلك يقول الله تعالى:
"وإذا قلتم فاعدلوا، وإن كان ذا قربى" (الأنعام / 152).
وقال عز وجل:
"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا" (النساء / 135).
وقال سبحانه:
"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى"(المائدة / 8).
فهذه آيات بينات نزلت في الشهادة بالحق "وهي عامة لكل واحد في كل شيء" كما قال أبو بكر بن العربي المعافري (1) ويستخلص منها:
- أن المرء مطالب بأن يبادر بالشهادة قبل أن يسألها، وأن يدلي بها لله ولوجهه.
- أن الإنسان مأمور بأن يشهد بالحق ولو على نفسه وعلى والديه والأقربين، وأن يلتزم العدل لا تصده عنه عداوة لأحد (2).
وكما أن العدل مطلوب في الأقوال والأفعال، أي في السلوك الفردي والاجتماعي وفي ساحة القضاء والأحكام، فإنه واجب أيضا في المعاملات المدنية، وفي هذا يقول أبو الحسن الماوردي:
"وليس يختص العدل بالأموال دون الأقوال والأفعال، فعدلك بالأموال أن تؤخذ بحقها، وتدفع إلى مستحقها... وعدلك في الأفعال أن لا تعقب إلا على ذنب، ولا تعفو إلا عن إنابة" (3).
وفي هذا المعنى أيضا يقول ابن تيمية:
"والذي على ولي الأمر أن يأخذ المال من حله، ويضعه في حقه" (4).
هذا والعدل، بمفهومه الشرعي، يقتضي المساواة التي هي وجه من وجوه العدل، والمظهر الأسمى للمساواة يتجلى في عمومية التكليف بأحكام الشريعة، وذلك ما يوضحه الشاطبي – وهو من علماء الأصول – بقوله:
"الشريعة – بحسب المكلفين – كلية عامة، بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف البتة" (5).
بل إن الشاطبي يذهب في الإيضاح أبعد من ذلك فيقول:
"كما أن الأحكام والتكليفات عامة على جميع المكلفين... كذلك المزايا والمناقب، ما من مزية أعطيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم سوى ما وقع استثناؤه – إلا وقد أعطيت أمته نموذجا منها، فهي عامة كعموم التكاليف" (6).

ماهية الحقوق وأنواعها:
أنتقل الآن إلى بيان ماهية الحقوق وأنواعها بادئا بشرح مدلول اللفظ في اللغة والاصطلاح.
يقترن لفظ الحق في اللغة العربية بالثبوت والوجوب، وعلى هذا فالحق، لغة، هو كل قول أو فعل ثبتت مطابقته للصواب.
أما في الفقه فيمكن تعريف الحق بأنه منفعة معنوية أو مادية تقررها أحكام الشرع وتحميها، علما بأن هذه الأحكام إنما تستنبط من أدلتها الأصلية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، "ولا يوجد حق شرعي من غير دليل عليه" (7).
ويمكننا أن نقسم الحقوق من حيث طبيعتها إلى قسمين رئيسيين هما:
1- الحقوق الفطرية: وهي الأصل فيما عداها
2- الحقوق المكتسبة: وهي متفرعة عن الأولى.
أولا – الحقوق الفطرية
ونقصد بها جملة المنافع التي قررها الشرع على وجه الإطلاق والعموم ومنحها للإنسان من حيث كونه مخلوقا أوجده الله على هذه الأرض، بمقتضى حكمته العليا وسخر له أسباب الحياة والعيش ووسائل المحافظة على نوعه بالغذاء والتناسل ومدافعه الشر وعوادي الطبيعة، والانتظار في سلك الجماعة.
والأصل في هذا النوع من الحقوق ما قررته الشريعة الإلهية في كتاب الله وسنة رسوله، من مزايا ومنافع معنوية ومادية من الله بها على عموم خلقه تفضلا منه وإنعاما، وسخر لهم أسبابها ووسائلها واستخلفهم عليها وجعلها متاعا لهم في هذه الدنيا ليؤدوا واجب الشكر لله وليقيموا حياتهم على خير ما يوصلهم لنعيم الآخرة سالمين غانمين.
قال الله تعالى:
"وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" (الجائية / 13).
والقرآن الكريم زاخر بالآيات التفصيلية الدالة على ما سخره الله لخلقه من المنافع المعنوية والمادية وما يسره لهم من وسائل المعايش ومهده من سبل السعي والعمل في بر الأرض وبحرها وسمائها ليتصرفوا فيها بالعدل والإحسان ويقابلوها بشكر النعم.
فهذه سورة النحل – مثلا – فيها عدد كبير من الآيات تشير إلى نعم الله الميسرة للبشر – وهو ما سميته بالحقوق
الفطرية لارتباطها بالوجود البشري وسعى الناس في هذه الدنيا تتميما لإرادة الخالق سبحانه، ومما جاء في هذه السورة قوله تعالى:
"والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس" 5 – 6 – 7.
"هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون؛ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون؛ وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون؛ وما ذرا لكم في الأرض مختلفا ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم يذكرون؛ وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون؛ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون؛ وعلامات وبالنجم هم يهتدون؛ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون؛ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم" 10 – 18.
"والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، إن في ذلك لآية لقوم يسمعون" 65.
"والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا، إن الله عليم قدير" 70.
"والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم، فهم فيه سواء، أفبنعمة الله يجحدون" 71.
"والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات..." 72.
"والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون" 78.
"والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين" 80.
"والله جعل لكم مما خلق ظلالا، وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم، كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون" 81.
ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى حينما عدد هذه النعم كلها، قال في نفس سورة النحل:
"إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" 90. "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون" 91.
ثم بعد ذلك يأتي قوله تعالى:
"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" 97.
ويضرب الله تعالى في نفس السورة مثلا فيقول:
"وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رعدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" 112.
ثم يقول عز وجل:
"فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون" 114.
وفي ذلك ربط محكم بين عدد من العناصر التي تتكامل فيستقيم بها الوجود البشري وينضبط نظام الحقوق الفطرية، فالله سخر للناس كل المنافع وأسباب المعاش، بعد أن وهبهم الحياة والعقل والحواس، ثم أمرهم بالعدل والوفاء بالعهود، ووعد الصالحين منهم بالثواب، وتوعد المفسدين بالعقاب في الدنيا قبل الآخرة، ثم حث المؤمنين على التماس الحلال الطيب وأمرهم بشكر النعمة، هذا ونجد في سورة لقمان آية جامعة لكل المعاني التي ذكرناها حيث يقول الله تبارك وتعالى: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير" (لقمان / 20).
فإذا نحن تأملنا في هذه الآيات البينات وتدبرناها وجدناها مشتملة على ذكر جميع النعم المعنوية والمادية، الظاهرة والخفية التي سخرها الله للناس وجعل حقهم فيها سواء بمقتضى الفطرة التي فطرهم عليها ومعنى النعمة كل عطاء يحسن به الحال.
والتسخير – الذي يكثر وروده في هذا المقام – معناه سياقة الشيء قهرا إلى الغوص المعين له، وفي هذا دليل على أن الله – سبحانه وتعالى – طوع الموارد والظواهر الطبيعية الضرورية للحياة البشرية ويسرها للإنسان وأتاح له أسباب الانتفاع بها، وهذا هو منشأ الحقوق الفطرية التي يمكن حصرها في ثلاثة أصناف:
أولا – الحق في الحياة.
ثانيا – حق السعي في الأرض.
ثالثا – حق تكوين الأسرة.

الحق في الحياة
ينشأ هذا الحق مع الإنسان منذ أن يكون جنينا في بطن أمه ويرافقه في حال الولادة وأطوار النمو.
وبما أن الله وحده هو واهب الحياة، وهو الذي يتوفى الناس في أجل مكتوب يعمله، فإن الشريعة تحرم انتهاك هذا الحق، فهي لا تجيز إسقاط الجنين كما تحرم قتل النفس بأي شكل من الأشكال كوأد الأطفال، والانتحار والاغتيال إلا في الحالات والحدود التي قررها الشارع كالقصاص والدفاع عن النفس والعرض وما إلى ذلك.
وقد تكفل التشريع الإسلامي ببيان الأحكام التفصيلية المتعلقة بصيانة الحق في الحياة، ولاسيما في الجنايات والحدود.
ومما يستحق الذكر في هذا الباب أن حد القتل في الشريعة الإسلامية يعتبر في نظر الفقهاء من حقوق الناس على خلاف حد الحرابة والسرقة والزنا والقذف فإنها تعتبر من حقوق الله.
ويترتب عن هذا أن أولياء القتيل – في القتل العمد – يملكون حق العفو عن القاتل، إن شاؤوا، وذلك استنادا إلى الحديث الشريف الذي يرويه شريح الخزاعى ولفظه: "من أصيب بدم أو خبل – والخبل الجراح أو فساد الأعضاء – فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإذا أراد الرابعة فخذوا على يديه: أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية"، وهذا مبدأ في الأحكام لا يوجد له نظير في القوانين الوضعية، ومن شأنه أن ينزع البغضاء والأحقاد من النفوس وأن يؤكد حرمة الحياة في شريعة الله.
هذا ويرتبط بالحق في الحياة وجوب الضرب على أيدي المفسدين وقطاع الطرق ومعاقبتهم بالحد المقرر شرعا، وهذا من مسؤوليات ذوي السلطان، وفي صيانته صيانة لحقوق الله ذات الأثر على أمن الناس وسلامتهم.

حق السعي في الأرض
للسعي في أرض الله – برا وبحرا – غايتان رئيسيتان
أ- طلب المعرفة.
ب- واكتساب الرزق.
فالمعرفة تنال بالتدبر والتفكر فيما خلق الله من أشياء وظواهر في الأرض والسماوات.
وقصد المعرفة: صحة العقيدة ثم الانتفاع بالطاقة الذهبية والنفسية والبدنية على وجه يؤدي إلى اكتساب الخبرة والمهارة اللازمتين لفهم الحياة وظواهر الطبيعة ولحسن استثمار الموارد المتاحة وتنظيم العمران البشري على أساس العدل والمساواة والتعاون واحتساب العمل لله استعداد ليوم المعاد.
أما اكتساب الرزق فإنه لا يتأتى إلا ببذل المجهود وبتعاون القوى العاملة في الجماعة وتقسيم الشغل بالنصفة بين أفرادها، وتوزيع الثروة على قدر الجهد المبذول أو تنفيذا للحق المقرر في الأموال لفائدة ذوي الحاجة من المستحقين.

حق تكوين الأسرة
هذا الحق من ضرورات اكتمال العمران البشري وانتظام المعاش الفردي والاجتماعي، وعناصر هذا الحق: المسكن والزواج وإنجاب الأطفال وتربيتهم، وما يتعلق بذلك من الحق في الأمن الاجتماعي، وحق الدفاع عن العرض، وحقوق الجوار والأرحام، وغير ذلك.
ثانيا – الحقوق المكتسبة
لقد سبق أن قلنا إن الحقوق الفطرية هي الأصل فيما عداها من الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية التي يقضيها العمران البشري وتهتم بها مختلف أحكام التشريع الإسلامي وتتعلق في الجملة، بالولايات والقضاء ومسائل الحرب والسلام كما تتعلق بالملكية وأنواعها، وبالارتقاء والشفعة والحيازة، وإحياء الموات، والتحجير، وأنواع العقود، أو بالحضانة والنفقة والإرث وما إلى ذلك من الأمور التي تهتم بها أبواب الفقه الإسلامي.
فهذه "الحقوق المكتسبة" هي التي ستكون موضوع القسم الثاني من هذا البحث، إن شاء الله تعالى.

خاتمة:
الآن وقد عرضت طائفة من المبادئ التشريعية والخلفية التي يرتكز عليها نظام الحقوق في الإسلام وبينت ماهية ما سميته "بالحقوق الفطرية" تمييزا لها عن الحقوق الفردية المكتسبة، أود أن أوضح أنني تعمدت أن أتجنب الخوض في أية مقارنة بين مفهوم الحقوق في الشريعة الإسلامية ومفهومها عند الدول الغربية، وذلك، أولا، لاختلاف زوايا النظر، وثانيا، لكون نظام الحقوق في الإسلام قد سبق سائر ما قررته القوانين الوضعية في هذا الباب، وثالثا، لأن الإسلام نظام شمولي النظرة تقترن فيه الأحكام التشريعية بالأخلاق وترتبط حقوق الناس بحقوق الله، والعمل الدنيوي بالمآل الأخروي.
وقد تبين لنا من خلال المبادئ والتشريعات التي عرضناها أن نظام الحقوق في الشريعة الإسلامية هو التجسيم الأمثل لما يسميه علماء الشرائع الوضعية بالقانون الطبيعي الذي يستمد وجوده وقوته من الحق المطلق والعدل المطلق، ويطمح إلى المثل الأعلى ويسمو على موضعات البشر.
والشريعة الإسلامية إنما جاءت بوحي من الله سبحانه لتبين للناس أصول هذا القانون الطبيعي الذي أنشأه الله بحكمته، وأرسل لبيانه الرسل وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط.
"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيما" (النساء / 105).

1) أحكام القرآن، ج 1، ص 507.
2) نفس المصدر، ج1، ص 507.
3) قوانين الوزارة، تحقيق رضوان السيد، ص 26 – 124.
4) السياسة الشرعية.
5) الموافقات، ج 2، ص 244.
6) نفس المصدر، ج 2، ص 244
7) الفقه الإسلامي، ص 187، تأليف محمد سلام مذكور.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here