islamaumaroc

عن محنة المسلمين في اسبانيا.

  دعوة الحق

223 العدد

** تحت هذا العنوان نشرت مجلة (المجلة العربية) التي تصدر بالمملكة العربية السعودية تعليقا لكتاب الأستاذ محمد قشتيليو (محنة الموريسكوس في إسبانيا) كتبه الأستاذ محمد بن عبد الله الحمدان في حلقتين، ونحن ننشر الحلقة الأولى من هذا التعليق على سبيل التعريف بما ينشره أشقاؤنا في المشرق عن الكتاب المغربي:
لن أكتب عن محن المسلمين في الوقت الحاضر، وإذلالهم وقهرهم في أنحاء مختلفة من العالم... في الدول الشيوعية، وفي أفغانستان، والفلبين، وغيرها. ولكني سأكتب عن المحنة التي ابتلي بها المسلمون في إسبانيا بعد استيلاء النصارى الإسبان عليها، وقبل أن أدخل في الموضوع أشير إلى ما سبق أن كتبته في جريدة الرياض بتاريخ 24 / 2 / 1398 هـ بعنوان "رسالة على الغرباء" وهو تعليق على ما ذكره الأخ يحيى ساعاتي من أنه لم ير رسالة أحمد بوجمعة النغراوي إلى مسلمي الأندلس منشورة في أي مطبوعة، فأخبرته بأنها نشرت في كتاب محمد عبد الله عنان عن الأندلس مما هو في مكتبي، ونوهت بجهود الأستاذ بن شكيب أرسلان، ومحمد عبد الله عنان، في كتابه تاريخ الأندلس ومؤلفاتهما الكثيرة في ذلك.
واليوم أجدني لأعاود الكتابة في الموضوع بعد أن وجدت في مدينة طنجة الجميلة كتاب (محنة الموريسكوس في إسبانيا) لمؤلفه المغربي الأستاذ محمد قشتيليو، وقد قرأت الكتاب من ألفه إلى يائه وأحببت أن أشرك القراء في الاطلاع على بعض ما جاء فيه من حقائق ومعلومات عن محنة أولئك القوم في ظل التعصب المقيت الذي أعمى أبصار وبصائر قادة ذلك العهد في إسبانيا حتى نكلوا بالمسلمين، وأذاقوهم أصنافا من العذاب والإهانة والاضطهاد... فعلت ذلك لعلمي بعدم إطلاع الكثيرين على هذا الكتاب وأمثاله، باعتبار أن ما ينشر في جزء من أجزاء الوطن العربي والإسلامي لا يصل – مع الأسف – إلى الأجزاء الأخرى إلا نادرا.
ولست هنا في مجال استعراض الكتاب ودراسته، فلذلك أهله ووقته، لكني سأقتطف منه بعض الفقرات المهمة، وسأورد نص مخطوطة هامة نشرها الؤلف بعد أن عثر عليها في الخزانة الكتانية في مدينة فاس.
الكتاب يقع في 118 صفحة، طبع عام 1980 م في مدينة تطوان بالمغرب ومؤلفه درس في كلية الآداب بمدريد، وفي نفس الوقت كان مدرسا مساعدا بها للغة العربية بشعبة اللغات السامية، وبعد استقلال المغرب تقلب في عدة وظائف في وزارة الخارجية المغربية، وفي سفارات المغرب وقنصلياتها، في كل من الجزيرة الخضراء (إسبانيا) مدريد، الجزائر، جدة، البرازيل، والبرتغال، وأهدى مؤلفه هذا إلى (كل من عضه الدهر بنابه وطرد يغير حق من أرضه).
وعنوان الكتاب (محنة الموريسكوس في إسبانيا) وكلمة "الموريسكوس" مشتقة من "مورو" وهو المغربي بالإسبانية... وفي الكتاب أربع صور نادرة (تجدها مع هذا المقال) لم يذكر المؤلف مصدرها، ولا أين عثر عليها.
قال المؤلف في مقدمة كتابه إن فكرة الكتاب برزت في الأربعينات، وأنجز تأليفه في آخرها، ونشر مقالات منه في أول الخمسينات في مجلة (الأنيس) التي تصدر في تطوان، وفي مجلة "الشرق" في سان باولو (البرازيل) وفي مجلة (تطوان)، إلا أنه لم ير النور إلا هذا العـــــــــــــام (1980 م).
وقال أيضا (إن الكتاب يتناول حياة أواخر المسلمين بالأندلس بعد انتهاء حكمهم فيها بسقوط آخر مملكة عربية (غرناطة) في الثاني من يناير 1492 م) (897 هـ)، ولم يهتم بالكلام عما قبل هذه الحقبة لعلمه أنها نوقشت من طرف عدد غير قليل من المؤلفين، وهذه الفترة لا تتعدى قرنا والربع من الزمن قضاء الموريسكوس في حالة يرثى لها من التشريد والاضطهاد أيام حكم الملوك الإسبان، وقد قام الموريسكوس بعدة محاولات لإعادة ملكهم من جديد بتنصيب أشخاص من سلالة عربية إسلامية كملوك عليهم ولكن محاولاتهم كان مصيرها دائما الفشل.
وعن السبب الذي جعل المؤلف يهتم بهذا الموضوع قال إنه عندما طالبا ومدرسا مساعدا في نفس الوقت للغة العربية بكلية الفلسفة والآداب بجامعة مدريد كان الطلبة الإسبان يمطرونه بكثير من الأسئلة، ويستفهمونه عن سبب حمله للقب إسباني محض وهو مغربي، وكان يرد عليهم بأن أصله من هذا البلد، وأجداده هاجروا منه إلى المغرب في أيام المحن والاضطهاد على أيدي أجدادهم.
وقد اعتمد المؤلف على المؤلفين الإسبان مثل (خانير) وغيره الذين قال إن جلهم لم يخف الحقيقة التي تروى ما قاساه المسلمون على أيدي بني جلدتهم ولم يجد المؤلف من آثار أولئك الذين طردوا إلا القليل النادر من كتابات وتعويذ وأدعية في مكتبات مدريد والإسكوريال، ومنها ما هو مكتوب بالمسمى عند الإسبان كتابة (الخميادو) هي الإسبانية مكتوبة بالحروف العربية.
وأورد المؤلف مثالا من الاتفاقات التي تمت بين النصارى والمسلمين، وهو اتفاق خايمي الأول (الفاتح) مع مسلمي وادي وكس الذي ينص على بقائهم بالوادي المذكور، والسماح لهم في كل ما سلف، ومنحهم حق تعليم القرآن جهارا في منطقتهم، وإقامة شعائرهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية، وإعطائهم حرية التنقل على أساس أن يدفعوا الضرائب المفروضة عليهم، كما خول لهم حكم أنفسهم بأنفسهم فيما يقع بينهم من المشاكل بشأن الماء، ويتصرفون في أملاك المساجد، وتعيين حكامهم بأنفسهم، ولا يسكن بينهم نصراني أو متنصر إلا برضاهم. إلخ.
وفيما يلي بعض مقتطفات من الكتاب:
(وفي عام 1313 م منع خايمي الثاني المسلمين من حمل السلاح في الشوارع، وأرغمهم بأن ينحنوا على ركبهم، أو يبتعدوا عند مرورهم أمام مكان مقدس عند النصارى، ومنعهم من أن ينادوا جهارا للصلاة في الشوارع والميادين...)، (ويقول خانير إن المسلمين أقبلوا على المسيحية لما رأوا من تسامح هذا الراهب وكانوا ينادونه الفقيه العظيم المقدس) وقد وفق في عمله وأدخل في النصرانية عددا كبيرا من المسلمين حتى بلغ يوما عدد من اعتنق المسيحية أكثر من ثلاثة آلاف، واضطر لإقامة الصلبان والمنابر بالشوارع والميادين والكنائس... وفي عام 1499 م عين الملوك الكاثوليك (القسيس خميمنث دي ثيسنيروس) مساعدا للراهب (طالا برا) وبقدوم هذا للعمل ابتدأت محنة المسلمين فقد غير خطة التنصير، وابتدأ بجير المسلمين على اعتناق النصرانية بالقوة والعنف، وأحرق كتبا كثيرا في الميادين العامة على مرأى ومسمع من الجميع...).
(تنصر هؤلاء المسلمون ولكن تنصرهم كان ظاهريا فقط، وعدوانهم للنصارى باطنيا، فكانت عقيدتهم التي يتمسكون بها هي الإسلام، وعاداتهم إسلامية، ولغتهم عربية، وقلبهم يؤمن بالله وبرسوله..) ص 25.
وكان الموريسكو يجبرون على أخذ أولادهم إلى الكنيسة لتعميدهم، وتسميتهم بالأسماء النصرانية، وعند عودتهم إلى البيت سرعان ما يغسلونهم، ويختنونهم ويعطونهم أسما عربيا، وعند الزواج يجبرون أيضا على أن تلبس العروس لباسا نصرانيا، وتذهب إلى الكنيسة لتتزوج حسب الطقوس المسيحية، وعند عودتها إلى منزلها تنزع اللباس النصراني، وتلبس اللباس العربي المسلم، ويدخلونها في مكان مهيأ لذلك... وبما أنهم كانوا يجبرون على صلاة النصارى باللغة الإسبانية فكان فيهم من لا يريد تعلمها ليمكن له أن يعتذر بأنه لا يعرف الإسبانية حتى لا يصلي صلاة النصارى... كانوا يستقبلون المغاربة والأتراك في بيوتهم وقراهم ويجعلون لهم علامات تسهل لهم، وترشدهم إلى كيفية الدخول إلى إسبانيا للسطور والإغارة والأسر... ص 26.
(وافق فيليب الثاني على تنفيذ ما أصدره "من تحريم التكلم بالعربية ولبس اللباس الإسلامي وسفور النساء وترك أبواب البيوت مفتوحة، ولم يتراجع رغم استعطاف الموريسكوس الذين لم يجدوا أمامهم إلا ملجأ القوة والعنف فصاروا يبعثون الحماس في نفوس الناس للانتقام واغتنام الحالة النفسية للغرناطيين المضطربة وأهالي – البوخارة (البوشارات) الذين كانوا على الدوام متشوقين للأخذ بالثأر من القوانين الشديدة التي صدرت خاصة منهم، وقد قرروا أن يهجموا على البيازين في ليلة 25 من ديسمبر ليفسحوا المجال لدخول ثمانية آلاف ممن سجلوا أسماؤهم لهذا الغرض من القوى وأمكنة أخرى...) ص 33
(لقد عرقل وصول الموريسكوس لأسوار غرناطة في الموعد المحدد كثرة الثلوج المتراكمة في جبال نغادا، وكانوا قد أعلنوا ذلك ولكنه وصل إلى البيازين زعيمهم أبو الفرج على رأس جماعة من المجاهدين يوقظ الناس، وينادي بأعلى صوته "لا إله إلا الله محمد رسول الله، ورنين السلاح يتردد في الأذان ولكن النصارى صاروا يقرعون نواقيس الكنائس طلبا للنجدة...).

حرب البوشارات وأسبابها
(بعد ما أعيت النصارى كل الوسائل للقضاء على الروح الدينية الإسلامية للموريسكوس وجعلهم نصارى حقيقيين لجأوا إلى طريق العنف، وسياسة الحديد والنار، فحرموا على الموريسكوس التكلم بالعربية، والاتصال بالمسلمين بالمغرب، بل بمقاطعات أخرى بإسبانيا، وحرموا على النساء الخروج إلى الشارع محتجبات، وقفل أبواب دورهم، وتحطيم الحمامات، وإقامة الحفلات والأعراس حسب تقاليدهم – كما تقدم – كل هذه الأشياء كانت الداعية إلى إثارة هذه الحرب، وحرب البوشارات هذه هي أهم حرب أو ثورة مسلحة قام بها المسلمون بعد سقوط غرناطة، كانت هذه الحرب في سنة 1568 م (976 هـ) وكان يتزعمها أحد الموريسكوس المنتصرين ظاهريا يدعى (فرناندو دي فالور) وسمي بعد ب (محمد بن أمية ) ص 35.
ولما وصل إلى علم النصارى أن المسلمين مقبلون على أمر أوقف النصارى القدماء التجارة، وحرموا الطريق المؤدية من غرناطة إلى الشواطئ، ولما رأى المسلمون ذلك اجتمع بعض رؤسائهم في مكان يسمى (كاديار) بين غرناطة والبحر ونهر المرية عند مدخل البوشارات، واتفقوا على عمل معين.
واجتمع أربعة آلاف رجل من البوشارات والبيازين ليدخلوا المدينة الحمراء، قسم من الباب وقسم يتسلق الأسوار، وكانوا يعلمون أن الحمراء لابد أن تطلق مدافعها، لذلك اتفقوا مع الموريسكوفيكا عند سماعهم للطلقتين الأوليتين من مدافع الحمراء أن يأتوا إلى المدينة ويكسروا أبوابها ويشعلوا النيران فيها ويحطموا بالحديد والنار كل ما يتعرض سبيلهم، ولكن قبل أن يقدموا على عمل خطير كهذا أرادوا أن يتحققوا من مقدرة الشعب ومد استعداده فبثوا جواسيس منهم يتطلعون لما يختلج في نفوس بعضهم.
وقد طلبوا قبل ذلك مساعدة من أمراء المغرب، كما طلبوا قبل ذلك بسنوات مساعدة من الخليفة العثماني بالقسطنطينة، وكذلك طلبوا مساعدة بحرية من ملك الجزائر، بعثوا عيونهم في كل المملكة لكي يتحققوا من قوتهم المسلحة، وكل جاسوس كان يمشي بصفة متسول ليعرف الطريق إلى الأماكن التي يمكن لهم أن يسلكوها لقتال أعدائهم تكون أكثر ضمانا وأقرب إليهم وأكثر سرا ويعرفوا من هو مسلح في المملكة، وجعلوا كل من عمره 24 و25 سنة مطالب بالحرب رجلا كان أو امرأة) ص 37

محمد بن أمية
(كان من الواجب أن يكون لهذه الحركة رأس يديرها ويلتف الناس حوله، فاستقر الرأي على تنصيب من يكون من نسل ملوك الأندلس السابقين، واشترطوا أن يكون قد لحقه الأذى والإهانة من النصارى كباقي أبناء جنسه، فوقع اختيارهم على شخص كان يدعى بالاسم النصراني (فرناندو دي فالور) وكان يلقب بالصغير وابن جوهر، وهو من نسل بني أمية ملوك الأندلس، وكان ينادي بين الموريسكوس (ابن أمية)، ويتمتع بنفوذ واسع بينهم، وصرامة وقوة، خبير بالقانون وبشؤون المملكة، فجاءت هذه البيعة أبا الفرج الذي كان هو الرئيس الفعلي، ومنظم الحركة، وكان رجل حرب قاسي القلب، وأول ما فعله محمد بن أمية – بعد تنصيبه ملكا – أنه رفع علما عليه هلال، وعين بحذاقته السياسية أبا الفرج وزيرا للعدل.
وخطب فيهم خطبة قال فيها – بتصرف – (لقد أصبحنا مطرودين من رحمة الجميع، فلا النصارى يعاملوننا كنصارى، ولا المسلمون ينظرون إلينا إخوان لهم ويساعدوننا فلا يكلمنا أحد، ولا يعاشرنا أحد، يمنعوننا من أن نتكلم لغتنا، ونحن لا نعرف القشتالية، وبأي لغة يا ترى يمكن لنا أن نتفاهم ونتعامل مع الناس؟ فإنهم يمنعوننا أن نخاطب حتى الحيوانات بلغتنا، يعلمون أبناؤنا فنونا قد حرم كبراؤنا منها، ويجعلون من يتبع القانون جريمة، وكل ساعة يهددوننا وينزعون أبناؤنا من أيدي أمهاتهم وآبائهم، ويرسلونهم بعيدين عنا لينسوا نوع المعيشة التي نعيشها بأن يصيروا أعداء لأبنائهم، ويعلمونهم في مدارسهم، ويمنعون حتى لباسنا العربي، ويجبروننا على استعمال اللباس الفرنجي مع أنهم يلبسون ألبسة مختلفة، فالألماني والفرنسي يتزين بزيه، والرهبان والشباب والشيوخ كل واحد بزيه الخاص، فكل حرفة وكل دولة تتزي بزينها، وكلهم نصارى، ونحن الموريسكوس تحتفظ بعقيدتنا في القلب لا في اللباس (حسبما يظهر أنهم أظهروا النصرانية ولكنهم بقوا بالزي الإسلامي) فماليتنا ليست كافية لشراء الملابس، وما عندنا لا يشتريه منا أحد، فإذا صرفنا ما عندنا لشراء الملابس فبأي شيء نعيش؟ إذا أردنا أن نتسول لم نجد من يتصدق علينا كمقراء معوزين، إننا أغنياء ولكننا محتاجون، ولا يوجد من بعيننا، أننا موريسكوس تشعر بالبؤس والذل والهوان، لأن المسيحيين يعتبروننا خارجين عن الإسبانية، فأجدادنا بقوا فقراء من جراء الحروب ضد قشتالة فعندما تزوجت بنت عمدة لوخا من القبطان الطاربقي مدينا لبعض الناس – ويوجدون هنا – الذين أعاروه بذلة لحضور حفلة الزفاف في أي وقت وفي أي زمن وبأية معاملة وأية صناعة ستكون عندنا حتى يمكن لنا أن نعبر زيا بآخر؟ نزعوا من الرقيق الأسود ومنعوهم من أن يخدموا بعد ما اشتريناهم وعلمناهم وبيناهم، والبيض لا يسمح لهم بخدمتنا لأنهم من دولتنا، ماذا يفعل من ليس لهم أولاد يخدمونهم ولا ثروة لدفع رواتب الخدمة لهم إذا مرضوا أو عجزوا أو عطبوا أو حضرتهم الممات؟ إن نساءنا وبناتنا يمشين محتجبات الوجه، فكيف يقمن بالعمل؟ هل نأمرهن بأن يمشين سافرات الوجه حتى إذا نظر إليهم تقع الفتنة ويصرن مملوكات للذين يقع عليهم نظره؟ كما يصرن معرضات لسفاهة الأشرار من شباب وشيوخ، يأمروننا بأن نترك أبواب بيوتنا مفتوحة، الشيء الذي كان أجدادنا يحافظون عليه لكثرة تمسكهم بالدين، وليس أبواب الدار فقط، بل حتى نوافذها، إنهم يأمروننا بهذا كله ليمكنهم أن يصلوا إلى بيوتنا وأملاكنا وعرضنا للأشرار وسفهاء القوم، ويرقبون الساعة والفرصة التي يأتون فيها لتنفيذ أغراضهم الدينية، ونزعوا منا ثرواتنا وشرفنا وعملنا بل حتى ملاهينا ومسلياتنا، ويتدخلون بالقوة وبأمر الحكومة في سرورنا ونشاطنا في زفافنا وفي سهراتنا ورقصاتنا وموسيقانا وأكلنا، بل حتى في نظافتنا التي هي ضرورة للصحة (كانوا يمنعونهم من الاغتسال لأنه مفروض على المسلمين) كيف تعيش نساؤنا بدون حمام، وهو عبادة قديمة عندنا؟ ألم تروهن في البيوت حزينات قذرات مريضات فالنظافة تورثهن السرور وتحافظ على الصحة واللباس... إن الملك ينقصه المال ورجال أكفاء وإن سلاح المراكب رديء وليست غرناطة وحدها التي عليها أن تنهض وتثور بل قسم من الأندلس الذي كان عند أجدادكم وهو الآن تحت حكم أعدائكم يمكن لكم أن تحتلوه في الكرة الأولى وأثبتوا في أماكنكم – ويضيف – جبال منيعة وأودية عميقة وسلاسل شاهقة وطرق ضيقة وعرة وشعاب بدون مخرج وإن هذه الحركة قد تنبأوا بها قبلنا، وإننا سنعيد مجدنا وأرضنا) ص 39 – 41.
تتويج محمد بن أمية (ألبس محمد بن أمية جبة ووضع في عنقه قلادة حمراء ثم أربعة أعلام في الأرض إشارة إلى أقسام الدنيا الأربعة وأدى صلاة انحنى أثناءها على الأعلام، ووجهه لناحية المشرق وأقسم أنه سيموت من أجل شريعته ومملكته ومن أجل رعيته وعندما رفع رجليه من المكان الذي كان واقفا به جاء أبو الفرج وقبل مكان قدميه كعلامة على الطاعة والولاء نيابة عن الجميع، ثم رفع محمد بن أمية على كتفيه ونادى "الله ينصر محمد بن أمية ملك غرناطة وقرطبة") ص 42.
قاتل المريسكوس أعدائهم قتال الأبطال ولكن الهزيمة كانت تلاحقهم – وقد اغتيل محمد بن أمية وعين الموريسكوس (ابن عبو) خليفة له، وقد قتل هذا أيضا من قبل أقرباء بن أمية، وانتهت الحرب بهزيمة المسلمين، ولما رأوا ما حل بهم لم يبق أمامهم سوى العمل المجدي بعيدا عن السياسة والحرب بل انعزلوا عن النصارى الأصليين وصرفوا همتهم للتجارة والزراعة.
(ويقول مؤرخو العصر من الإسبان إن المغاربة (موروس) أو المسلمون كما يقصدون أتوا لإسبانيا بزراعة السكر والقطن والحرير والأرز وكانوا يتقنون صناعة وزراعة هذه الأشياء ويحسنونها لدرجة أن صارت في أوج العظمة من الرقي والإتقان بفتح الترع للري وبناء السدود لخزن المياه فكانت هندسة هذه الأشياء في الدرجة الأولى من الرقي والتقدم في ذلك العصر، فكان ميناء بلنسية يصدر منه إلى الخرج إلى أقطار أوربا وغيرها مما لم يوجد عندهم من منتوجات صناعية وزراعية وغير ذلك، وما زالت لحد الآن أراضي الأندلس وبلنسية تعيش على حساب فن الملاحة والزراعة التي أدخلها لها المسلمون، فتوزيع المياه وتقسيطها حسبما ينوب كل بيت أو حقل مما يدهش السواح الأجانب من الفن الهندسي، وكانت لهم دراية ومعرفة وخبرة بالمواسم الفلاحية، وأوقات الري، وكانت لهم قوانين خاصة بهذا) ص 51.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here