islamaumaroc

نظرات في تاريخ المذهب المالكي.-2- أسباب انتشار المذهب المالكي في الغرب الإسلامي.

  دعوة الحق

223 العدد

راينا فيما سبق (1) كيف ان المذهب المالكي انتشر في الآفاق شرقا وغربا حتى انه انتشر في ثلاث قارات. وتمذهب به الناس. وصاحبه ما يزال على قيد الحياة .ملاحظين تقلص نفوذه في بعض الجهات من المشرق .واضمحلاله في بعضها الآخر .بينما ازداد انتشاره في الغرب الاسلامي. حيث توطدت اركانه. وقويت دعائمه. حتى غدا المذهب السائد في رقعة تمتد من مصر شرقا. حتى جبال لبرانس غربا. اذا استثنينا المنافسة النسبية لمذهب الاحناف في بعض الجهات من القطر التونسي خاصة... وهنا نريد ان نعرف ماهي الاسباب التي ادت به الى ان ينتشر و يشيع في هذه الربوع. ويتقلص نفوذه في المشرق- موطن نشاته- على خلاف المعهود..
و الباحثون في ذلك مختلفون. فمنهم من يرجع ذلك الى:
1) شخصية صاحب المذهب نفسه. لما عرف عنه من تمسكه بالسنة ومحاربة البدعة. وتشبثه التام بآثار الصحابة و التابعين و استجماعه ادوات الامامة... وهذا ما دفع الناس الى ان يقدروا علمه. وينقادوا لفكره. ويقتنعوا بان مذهبه اولى بالاقتداء و الاتباع . لانه اقرب الى روح الشريعة من سائر فقهاء الشام و العراق وغيرهما من الامصار الاخرى. اضافة الى ثناء الناس عليه. واعجابهم بحسن سيرته. و موطن نشاته و استقامة سلوكه. وجديته و اخلاصه في بذل العلم . والتزامه الصارم باتباع نصوص الكتاب و السنة. و القياس الواضح . فما من مسالة عرضت عليه . الا والتمس لها حلا في الكتاب و السنة . فان لم يجد ذهب الى القياس الصحيح. فاذا لم يجذ اعتذر عن الافتاء و الحكم. واكتفى بجملته المحببة لديه : (( لا ادري))...
 وللاثر الوارد في شان عالم المدينة. الذي حمله بعض العلماء عليه . ومهو قوله صلى الله عليه وسلم : (( يوشك ان يضرب الناس اكباد الابل في طلب العلم . فلا يجدون عالما اعلم من عالم المدينة(2) قال سفيان بن عيينة. كنا نسمع اهل المدينة يقولون انه مالك بن انس(3) ومن تقدير الناس له ، وإعجابهم به، ما رواه المالكي عن سحنون قال: قرا علينا بن غانم كتابا من الموطأ فقال له رجل : يا ابا عبد الرحمان : يعجبك هذا من قول مالك؟ فقال بن غانم وألقى الكتاب من يده. وقال : او ليس وصمة علي في ديني ان ارد قولة قالها ؟ و الله لقد ادركت العباد الذين يتورعون عن الذر فما فوقه.. فما رايت بعيني اورع من مالك(4) وكانوا يقولون مثل مالك في العلماء مثل الثريا(5)...
فمالك كان عند العلماء ثقة مامونا ثبتا فقيها ورعا حجة عالما..وهذه الصفات هي التي حببته  الى قلوب المغاربة ، واكسبته ثقتهم لما رجع طلابه يصفون فضله، وسعة علمه، واستقامة سيرته، وجلال قدره. ولذلك كان طلبة العلم يقطعون اليه آلاف الاميال يسالونه . و ياخذون عنه. فاتفقت آراؤه مع آرائه واصبح عندهم الامام الحق. الذي لا يدانيه غيره . بل انهم افتتنوا به وبافكاره وسلوكه. حتى اتخذوه قدوة لهم في كل شيء. حتى في سلوكه الخاص من لباس واكل. وكيفية جلوسه للاقراء. وطريقته في التحديث.. كل ذلك إذا عند طلابه ومريديه المثل الاعلى الذي ينبغي  ان يحتذيه المسلم الحق. و العلم المتثبت.
2) ومنهم من يرد ذلك الى ملاءمة مذهبه لطبيعة المغاربة. ذلك ان المذهب المالكي- كما هو معروف عنه- مذهب عملي يعتد بالواقع . وياخذ باعراف الناس وعاداتهم. ففقهه عملي اكثر منه نظري. يتمشى مع طبيعة الفطرة في بساطتها ووضوحها. دون تكلف او تعقيد. واهل المغرب بطبعهم يميلون  الى البساطة  و الوضوح. و يفرون من النظريات المتطرفة. والتاويلات البعيدة المتكلفة . فمذهبه خلا من تداخل الآراء. وظل بعيدا عن الشوائب التي تسربت الى الدين في الامصار الاخرى. نتيجة اختلاف الناس، باختلاف مذهبهم و انظمتهم السياسية و الفكرية والعقيدية. فبقي مذهبه سليما نقيا من كل ذلك... فتربى في نفوسهم نفور من كل تخريج او تاويل ناظرين الى كل انحراف نحو التاويل و التخريج. و التفسير البعيد كانه خروج عن الاسلام الحق. ومن ثم ابتعدوا عن اصحاب الراي و لم يقبلوا على مذهب ابي حنيفة وغيره. ولان بلادهم لقيت من المتاعب و الاهوال. بسبب اصحاب الآراء و التاويلات من دعاة الآراء المتطرفة. والافكار الشاذة. ما جعلهم يوقنون ان الدين انما هو القرآن و السنة. ولا شيء بعد ذلك ، زيادة منهم في الحرص على دينهم ، و التمسك باصوله. خوفا من الانزلاق في مهاوي الضلالات. ومن ثم وضعوا المعتزلة و الخوارج في كفة الزنادقة وانتقدوا الاحناف، وجاهروهم بالعداء الصريح(6)
سمع الحميدي ابا عبد الله محمد بن الفرج الانصاري يقول: ((سمعنا ابا محمد عبد الله بن ابي زيد يسال ابا عمر احمد بن سعيد المالكي عند وصوله الى القيروان من ديار المشرق. وكان ابو عمر دخل بغداد في حياة ابي بكر محمد بن عبد الله بن صالح الابهري فقال له يوما: هل حضرت مجالس اهل الكلام؟ فقال بلى. حضرتها مرتين. ثم تركت مجالسهم ولم اعد اليها. فقال له ابو محمد: ولم؟ فقال: اما اول مجلس حضرته فرايت مجلسا قد جمع الفرق كلها المسلمين من اهل السنة، والبدعة ، والكفار، والمجوس، و الدهرية، و الزنادفة، و اليهود. والنصارى وسائر اجناس الكفر. و لكل فرقة رئيس يتكلم على مذهبه ، ويجادل عنه، فاذا جاء رئيس من أي فرقة كان. قامت الجماعة اليه قياما على اقدامهم  حتى يجلس فيجلسون بجلوسه، فاذا غص  المجلس باهله وراو انه لم يبق لهم احد ينتظرونه قال قائل من الكفار: قد اجتمعتم للمناظرة. فلا يحتج علينا المسلمون بكتابهم. ولا بقول  نبيهم. فانا لا نصدق بذلك و لا نقربه. وانما نتناظر بحجج العقل، وما يحتمله النظر و القياس. فيقولون: نعم لك ذلك، قال ابو عمر: فلما سمعت ذلك لم اعد الى ذلك المجلس. ثم قيل لي: ثم مجلس آخر للكلام. فذهبت اليه. فوجدتهم مثل سيرة اصحابهم سواء. فقطعت مجالس اهل الكلام. فلم اعد اليها. فقال ابو محمد بن ابي زيد : ورضي المسلمون بهذا في الفعل و القول ؟ قال ابو عمر : هذا الذي شاهدت منهم. فجعل ابو محمد يتعجب من ذلك وقال: ذهب العلماء. وذهبت حرمة الاسلام وحقوقه(7).
وروى ابن الفرضي ان خليل بن عبد الملك المعروف بخليل الفضلة رحل الى المشرق وروى به عن قوم. وكان في بداية امره صديقا لابن وضاح. فلما جاهر بالقدر هاجره  وعمد الفقهاء الى كتبه فاحرقوها الا ما كان فيها من كتب المسائل(8) .. فهذا وغيره يصور لنا موقف المغاربة من اهل الاهواء و الملل ومن الجدل في العقيدة وعلم الكلام..
 ويظهر ان هذا الموقف كان سائدا بين المغاربة جميعا رؤساء و مرؤوسين . فقد روى المقدسي ان فريقين من الحنفية و الملكية تناضرا يوما امام ((سلطان)) فقال لهم: اين كان ابو حنيفة؟ قالوا من الكوفة. قال ومالك؟  قالوا من المدينة. قال : عالم المدينة يكفينا . وامر باخراج اصحاب ابي حنيفة! وهذا الراي عبر عنه صراحة الامير هشام بن عبد الرحمان امير الاندلس، الذي الزم الناس باتباع مذهب مالك. وصير القضاء و الفتوى عليه(9) كما ان الحكم الاموي سار في هذا الاتجاه عندما صرح بانه نظر طويلا في اخبار الفقهاء. وقرا ما صنف من اخبارهم الى يومه. فلم ير مذهبا من المذاهب غير المذهب المالكي اسلم منه(10) فقد اختبر فوجد ان مذهب مالك و اصحابه افضل المذاهب، اذ لم ير في اصحابه، ولا فيمن تقلد مذهبه غير معتقد للسنة و الجماعة بخلاف غيره من  المذاهب ، ففيها الجهمية، والرافضة، و الخوارج، و المرجئة، والشيعة..لذلك راى الاستمساك به نجاة(11)
فاختيار المغاربة اذن لمذهب مالك، هو اختيار مذهب اهل السنة ، وفقه الصحابة و التابعين. ولا شك ان هذه الاعتبارات التي ذكرناها لما تأثير خاص في نفوس المغاربة. ومن ثم كان فقهاؤهم يبايعون الامراء على كتاب الله وسنة رسول الله ومذهب الامام مالك. كما اشترط ذلك صراحة الفقيه الورع ابو اسحاق السبائي(12).
 وعندما افتى الفقيه ابن لبابة في مسالة بخلاف المذهب تابعا لمذهب الكوفيين، ثار عليه الفقهاء صائحين: (( سبحان الله ! نترك قول مالك الذي افتى به اسلافنا، ومضوا عليه ، واعتقدناه بعدهم وافتينا به. لا نحيد عنه بوجه. وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمة إبائه(13).
 بالاضافة الى ان المدينة  مصدر العلوم الاسلامية كلها. فيها نشات ونضجت. ثم عنها تفرعت الى بقية الاقطار الاسلامية الاخرى. و المدينة كما نعلم لها نفوس المغاربة مكانة خاصة...
3) ويرجع البعض الآخر سبب انتشار المذهب المالكي في الغرب الاسلامي الى مناهضة فقهاء المالكية لفقهاء الاحناف. اذ كانوا ياخذون عليهم تواطؤهم مع الامراء الاغالبة الذين ناصروا المذهب الحنفي وقربوا فقهاءه. واسندوا اليهم الرئاسة و القضاء. ونكلوا بالمالكية. وهذا دفع الاحناف الى ان يتساهلوا في اصدار الاحكام الشرعية. مسايرة منهم لحياة الترف التي كان يحياها الاغالبة. فكان المالكية يأخذون عليهم تساهلهم في إصدار بعض الآراء خلاف ما يعتقده المالكية كتحليل النبيذ مثلا. و الذي يقال ان هذا الموقف من الاحناف دفع محمد بن سحنون الى ان يؤلف كتابا في تحريه(14) وكذا القول بخلق القرآن الذي مال اليه الاغالبة وتبعهم فيه فقهاؤهم الاحناف. وهي مسالة امتحن فيها سحنون في المغرب امتحان احمد بن حنبل في المشرق ، اذ جمع له احمد بن الاغلب قواده وقاضيه ابن ابي الجواد وغيره . وساله عن القرآن فقال له سحنون: (اما شيء ابتدئه من نفسي فلا، ولكني سمعت من تعلمت منهم واخذت عنهم كلهكم يقولون : القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق)  فقال بن ابي الجواد : كفر فاقتله ودمه في عنقي .و قال مثله غيره ممن يرى يرى رايه. وقال بعضهم يقطع ارباعا ويجعل كل ربع بموضع من المدينة ويقال: هذا  هذا جزاء من لم يقل بكذا. فقال الامير لداوود بن حمزة، ما تقول انت؟ قال: قتله بالسيف راحة. ولكن اقتله قتل الحياة، فتاخذ عليه الضمناء وينادي عليه بسماط القيروان الا يفتي ولا يسمع احدا ويلزم داره . ففعل ذلك ، واخذ عليه عشرة حملاء(15) و هذا الموقف من الاحناف جعل الشعب يميل الى المالكية و ينفر من الاحناف، نظرا لتواطئهم مع امراء عملوا جهدهم على ان  يحاربوا المالكية لا لشيء الا لارضاء نزواتهم ورغباتهم، و التمشي مع رايهم الذي يخالف بعض النصوص و يصادم الشرع احيانا...
  هذا عن الاحناف اما بالنسبة للشافعية، فمهما اخذه عليهم المالكية ما رواه المقدسي قال :( رايت اصحاب مالك يبغضون الشافعي قالوا: اخذ عن مالك ثم خالفه)(16).
واضاف بان سائر بلاد المغرب الى مصر لا يعرفون مذهب الشافعي رحمه الله. انما هو ابو حنيفة ومالك رحمهما الله. وكنت يوما اذاكر بعضهم في مسالة فذكرت قول الشافعي فقال : اسكت من هو الشافعي؟ انما كان بحران. ابو حنيفة لاهل المشرق و مالك لاهل المغرب. افتتركهما وتشتغل بالسياقة(17).
 اما عزوفهم عن مذهب الامام احمد بن حنبل. فلعل ذلك يرجع الى ان هذا الاخير اخذ بالخبر الضعيف وفضله على القياس حتى ان الكثير من الفقهاء لم يعدوا احمد بن حنبل من الفقهاء، وانما صنفوه في طبقة المحدثين(18) .
4) ومنهم من يرد ذلك الى موقف بعض السلاطين. ا ذ يذكر بعض المؤرخين ان مالكا سال بعض الاندلسيين عن سيرة ملك الاندلس. فوصف له سيرته قائلا: انه ياكل الشعير و يلبس الصوف. و يجاهد في سبيل الله. فقال مالك: ليت الله زين حرمنا بمثله(19) فوصل الخبر الى ملك الاندلس فحمل الناس على مذهبه وترك مذهب الاوزاعي(20).
 وهناك راي للعلامة ابن حزم يذهب فيه الى ان سبب انتشار مذهب مالك يرجع الى نفوذ الحكام وسلطانهم فيقول? مذهبان انتشرا بالرياسة و السلطان. مذهب ابي حنيفة فانه لما ولي القضاء ابو يوسف كانت القضاة من قبله في اقصى المشرق الى اقصى عمل افريقية. فكان لا يولي الا اصحابه و المنتسبين لمذهبه. ومذهب مالك عندنا بالاندلس. فان يحيى بن يحيى كان مكينا عند السلطان. مقبولا في القضاء، وكان لا يولي قاض من أقطار الاندلس الا بمشورته و اختياره . ولا يشير الا باصحابه، ومن كان على مذهبه و الناس سراع الى الدنيا. فاقبلوا على ما يرجون بلوغ اغراضهم به, على ان يحي لم يل قضاء قط ولا اجاب اليه. وكان ذلك زائدا  في جلالته عندهم و داعيا الى قبول رايه لديهم)(21)
وراي بن حزم هذا  فيه الكثير من الصواب(22) ولكن الذي يرد عليه امران:
أ) منشور *الحكم* الذي قرر فيه وجوب التمسك بمذهب مالك كان بعد البحث و التنقيب والاطلاع على مآخذه وبعدما تبين له انه الحق و الصواب. و الجدير بالاتباع و التقليد (23) فهو لم يختره طلبا للدنيا .وانما كان تدينا.
ب) ان ظهور المذهب الماالكي في الاندلس تم في عهد هشام والد الحكم . وان اول من ادخله واشاعه هم اشياخ يحيى بن يحيى كزياد وقرعوس وعيسى بن دينار وغيرهم.. وهؤلاء لم تكن بيدهم سلطة حتى يخشاهم الناس. وانما كانوا علماء رحلوا الى الحجاز ليتفقهوا في الدين. فلما رجعوا أذاعوا مذهب مالك في الناس فاقتدوا بهم رغبة في الدين. واتباعا لسنة الرسول عليه السلام (24) .
ويبدو ان القاضي عياضا يسير مع راي بن حزم. فيستفاد من كلامه ان هشام بن عبد الرحمان ثاني خلفاء بني لمية في الاندلس اخذ الناس جميعا بالزام مذهب مالك. وصير القضاء و الفتيا عليه، وذلك في عشر السبعين و مائة من الهجرة في حياة مالك. فالتزم الناس به.وحموه بالسيف عن غيره))(25) ويقول في ترجمة ابي بكر الابهري: ((وبعد موت الابهري وكبار اصحابه وتلاحقهم به. وخروج القضاء عنهم الى غيرهم من مذهب الشافعي وابي حنيفة . ضعف مذهب مالك  بالعراق وقل  طالبوه ، لاتباع الناس اهل الرياسة و الظهور))  (26). فهو يعزي ضعف المذهب في العراق وخروجه عنهم لامتناعهم من تولية القضاء. وهنا يلتقي مع راي ابن حزم فيما ذهب اليه من ان المذاهب تنتشر بقوة السلطان و النفوذ.
5) تشابه البيئة في كل من الحجاز و المغرب. وهذا الراي  ذهب اليه العلامة ابن خلدون الذي يرى ان البداوة كانت غالبة على اهل المغرب و الاندلس. ولم  يكونوا يعانون الحضارة التي لاهل العراق، فكانوا الى اهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة. ولهذا لم يزل المذهب  الملكي غضا عندهم ولم ياخذه تنقيح الحضارة و تهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب(27).
وقصده بالبداوة الحالة التي ظل عليها عرب الحجاز من التشبت بتقاليد العرب . وعدو اندماجهم في الحضارة الوافدة عليهم. لا البداوة بمعناها التخلف و خشونة الطبع و الا فان مدن الحجاز لم يكن سكانها كلهم من البدو. خاصة في العصر الاموي وما تلاه . فقد تحضرت المدينة ومكة. وظهر فيها الترف و الرقة...ولم تكن الاندلس بدوية الطبع و المعاش. فالتاريخ يحدث انها كانت دائما متحضرة قبل الفتح و بعده. وقل مثل ذلك بالنسبة لمصر. ولذلك رد الكثير من الباحثين هذا الراي على بن خلدون. واعتبروه تهمة موجهة الى هذا المذهب. وتجنيا على قومه البربر. ثم ان تشابه البيئة –على راي ابن خلدون- لو صح سببا لكان المذهب المالكي حافظ على مكانته في الحجاز..
6) وهناك سبب آخر يرى ابن خلدون- وهو محق في هذا- انه كان عاملا أساسيا في انتشار المذهب وهو: رحلة المغاربة الى الحجاز غالبا. وفي هذا يقول : ((واما مذهب مالك رحمه الله تعالى فاختص بمذهبه اهل المغرب و الاندلس. وان كان يوجد في غيرهم  الا انهم لم يقلدوا غيره الا في القليل لما ان رحلتهم كانت غالبا في الحجاز وهو منتهى سفرهم. والمدينة يومئذ دار العلم. ومنها خرج الى العراق . وشيخهم يومئذ و امامهم مالك بن انس. وشيوخه من قبله وتلاميذه من بعده. فرجع اليه اهل المغرب و الاندلس. وقلدوه دون غيره ممن  لم تصل اليهم طريقته(28)
7) ويعد البعض من الاسباب: مناهضة المذهب المالكي لمذهب الخوارج الذي كان قد تسرب الى المغرب منذ اوائل القرن الثاني الهجري على يد بعض خوارج العراق.
واستشرى فيه الخوارج –كما نعلم-  ينكرون حكم الامويين. والمغرب كان يساس من طرف الادارسة العلويين. ولذلك عمل حكام هذين القطرين على ترسيخ مذهب مالك لإبطال مذهب الخوارج...
هذه هي الأسباب التي قيل انها كانت من العوامل التي ساعدت على انتشار المذهب المالكي. وهي ان كانت من العوامل التي ساعدت – في الجملة- على انتشار هذا المذهب في هذه الربوع. الا انها لا تعد في نظر الباحث المتفحص أسبابا حقيقية لانتشار هذا المذهب وتنهض حجة على ذلك. والذي نميل اليه هو ان هذا المذهب  قدر له ان ينتشر في هذه الربوع ويقاوم الزمان. كما انتشرت بقية المذاهب الاخرى في غبرها . دون ان نرجع  ذلك الى أي سبب من الأسباب التي استعرضناها اللهم الا ما كان من سبب حمل سلاطين المغرب رعاياهم على الالتزام به. والهجرة التي كانت مستمرة بين المغرب و المدينة المنورة. موطن المذهب ومنشئه والله اعلم...
و الذي ينبغي ان ننبه عليه في هذا المقام هو ان المذهب المالكي لم يكن المذهب الوحيد الذي عرفه المغاربة ودانوا به . بل كانت هناك مذاهب اخرى متعددة. الا انها لم تكن سائدة. وقد عرفت فيما بينها صراعا عنيفا كاد يعصف بالمذهب المالكي ورجالاته في بعض الجهات (تونس مثلا). لولا صمود المالكية واستماتتهم في الدفاع عنه . وموضوع هذا الصراع هو ما تتناوله الحلقة القادمة ان شاء الله.

(1)   انظر الصفحة: 71 من مجلة دعوة الحق  عدد3 –السنة 23
(2)    انظر تفاصيل هذه النقطة في المدارك 1/65
(3)   الارشاد لابي يعلى القزويتي ص:7 مخطوط خ-ع-ر
(4)  رياض النفوس للمالكي ص145 ومعالم الايمان،1/305 و المدارك1/158
(5)  المدارك 1/77
(6)   مقدمة كتاب رياض النفوس ص 10.
(7)  جدوة المقتبس ص109 ط الدار المصرية للتاليف
(8)  تاريخ ابن الفرضي ص 139 ط الدار المصرية للتأليف
(9)  المعيار للونشريسي 6/356 ط: بيروت
(10)  المعيار 6/357 ونيل الابتهاج 191 على هامش الديباج
(11)  المدارك 1/22 و المعيار 6/357
(12)  المدارك 6/73 تحقيق استاذنا الفضل سعيد أعراب
(13)  المدارك 6/90
(14)  المدارك 4/207
(15)  رياض النفوس ص266
(16)  احسن التقاسيم  ص42
(17)  احسن التقاسيم ص42
(18)  اختلاف الفقهاء ص13 للطبري و المدارك  1/86
(19)     الاستقصا  1/139
(20)  نفح الطيب 3/230 تحقيق احسان عباس
(21)  جذوة المقتبس ص 383 ونفح الطيب 2/218
(22)  الحقيقة ان القوة دائما تفعل فعلها. ولنال في موقف العثمانيين الذين نشروا المذهب الحنفي بالقوة على الأقطار التي خضعت لحكمهم . وموقف الدولة السعودية في المذهب الحنبلي شاهد على ذلك . اما من انتقد رأي ابن حزم  فلم يأت بأدلة مقنعة و الناس-كما قيل- على دين ملوكهم.    
(23)  انظر منشور الحكم في المدارك 1/22  ونيل الابتهاج 191
(24)  انظر الأبحاث السامية 1/81
(25)  المدارك 1/26  والمعيار  6/356
(26)  المدارك  6/188-189
(27)  مقدمة ابن خلدون ص 245 ط: الخيرية
(28) المقدمة ص 245 ط الخيرية

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here