islamaumaroc

دور مجلة دعوة الحق في خدمة الثقافة المغربية.

  دعوة الحق

223 العدد

  لئن كانت المقاومة المسلحة حققت للأمة المغربية استقلالها السياسي،وردت إليها السيادة الوطنية المغصوبة بعدما افتكت النصر من المستعمر الدخيل، واقتطعته منه اقتطاعا فإن ذلك كان سيظل ناقصا لو لم تتجه أنظار الأمة إلى العمل على استقلالها الثقافي والعناية بتراثها الفكري. ذلك ان الأمم الأصيلة هي التي تحمي ثقافتها،وتصون تراثها،وتعتز بقيمها وحضارتها،إذ بفقدانها لتراثها وثقافتها تفقد ذاتيتها كأمة،وكيانها كدولة ،ولأن أية أمة مهما كانت متخلفة اقتصاديا واجتماعيا وعمرانيا،تراها مهتمة بتراثها حريصة عليه مدافعة عنه لاتتساهل فيه،ولا تسمح لأي كان أن ينال منه فأحرى أن ينازعها السيطرة عليه...                                            
وكم يكون مخطئا من يفرق بين الإستقلال السياسي والإستقلال الثقافي،فهما بالنسبة لأية أمة لاغنى عنهما معا فبالثقافة تنهض الأمم وعليها تبني كيانها وبالحفاظ عليها تحصن نفسها من الضياع والانفلات،إذ هي زاد الأمم وإكسير حياة الدول والشعوب...  والمغرب وقد حقق استقلاله السياسي واستكمل سيادته ووحدته الوطنية عز عليه أن تبقى ثقافته بعيدة عن اهتماماته،ويتركها عرضة للسقوط في أحضان التبعية والإستلاب،لذلك اتجهت الغيرة الوطنية إلى هذا الجانب المهم من حياة الأمة،ترعاه وتحميه وتذوذ عنه وتصونه وتعمل على نشره وإحيائه،فكانت المدارس وكانت المعاهد وكانت الجامعات وكان بين هذا وذاك من وسائل الإحياء  والنشر،مجلة دعوة الحق التي اخذت على عاتقها النهوض بهذا العبء الثقيل والقيام والقيام بهذه المهمة الجسيمة،وهكذا عملت على إحياء الثقافة المغربية ونشرها،وبثها في النفوس،وإشاعتها بين الناس،كما عملت على صيانة تراث المغرب،وإبراز أصالته وحضارته وقيمه،واستطاعت أن تحقق في هذا الميدان كسبا عظيما فاق ما حققته بعض المؤسسات التعليمية،مع ما توفر لهذه الأخيرة من أطر وكفاءات،وما رصد لها من إمكانات وطاقات وما وجه إليها من رعاية وعناية، فهي بما نشرته في صفحاتها من مقالات وأبحاث وتعاليق،كشفت عن الكثير من تراث المغرب وحضارته وعملت على الحفاظ عليه والإضافة إليه،فكانت وسيلة من وسائل التعريف بهذا التراث الخالد والإرث الثقافي العظيم الذي خلقه لنا السلف ويضيف إليه اليوم الخلف...                         
كان ظهور دعوة الحق إدن على موعد مع التاريخ وخرجت إلى الميدان في الظرف المناسب واللحظة الحاسمة،فكان من الطبيعي أن استبشر بها حماة الثقافة الإسلامية وحراس لغة الضاد خيرا فاستقبلوها بالأحضان ومنحوها حبا وعطفا وأولوهاعناية واهتماما يغذونها ببنات افكارهم، ويغدقون عليها بعصارة عقولهم يوثرونها بما لديهم،ولا يبخلون عليها بالنصح والتشجيع،لعلمهم أن هذه المجلة تعني بالنسبة إليهم التاريخ والشخصية والهوية..وإذا جاز لنا أن نختصر الكلام اختصارا ونوجز العبارة متجاوزين المقدمات وصولا إلى النتيجة من أقرب طريق وبأقل كلام،لقلنا وبكل صدق إن مجلة دعوة الحق تعد قلعة من القلاع التي احتمت بها الثقافة الإسلامية في هذا البلد،وحصنا من أهم الحصون التي آوت إليه  طوال ربع قرن من الزمن مضى وقد أدت دورا بارزا في بعث الثقافة المغربية وإحيائها والتعريف بها ودفعها نحو التطور والتجديد فعملت بذلك على إبراز الأصالة المغربية والتعريف بها خارج الحدود،وقاومت الغزو الثقافي الدخيل وحاربت أفكار الدجل والشعوذة والإلحاد ما استطاعت إلى ذلك سبيلا...وهي بهذا الإعتبار،وهذه المكانة،وتلك المميزات ستظل المرجع الأساسي لكل من يتصدى لتاريخ الحركة الثقافية في هذا البلد،تعينه على تلمس معالم الفكر وفهم طبيعة الثقافة المغربية وتشكل مصدرا من أهم المصادر التي يرجع إليها الباحثون في الحضارة المغربية،وما نظن أحدا اليوم يشتغل بفرع من فروع الثقافة المغربية إلى أعدادها،يستعين بما نشر فيها من أبحاث وما سطر منها من مقالات،سواء تعلق الأمر بالأدب أم بالتاريخ أم ما يتصل بالتشريع الإسلامي والثقافة الإسلامية عموما إذ هي مجلة متكاملة يجد الكل فيها طلبته ويعثر على ما يروي غلته،ويطفئ ظمأه الأديب والمؤرخ والفقيه وفي ذلك سواء...فهي لا تستأثر بجانب من الثقافة  دون جانب ولا يطغى عليها لون دون لون،وهذا ما جعل الإقبال عليها يتكاثر مع مرور الزمان حتى إنها لتنفرد بهذه الظاهرة أو تكاد وهي باختيارها هذا المنهج فتحت صدرها للجميع لا تحتكر أقلاما دون أقلام ولا تؤثر فنا على آخر فكل من آنس من نفسه القدرة على الكتابة في أي فن يحسنه أو لون يجيده ويتقنه فعل فأنت في دعوة الحق تقرأ للمؤرخ والفقيه والأديب واللغوي..
كما أنها لم تتشبت بالنزعة الإقليمية الضيقة،ولكنها فتحت الباب أمام الجميع فتقرأ فيها للعراقي والسوري واللبناني والمصري والتونسي..فهي عادلة في تعاملها مع الجميع ..وقد أعطت خلال تاريخها حصيلة فكرية هائلة بحيث لو جمع ما نشر فيها من إنتاج وما سطر فيها  من أبحاث لأعطى مجلدات في كل صنف ولقد جمع بعض كتابها ما نشروه فيها من أبحاث تباعا فجاءت كتبا قائمة برأسها وهي بهذا الصيد يحق لها وقد سلخت هذه الفترة من عمرها أن تعتز بما قدمته لقرائها من خدمات جليلة كما يحق لها أن تنظر إلى ماضيها نظرة إعجاب وتنطلق منه نحو مستقبل مشرق بسام...                               
أنا لم يقدر لي ان أعايش هذه المجلة منذ نشأتها وأول عدد منها اقتنيته كان في صيف 1967 ومعنى ذلك أنني حرمت منها طوال عقد من الزمن فاتني بفوات ما فات منها علم كثير ،ومن ثم لا مطمع لي في تقويم المجلة ولا أقصد في كلماتي القصار هاته إلى إبراز محاسنها والخدمات التي قدمتها للقارئ العربي في كل مكان فذلك أكله إلى كتابها الذين عايشوها منذ ولادتها فهم أقدر على تقويمها والحكم عليها أو لها أما أنا فحسبي أنني سجلت هذه الإرتسامات العابرة على عجل نزولا عند رغبة رئيس تحريرها..   وإذا كان لي من اقتراح أبديه فإني أرجو أن تفتح المجلة باب النقد والتقويم لما سينشر فيها،لأن الثقافة حين ينعدم النقد تذوي وتجمد وتموت في النهاية ولا خير في عمل يظل بعيدا عن النقد النزيه،فبه يتم تصحيح المسار الثقافي ومعه تنشط القرائح، وتتحرك الأقلام ،وتنهض الهمم،فحبذا لو تجردت أقلام التقويم عمل كتابها،إذ ذلك لو حدث،سيضفي عليها طابع التشويق والجدية،ويقربها من نفوس القراء ويحببها إليهم.وما نزال نتذكر بكل اعتزاز تلك المقارعات اللفظية التي أثيرت حول تصويبات لغوية كانت في منتهى الروعة.                               

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here