islamaumaroc

الإلمام بمن وافق حكمه للمغرب استهلال المائة عام.-1-

  دعوة الحق

223 العدد

قبل ربع قرن ظهر لي في أول عدد من "دعوة الحق" (ذو الحجة 1376 – يوليوز 1957) كلمة بعنوان: "حاجة الدعاة إلى مقومات" ومنذ ذلك الحين شدتني إلى "الدعوة" آصرة ظللت أتعهدها طيلة هذه الحقبة من التاريخ، سواء أكنت داخل المغرب أو خارجه، وإني إذ أوثرها في هذه المناسبة برسالتي "الإلمام، بمن وافق حكمه للمغرب استهلاك المائة عام" ليطيب لي أن أشيد بدورها البارز في تعميق الوعي الإسلامي والوطني، وفي إثراء الفكر المغربي والتعريف به خارج البلاد، متمنيا للمشرفين عليها المزيد من التوفيق والوافر من العمر لمتابعة المسيرة...
تمهيد:
لم يكن هناك بالنسبة للعالم الإسلامي، في فجر أيامه، غير أعياد ثلاثة دأب المسلمون على الاحتفاء بها وإيثار أيامها بمظاهر خاصة، تلك عيد الفطر الذي يأتي في أعقاب شهر رمضان المعظم، وعيد الأضحى الذي يأتي مباشرة بعد يوم عرفات حيث يؤدي المسلمون فريضة الحج، ثم يوم الجمعة الذي يكون عيدا ثالثا له حرمته حيث يذر المسلمون بيعهم وشراءهم ويتجهون إلى سماع الخطبة وأداء فريضة الجمعة.
وهكذا فلم يكن هناك ما نسميه اليوم (عيد المولد) أو (عيد الهجرة) أو (عيد أول السنة) ومن ثمة ظلت كتب التاريخ الإسلامي القديمة خالية من كل إشارة تدل على أن الجماعة الإسلامية سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى الأفراد، كانت تقوم بإحياء أعياد غير الأعياد الثلاثة السالفة الذكر... ومن ثمت لم نر ذكرا لها في عهد الأدارسة والمرابطين والموحدين...
إلا أن بعض الجهات الإسلامية لم تلبث أن تنبهت إلى ضرورة الاهتمام بالحدث العظيم الذي يتجلى في ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن المفكرين من المسلمين أنذاك وازنوا بين أيام الإسلام المحجلة ليختاروا منها يوما يكون هو المناسبة... هكذا وقع الاختيار على حادث ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره طالع يمن على الكائنات البشرية.
ومن الموافقات الغريبة أن نجد أن الاهتمام بالموضوع، بصفة منتظمة، ياتي من المغاربة تقريبا في نفس الوقت الذي أخذ فيه القادة بالمشرق يقيمون احتفالات المولد، هل هو توارد خواطر أم كان مما يدخل في إطار التنافس بين قادة المشرق والمغرب... قد يكون هذا وذاك...
ولقد كانت الجهات التي تنبهت إلى هذه المنقبة هناك أواخر القرن السادس الهجري أسرة بيكتيكين (BEGTEGIN) في شخص زعيمها مظفر الدين كوكبوري (KOKBURI) صاحب إربل...
فقد تحدث ابن خلكان في وفياته عن احتفال هذا الملك بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يصل إليه في كل سنة من البلاد القريبة كثير من الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء، ولا يزالون يتوصلون في المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول حيث تتميز الاحتفالات بإنشاء السماع واستعراض سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وإيقاد الشموع الموكبية التي تحمل على البغال، كما تتميز بإطلاق البخور وتقديم السماط للحاضرين...
وقد كان ابن دحية المغربي في جملة الذين حضروا إربل سنة 604 وشاركوا في تلك الاحتفالات وألفوا لمظفر الدين حولها كتاب "التنوير في مولد السراج المنير"...
أما الذين تنبهوا إلى الموضوع في ديار المغرب فهم أسرة العزفي أصحاب سبتة الذين سنوا عيد المولد أواخر القرن السادس في بلاد المغرب وأتوا بزلفى تدنيهم إلى الله وتقرب" على حد تعبير المقري، وقد رأينا أبا العباس العزفي يشرع في تأليف كتاب "الدر المنظم في مولد النبي المعظم" الذي ينبهيه ولده أبو القاسم.
ولم تلبث هذه المناسبة أن أصبحت في عداد الأيام التي تحفل بها الدولة على المستوى الرسمي في سائر الجهات المشمولة بحكم بني مرين سواء في بلاد المغرب أو الأندلس، وهكذا وجدنا السلطان أبا يعقوب يوسف يصدر ظهيرا (مرسوما ملكيا) شتاء سنة 691 – 1392 في أعقاب جواز العاهل المريني إلى الأندلس لرد عدوان المغيرين على الثغور التابعة للمغرب... وجدناه يشرع الاحتفال بعيد المولد في سائر جهات المغرب ويعتبره يوما رسميا للدولة، تتلقى فيه التهاني من سائر طبقات البلاد، الأمر الذي استمر عليه التقليد إلى اليوم في المغرب الأقصى.
وإذا كانت مجالس الاحتفال بهذه المناسبة قد أصبحت عادية عند بني مرين بفاس... فإنها عند إخوانهم بني عبد الواد في تلمسان أثارت انتباه يحيى ابن خلدون الذي تحدث هو الآخر عن المشاعل التي كانت تحكي الأسطوانات القائمة، كما يحكي عن المباخر الضخمة، ويحكي عن السماع الذي يسترسل إلى آخر الليل علاوات على نصب السماط !!
ولا بد أن نلاحظ أن الدواعي التي كانت وراء إنشاء مثل هذا الاحتفال بعيد المولد لم تكن فقط التعقيب على الشيعة الذين اعتادوا الاحتفال بمولد الإمام علي والحسين، ولكن الأمر يتعلق بتقليد العادة التي جرى عليها المسيحيون في احتفالاتهم بعيد السيد المسيح وإقامتهم المهرجانات لأجل تلك المناسبة.
إن أهل سبتة أقرب الناس جوارا للمسيحيين وقد تتبع المسلمون دون شك اهتمام ذلك العالم المسيحي بأعياد الميلاد ومطالع العام فقاموا أي المغاربة هم كذلك بسن عيد المولد اجتهادا منهم وتعبيرا عن تشبت المسلمين بدينهم واعتزازهم بنبيهم...
وما من شك في أن أهل (إربل) انطلقوا من نفس المنطلق سيما وهم يحتكون هناك بالمسيحيين من كل جانب... لقد كان الأمر يقتضي ضربا من المنافسات والمفاخرات والمتابعات... ولا بد أن نلاحظ أن فترة التقليد من جانب المسلمين اقترنت باحتفال العالم المسيحي بمطلع القرن الثالث عشر الميلادي الذي اهتزت له المحافل الدينية مما زاد في حماس المسلمين لتشريع منقبة الاحتفالات بالمولد.
وعندما كان أسلافنا هنا أو هناك يحتفلون بعيد المولد... كانوا يحتفلون أيضا بذكرى الهجرة التي تعتبر بإجماع المسلمين الحد الفاصل بين عهدين، أفلم نسمع أن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما انطلقت في واقع الأمر عند الأيام الأولى لشهر ربيع الأول التي كانت تصادف أيام مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا وجدوا في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول ظرفا مناسبا للاحتفال أيضا بالهجرة والتنويه بها.
وعندما أمر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحساب الهجرة من اليوم الأول من المحرم وليس من ربيع الأول، فإنه كان يعرف أن نيته وعزمه صلى الله عليه وسلم على الهجرة كانت ابتداء من أول المحرم أي قبل شهرين من تنفيذ الخطة، واختيار عمر رضي الله عنه يأخذ بإشارة القرآن الكريم إلى "أول يوم" في حياة المسلمين عندما تحدث القرآن الشريف عن المسجد الذي أسس على التقوى بدار الهجرة، وقد نص ابن خلكان على أن بداية الاحتفال بالمولد كانت تنطلق من المحرم...
وهكذا رأينا أن الاحتفال بعيد المولد لم يلبث أن هدى الناس جميعا إلى الاحتفال باليوم الأول من السنة الهجرية، لأن المناسبتين متلازمتان، ومعنى هذا أن أسلافنا الذين قلدوا المسيحيين في الاحتفال بعيد الميلاد كانوا يقلدونهم أيضا في الاحتفال بمطلع السنة، ولم يجد العلماء في هذه "البدعة الحسنة" من بأس ما دام القصد إلى أن يتخذ المسلمون من هذه المناسبة فرصة للتأمل واستعراض التاريخ...
وقد رأينا ونحن نعيش استهلال القرن الخامس عشر الهجري أن نسهم بهذه المناسبة بتقديم ومضات سريعة عن الشخصيات الخمس عشرة التي صادفتها مطالع القرون الهجرية وهي تحكم بأرض المغرب تذكيرا واعتبارا سيما وفي تلك الشخصيات من كان بعيدا عن مناخ المغرب وفيها من ورد عليه من المشرق وفيها من كان يسير في ركب الفاطميين بالمهدية أو في ركب الأمويين بقرطبة، ولو أن جلها أي تلك الشخصيات ينتمي لصميم الصحراء المغربية على ما نراه منذ ظهور المرابطين إلى العلويين...

1) هرقل: (هيراكليوس)
610 م – 641 م
12 هـ - 20 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الأول، هو الجمعة الموافق 16 يوليه 622
اعتلى القيصر هرقل عرش بيزنطة عام 610 ميلادية، واستمر حتى 641... كانت المقاطعات البيزانطية في إفريقيا تحت حكمه – ومنها المغرب الأقصى وجزر الباليار، وكانت تنعم على عهده ببعض الهدوء والرخاء.
بيد أنه لم يلبث أن أخذ يواجه الصراع الذي شب في الشمال الإفريقي حيث أعلن البطريق كريكوريوس الثاني، الذي تسميه المصادر التاريخية العربية: "جرجير" ثورته على الحاكم العسكري الذي كان يشاركه في الحكم، وهكذا انفصل كريكوريوس عن قيصر بيزنطة، واستبد بالشمال الإفريقي بسبيطلة (جنوب غربي القيروان)... قبل أن تجهز عليه طلائع الفتح الإسلامي...
وهرقل ذلك هو الذي بعث إليه نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم بدحية الكلبي في مطلع السنة السابعة من الهجرة (مايه 628) يحمل رسالته التاريخية المشهورة التي تدعوه إلى اعتناق الإسلام، في أعقاب حروبه مع ملك الفرس.
وهكذا رأينا أنه عندما كانت السنة الأولى لهجرة، كان المغرب تحت حكم هرقل... وكان واليه على البلاد هو كريكوريوس أو جرجير.
وعلى ذكر الخطاب النبي إلى هرقل، نذكر أن الناصر الموحدي آل إليه ذلك الخطاب... كما نذكر أن السلطان مولاي إسماعيل ابن مولاي الشريف ملك المغرب (1082 – 1139 = 1671 – 1727) عندما كانت علاقاته جيدة بلويس الرابع عشر ملك فرنسا كان ينسبه إلى هرقل عظيم الروم "الذي كتب له جدنا وسيدنا عليه الصلاة والسلام" ولكنه عندما توترت العلاقات ذات يوم ملك فرنسا بسبب محاصرته الثغور المغربية (سنة 1114 = 1702) قال له السلطان مولاي إسماعيل:
"ما أنت من ذرية هرقل على كل حال بإجماع الأجناس ولكنك من ذرية جرجير الذي كان بإفريقية وقتله عبد الله ابن الزبير" !!

2) عمر بن عبد العزيز
718 م – 720 م
99 هـ - 101 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الثاني، هو الاثنين الموافق 24 يوليه 719
تولى الحكم بعد سليمان بن عبد الملك ابن مروان بعهد منه فبويع في مسجد دمشق (69 – 101 هـ = 720).
وإلى هذا الرجل الجليل يرجع الفضل في بث الإسلام بين أهل المغرب وتفقيههم في دينهم، حيث وجدناه يعهد إلى بعثة تتألف من عشرة من التابعين بهذه المهمة... كان من هؤلاء حبان ابن أبي جبلة.
وقد اختار واليا عنه على بلاد المغرب إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر فقدم القيروان سنة مائة، وكان خير أمير وخير وال... كان لم ورثه عمر بن عبد العزيز عن عمر ابن الخطاب من جهة أمه، أثر في حسن سيرته فجدد ما بلى من الدين ونهض بالعلم بعد خمود وعمل على إصلاح طائفة من المرافق...
وهكذا وجدناه يعيد العمل بالشورى ويقرب العلماء ورجال الصلاح للأخذ برأيهم في أمور الملك.
كما رأيناه ينصف طوائف الأمة على اختلاف أجناسها وآرائها وعقائدها فقضى بذلك على الفتن والتشنجات الداخلية.
وقد كان ما قام به من إصلاحات تخفيف الضرائب على الناس... وعندما استأذنه واليه على مصر في أن يفرض الجزية على من أسلم أجابه قائلا: إن الله إنما بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا.
ومما قام به اهتمامه بتدوين العلوم ونشرها وعدم تفرقته في ذلك بين العلوم الشرعية وغيرها.
كما اهتم بتدوين علم الحديث الذي كاد أن يتعرض للتلف، ومما اهتم بنشره من العلوم علوم الحكمة من الطب وغيره، فقد عنى بنقلها إلى اللغة العربية وكان يقرب إليه بعض المشتغلين بها...
ويكفيه مفخرة أنه ضرب بعدله مثلا لمن أتى بعده من الملوك والحاكمين...

3) إدريس بن إدريس
804 م – 828 م
188 هـ - 213 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الثالث، هو الأربعاء الموافق 30 يوليه 816
يعتبر إدريس ابن إدريس من الأمراء الأوائل الذين تقلدوا منصب المسؤولية، ولما يمض من عمره زهاء عشر سنوات وذلك في أعقاب اغتيال والده من طرف العباسيين...
وفدت عليه وفود العرب من إفريقية والأندلس نازعين إليه ملتفين حوله، فاستوزر عمير بن مصعب الأزدي، وتعبيرا منه عن مناصرته للمذهب المالكي أسند القضاء لعامر بن محمد بن سعيد القيسي الذي سمع من مالك بن أنس...
والي إدريس هذا يرجع الفضل في بناء مدينة فاس 192 = 808 التي تعتبر الحاضرة الأولى للإسلام بالمغرب الأقصى، والتي ظلت "دار علم" كما أراد لها إدريس، منذ اليوم الأول.
وقد صادفه مطلع القرن الهجري الثالث في مدينة تلمسان يدير أمرها ويصلح أحوالها بعد أن كان قد قضى على من بقي هناك من المناوئين.وقد قال أبو مروان عبد الملك الوراق، دخلت مدينة تلمسان سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فرأيت في رأس منبرها لوحا من بقية منبر قديم قد سمر هناك مكتوبا عليه: "هذا ما أمر به الإمام إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم في شهر المحرم سنة تسع وتسعين ومائة".

4) يحيى بن إدريس بن عمر
905 م – 944 م
292 هـ - 322 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الرابع هو السبت الموافق 7 غشت 913
ولى سنة 292 وتوفي بالمهدية (تونس) 332، كان يحيى هذا أعلى بني إدريس قدرا وأوسعهم ذكرا وأكثرهم عدلا، وأغزرهم فضلا وأبعدهم ملكا على حد تعبير المؤرخين، وكان إلى جانب هذا فقيها حافظا للحديث ذا فصاحة وبيان، بطلا شجاعا ذا صلاح وورع ودين، قال علي النوفلي، كان يشهد مجلس يحيى هذا، العلماء والشعراء، وكان أبو أحمد الشافعي من جلسائه وممن يتكلم عنده في العلم، وكان ينسخ له عدد من الوراقين، وهو أول ملك واجه عنت الفاطميين الذين تاقت مطامعهم إلى الاستيلاء على المغرب الأقصى، الأمر الذي أدى – بعد الاصطدامات المسلحة – إلى قبول الأمير يحيى لمبايعة عبيد الله المهدي وقبوله كذلك أن يقتصر حكمه على مدينة فاس وأعمالها. في حين تنازل فيه لموسى ابن أبي العافية على ما سوى المدينة، وذلك بمقتضى عقد مع مصالة قائد عبيد الله المهدي وابن عم ابن أبي العافية.
وقد استطاع الأمير يحيى – وهو في هذا الموقف الحرج الدقيق – أن يحافظ، بفضل سياسته ولياقته، على ما يمكن الحفاظ عليه بالرغم من تعنت عملاء الفاطميين... بيد أن هذه المجاملات لم تدم فقد تنكر الفاطميون ليحيى ونكبوه قبل أن يدركه أجله منفيا في المهدية...

5) المعز بن زيري ابن عطية
1001 م – 1026 م
391 هـ - 417 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الخامس هو الثلاثاء الموافق 15 غشت 1010
ولي المعز هذا بعد وفاة والده زيري ابن عطية باني مدينة وجدة ولقد سلك نفس سياسة والده وبايع عبد الملك ابن المنصور ابن أبي عامر الذي رأيناه يبعث له بعهده على فاس وسائر أعمال المغرب حواضره وبواديه، وذلك سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.
وقد صادف مطلع القرن الخامس تنصيب عبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر في أعقاب وفاة أخيه عبد الملك، حيث وجدنا المعز بن زيري يبعث بهدية نفيسة تحتوي في جملة ما تحتوي عليه، على خمسين فرنسا وكانت هذه فرصة لكي يقوم عبد الرحمن بإرجاع الأمير معنصر بن المعز الذي كان رهينة لدى البلاط العامري...
وكانت مناسبة أيضا ليخلع على الولد وعلى السفراء الذين وردوا بالهدية من ضروب التكريم... الأمر الذي نال مناله من المعز، حيث قام بجمع كل الجياد التي كان يتوفر عليها ليبعث بها إلى قرطبة، وقد وصل عددها إلى تسعمائة فرس. ولم تصل من المغرب إلى الأندلس هدية عظم منها على ما تقول الصادر التاريخية المغربية.

6) علي بن يوسف بن تاشفين
1107 م – 1143 م
500 هـ - 537 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري السادس هو الخميس الموافق 22 غشت 1107
بويع أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين أوائل محرم سنة خمسمائة بعهد من أبيه إليه... فسلك طريق والده العظيم بطل الزلاقة. وملك من البلاد ما لم يملكه سلفه. لأنه صادف البلاد ممهدة والأموال وافرة والرعايا آمنة، من تخوم السودان إلى جنوب أوربا إلى حدود النيل وقد دشن حياته في الأندلس بجولات عظيمة أقضت مضاجع الفرنج... وقد ظل على صلة ولاء بالخلفاء العباسيين في بغداد على نحو ما كان عليه والده. ونظرا لوفرة المراسلات مع الخلفاء فقد لاحظ أن مطالع الشهور تختلف في المغرب عنها في المشرق. الأمر الذي حدا به إلى طرح موضوع توحيد التاريخ الهجري على رجال الاختصاص الذين أدلوا بفتاويهم في هذه النازلة التي يتجدد الحديث عنها كل عام !
وقد قام أمير المسلمين علي بن يوسف بحركة واسعة لإعادة بناء جامعة القرويين في مدينة فاس وما يزال اسمه منقوشا في أعالي قبابها على مقربة من المحراب... حيث نقرأ بين الأفاريز التي تحيط بالقبة المستطيلة هذه الكلمات: "أمر بعمله، عن أمر الملك العادل الآمر بالخير والفضل أمير المسلمين وناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين أدام الله له أسباب التأييد والتمكين،الفقيه المشار الأجل الإمام القاضي الأفضل أبو محمد عبد الحق بن عبد الله بن معيشة الكناني... وكان إتمام ذلك كله في سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة".
وقد عرفت الحركة العلمية على عهده نشاطا كبيرا تجلى في عدد المفكرين والقضاة والفقهاء الذين كانوا يتجولون عبر قواعد الإمبراطورية المغربية الفسيحة الأرجاء.

7) الناصر بن يعقوب المنصور
1199 م – 1214 م
كان اليوم الأول للقرن الهجري السابع هو الأحد الموافق 29 غشت 1204
بويع لمحمد الناصر لدين الله في حياة والده يعقوب المنصور الموحدي، ثم جددت له البيعة بعد وفاة الوالد يوم الجمعة 22 ربيع الأول سنة 595.
ولم يلبث أن تحرك نحو بلاد إفريقية لإرجاع المنشقين إلى جادة الصواب، وقد أصبح كالشأن في والده، لا يقول بالولاء لرسوم الخلافة في بغداد، لأنه كان يرى أن الخلافة أصبحت مفتتة في يد الأعاجم، ولهذا فقد قصد الجهات المنشقة لقطع الخطبة باسم "الخليفة العباسي"، حيث صادفه مطلع القرن السابع هناك على أبواب المهدية بأسطوله وعتاده. ومن هنا فوض لوزيره أبي محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص حكم تونس... فكان هو جد الملوك الحفصيين...
وبعد عودته إلى بلاد المغرب والمقام قليلا تناهت إليه الأخبار عن تطاول ألفونصو في الأندلس، فقرر الجواز إلى تلك الجهة لمناهضة العدوان.
وهنا اهتزت بلاد الفرنج لجوازه وتمكن رعبه من قلوبهم. وكتب إليه أكثر أمرائهم يسألونه السلام ويناشدونه الأمان ويطلبون العفو... ووفد عليه منهم ملك بيونة (BAYONNE) التي كانت تحت التاج الإنجليزي على ذلك العهد. ويذكر صاحب كتاب "روض القرطاس" أن ملك بيونة قدم بين يديه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث به إلى هرقل يستشفع به...
ومن الطريف أن نقرأ في المصادر الإنجليزية القديمة عن سفارة بعث بها يوحنا ملك إنجلترا وشقيق الملك قلب الأسد إلى الخليفة محمد الناصر 608 = 1212 بعد بضع سنوات من بناء جامع حسان. يستصرخ به عندما تحرج موقفه، فقد تألب عليه الأشراف ورجال الدين والأهالي وزاد الطين بلة أن البابا كان قد حكم عليه بالحرمان الكنائسي قبل ذلك بثلاث سنوات...؟ ! وأطرف من ذلك أن نرى الملك جوهن يعرض على الخليفة الموحدي، كدليل على الامتنان، أن يعتنق العاهل الإنجليزي الإسلام هو وسائر أفراد رعيته !!

8) يوسف بن يعقوب بن عبد الحق
1286 م – 1306 م
685 هـ - 906 هـ
كان اليوم الأول لقرن الهجري الثامن هو الأربعاء الموافق 6 شتنبر 1301.
بويع في أعقاب وصول الأخبار بوفاة والده في قصره بالجزيرة الخضراء من الأندلس 22 محرم فاتح 685. حيث التحق يوسف بالمدينة المذكورة وهناك جددت له البيعة قبل أن تنقل الجثة إلى شالة بظاهر مدينة الرباط...
واجه هذا العاهل مشاكل الحركات الانفصالية التي ظهرت في المغرب الأوسط. كما عاش تناقضات بني الأحمر في الأندلس حيث وجدنا سلسلة من الاصطدمات والمصالحات بين هؤلاء وأولئك...
كما شاهدنا طائفة من الاجتماعات على مستوى عال بين الحكام، سواء في الأندلس أو ايالات المغرب. ولكن النتائج لم تلبث أن ذهبت أدراج الرياح...
وقد شهد مطلع هذا القرن وجود السلطان أبي يعقوب في معسكره يحاصر آل يغمراسن في تلمسان. حيث كان يسير من هناك أعمال الدولة. ومن ثمة أيضا واصل اتصالاته بديار المشرق حيث بعث بركب الحاج المغربي في حامية تناهز خمسمائة فارس ووجه خطايا على صاحب الديار المصرية الملك الناصر محمد بن قلاوون وأتحفه بهدية استكثر فيها من الخيل العراب والمطايا الفارهة... ظلت هذه السفارة حديث المجالس وقد أجاب عنها صاحب مصر بعدد من الهدايا المطرفة كان فيها الفيل والزرافة.
وقد سجل عهد يوسف بن يعقوب أول صلة مباشرة للملكة المغربية بشرافة مكة، في أعقاب التنافس الذي شب بين أبناء الشريف أبي نمى الأول، حيث رأينا العاهل المغربي يبذل مساعيه الحميدة لتطويق الخلاف بين صاحب مصر وبين أشراف الحجاز.
والي يوسف هذا يرجع تاريخ الظهير الذي صدر إلى سائر عمال المغرب بإقرار الاحتفال بعيد مولد النبي صلى الله عليه وسلم أواخر القرن السابع، هذا الاحتفال الذي يعتبر في الواقع احتفالا بمطلع العام والقرن الهجري وكان بتو العزفي أصحاب سبتة قاموا في مطلع القرن بسن تلك العادة واتخاذ ذكراها مناسبة للإشادة بنبي الإسلام عليه السلام كما قلنا.

9) أبو سعيد بن أبي العباس
1389 م – 1420 م
800 هـ - 823 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري التاسع هو الجمعة الموافق 13 شتنبر 1398.
صادف ظهور هذا القرن تغير الأحوال بالمغرب، فقد طويت طائفة من محاسن العمران وتقلص ظل عدد الدول وفل حدها ووهن سلطانها وتداعت أحوالها وخرجت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض. !!
في هذا الجو بويع السلطان أبو سعيد عثمان بن أبي العباس بن أبي سالم.
بويع يوم 30 جمادى الثانية سنة 800 = 1398 بيد أن النقض والإبرام كان بيد الوزراء والحجاب.. ! وكان من أكبر حجابه أبو العباس القبائلي وفارح بن مهدي وأبو محمد الطريفي. وعبد العزيز الملياني ومن وزرائه صالح الياباني ويحيى الهسكوري. ومن كتابه الأديب ابن أبي دلامة ومن قضاته عبد الرحيم اليزناسني...
وقد تعرضت مدينة تطوان في عهد أبي سعيد هذه إلى عملية انتقامية من الجيش الإسباني... كما أن مدينة سبتة استهدفت هي الأخرى لعملية غدر في قصة مثيرة. فلقد شاهدنا "النصارى يأتون بصناديق مقفلة يوهمون أن بها سلعا وأنزلوها بالمرسى كعادة المعاهدين... وكانت تلك الصناديق مملوءة رجالا يقدر عددهم بأربعة آلاف من الشباب المقاتلة فخرجوا على حين غفلة واستولوا على الثغر. حيث وجدنا أهل المدينة يتطارحون على السلطان عبد الحق بن أبي سعيد راجين المساعدة...
"يا ملكا قد صان بيضة مغرب
بضوارم وصوارم وجنود
هتك النصارى علينا حرمة سبتة
غدرا بنقض مواثق وعهود" !
ولم تزل مدن المغرب ترتدي المسوح والنعال السود ونسوان المنطقة يجعلن على رؤوسهم (شمريرا) وهي قبعة من الدوم تعبيرا عن الحزن...

10) أبو عبد الله محمد الشيخ
1472 م – 1505 م
876 هـ - 910 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري العاشر هو المواقف 21 شتنبر 1495.
بعد تزعمه في مدينة أصيلا. طمحت نفسه للاستيلاء على فاس العاصمة التي كانت قد استنامت إلى شريف إدريس هو محمد بن علي العمراني الجوطي...
ولقد عقد محمد الشيخ اتفاقية هدنة مع البرتغال تمكن بواسطتها من التصدي لبسط نفوذه على باقي المدن المغربية. وهذا الأمير هو محمد الملقب بالبرتغالي نظرا للفترة التي قضاها بالبرتغال.
وقد شهدت أيام أبي عبد الله محمد الشيخ استيلاء الملكة إيزابيلا عاهلة إسبانيا على حمراء غرناطة حيث وجدنا أميرها السابق أبا عبد الله ابن الأحمر يقدم على أبي عبد الله محمد الشيخ بعد أن خاطبه بقصيدة طويلة من نظم العقلي. موصولة برسالة طويلة. وقد استهلت القصيدة هكذا:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم
رعيا لما مثله يرعى من الذمم
بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن
جار الزمان عليه جور منتقم !!
كما شهدت أيام محمد الشيخ كذلك استيلاء البرتغال على ساحل البريجة حيث شيدوا مدينة (الجديدة)... وشهدت استيلاءهم كذلك على بعض سواحل السوس. حيث بنوا حصن فونتي على مقربة من أكادير... وكانوا يمنون أنفسهم بالبقاء في هذه المواقع قبل أن تداهمهم طلائع الدولة السعدية.

11) أحمد المنصور الذهبي
1578 م – 1603 م
986 هـ - 1012 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الحادي عشر هو الخميس الموافق 8 أكتوبر 1592.
تولى أبو العباس أحمد المنصور الخلافة في ساحة الحرب بموقعة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة. حيث كان مصرع دون سباستيان ملك البرتغال. وكانت وفاة السلطان مولاي عبد الملك ملك المغرب، ومقتل الأمير محمد الملقب بالمسلوخ الذي كان يعضد البرتغال ضد السلطة الشرعية.
ولقد جنى أحمد المنصور ثمرات ذلك النصر العظيم، حيث شاهدنا أن مركز المغرب يتعزز على الصعيد الدولي، وأمكن أن نشاهد العاصمة مراكش تستقبل في قصر البديع عددا من السفارات الأجنبية من مختلف جهات الدنيا... وكتبت مئات التقارير بشتى اللغات عن المملكة المغربية، ووجدنا الأرشيفات الوطنية في العواصم الأوربية تزخر بالوثائق الهامة التي تتعلق بالمغرب الذي كان على هذا العهد يمون دول أوربا بالسكر !!
وبالرغم من أنه كان صديقا للعثمانيين إلا أنه كان حريصا أشد الحرص على استقلال بلاده غير راض إطلاقا بالخضوع للهيمنة التركية، ومن ثمة وجدناه يحتد غضبا إزاء إمبراطورية سنغاي (إفريقيا الغربية) التي بلغه عنها أنها ربطت لها صلات في مصر، مع صنائع الدولة العثمانية الذين "فوضوا" لسنغاي النظر في تلك الأقاليم !!
وقد أخذ أحمد المنصور بعد هذا يخطط لمداهمة الممتلكات الإسبانية في أمريكا اللاتينية والهند بقصد إضعافها تمهيدا لتحرير الثغور المغربية في الشمال.

12) إسماعيل بن المولى الشريف
1671 م – 1727 م
1082 هـ - 1139 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الثاني عشر هو السبت الموافق 15 أكتوبر 1689.
بويع السلطان مولاي إسماعيل في أعقاب استشهاد أخيه السلطان مولاي الرشيد أثناء جولة بالفرس في حدائق قصر البديع بمراكش...
كان على السلطان مولاي إسماعيل أن يطمئن على الأحوال الداخلية في البلاد حتى يتفرغ لمواجهة الأجانب الذين يحتلون بعض الثغور المغربية، كانت الخريطة السياسية للمغرب ممزقة، فلقد صادف ظهور الدولة العلوية الشريفة بقايا السعديين وإمارة الدلائيين في المغرب، وإمارة مراكش وإمارة إيليغ في الجنوب، وإمارة الهبط، وإمارة الريف في الشمال، ومنطقة للنفوذ التركي شرق المغرب ! هذا علاوة على الوجود الإسباني والبرتغالي والإنجليزي في بعض المواقع...
ولكن البلاد ما لبث أن توحدت، حيث وجدنا العلويين يعملون بشتى الوسائل، سواء منها الدبلوماسية أو العسكرية على تحرير المدن المحتلة.
وهكذا أجلى السلطان مولاي إسماعيل الإسبان عن المعمورة (المهدية) ثم الإنجليز عن مدينة طنجة، وكانت أجمل هدية قدمها مولاي إسماعيل على شعبه في مطلع القرن الثاني عشر الهجري (1690) هي تحرير مدينة العرائش التي ظل المغاربة – حدادا عليها – يلبسون النعال السود منذ أن تسلمها الإسبان قبل اثنين وثمانين سنة، وتبع هذا تحرير مدينة أصيلا، بعد قرنين وربع من الاحتلال البرتغالي، ديوان ضخم من الشعر أشاد بالحادث واتجه إسماعيل لمحاضرة سبتة:
رفعت منازل سبتة أقوالها تشكو إليكم بالذي نالها !
كان السلطان مولاي إسماعيل يمتاز باعتزازه الفائق ببلاده وبدينه... تجلى ذلك في الآلاف من الوثائق التي تزخر بها المكتبات الوطنية في البلاد الأوربية، وفي العشرات من الكتب التي ظهرت منذ ذلك الوقت، سواء باللغة الفرنسية أو اللغة الإنجليزية أو الإسبانية...
لقد كان هناك شبه قوى بين السلطان مولاي إسماعيل بن مولاي الشريف والسلطان أحمد المنصور الذهبي... سواء في بقائه على صلة تامة بالجنوب المغربي أو في تشييد المعالم التي أصبحت تفوق ما بناه المنصور في مراكش !

13) محمد بن عبد الله
1757 م – 1790 م
1171 هـ - 1204 هـ
كان اليوم الأول للقرن الثالث عشر هو الثلاثاء الموافق 24 أكتوبر 1786.
تقلد السلطان سيدي محمد بن عبد الله زمام الأمر في حياة والده وبتكليف منه. وقد جددت بيعته فور وفاة الوالد.
وقد حلق هذا الملك العظيم في حقل السياسة الدولية ووجدناه يتفوق على عدد من القادة العالميين في تفكيره وتقديره للأمور بشهادة الذين اهتموا بحياة السلطان سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث) وكما كانت الخطة التي اتبعها جده السلطان مولاي إسماعيل، وجدنا سيدي محمد يقوم بنشاط مزدوج، فهو من جهة على بصيرة بما يدور في العالم الخارجي... الأمر الذي تنطق به كذلك سائر الأرشيفات الوطنية الموجودة سواء في استانبول والعالم الإسلامي أو في القارة الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية كذلك.
وهو بالإضافة إلى إنشائه لمدينة الصويرة على المحيط الأطلسي جنوب المغرب وجدناه يتجه إلى تكميل ما ابتدأه جده السلطان مولاي إسماعيل، حيث وجدناه يهتم بتعزيز الثغور المغربية وشحنها بآلات الجهاد، كما وجدناه يقوم بعملية إجلاء البرتغال عن مدينة الجديدة، وبذلك صفى آخر معقل للبرتغال بديار المغرب، وقد قام إلى جانب هذا بحصار مدينة مليلية التي كانت على وشك التحرر لولا عملية غدر خذلته من جانب داي للجزائر !
وقد كان من أبرز ما اهتم به سيدي محمد إحياء الأسطول المغربي حيث كان يتوق إلى إنشاء دار الصناعة على نحو ما كان عليه الأمر على عهد الموحدين وجدناه يتخذ من سلا والعرائش مركزين لصنع السفن والمراكب التي بلغت في عهده المئتين على حد تعبير المؤرخين المغاربة وعلى ما تؤكده التقارير الدبلوماسية، وقد كان من تلك السفن "المعونة" التي بلغ عدد بحريتها 330 بحار وبلغت مدافعها أربعة وخمسين مدفعا، وقد استنفر سيدي محمد في مطلع القرن ألف شاب لتدريبهم على خدمة البحر، حيث كانوا يقيمون في طنجة...
ومن جهة أخرى فإنه ليس من قبيل الصدفة أن نجده في مطلع القرن يتخذ قراره بتخصيص بعثة طلابية يناهز عددها 140 ناشئا من أجل تعلم الصنائع الوطنية التي تمثل تراثنا الحضاري حتى لا يتعرض للضياع.

14) الحسن بن محمد بن عبد الرحمن
1873 م – 1894 م
1290 هـ - 1311 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الرابع عشر هو الجمعة الموافق ثاني نونبر 1883.
كان السلطان مولاي حسن يمارس الأعمال في حياة والده الذي كان يستخلفه في كثير من المهام، وهكذا أجمع الناس على مبايعته بعد أن التحق والده بالرفيق الأعلى...
لقد استقبل مولاي الحسن (الحسن الأول) أياما كانت في منتهى الدقة، فالاستعمار الأوربي يأخذ بمخنق المغرب من جهة الشرق ومن جهة الجنوب والشمال كذلك... والمؤتمرات الداخلية ما تنفك تتفاقم بدعم من القوى الخارجية، ولكنه مع ذلك عرف كيف يستفيد من اختلاف الدول الأجنبية لصالح احتفاظ المغرب باستقلاله أكثر ما يمكن من الوقت، ولم يتردد في بث سفرائه عبر العواصم الأوربية قصد إبلاغها صوت المغرب وإقناعها بمطالبه العادلة، وقد نجح في إقناع المجموعة الدولية بالمشاركة في مؤتمر مدريد عام 1880.
وفي مقابلة هذا ظل البلاط الملكي يستقبل السفارات الأجنبية وظل العاهل سائر الأطراف وهو في كل ذلك حذر يقظ لما يجري من حواليه !!
ولا بد أن نذكر هنا بالمواقف الحازمة التي تميز بها العاهل إزاء الحفاظ على الحدود المغربية وبصفة خاصة في المنطقة الجنوبية، التي كانت تغري بعض الدول الأوربية بالنزول فيها حرصا على ازدهار تجارتها وتثبيت قدمها !
وأن ما حررته الدبلوماسية المغربية من مكاتبات وخطابات في سبيل تحرير ثغورها ليعتبر حقا من عيون الوثائق الوطنية التي تشهد بالغيرة المغربية الصادقة.
وعندما بعثت إسبانيا في دجنبر عام 1884 بمنشورها إلى الدول الأجنبية معلنة بسط حمايتها على بعض أطراف الشاطئ الأطلسي والصحراء رفض السلطان مولاي الحسن هذا الوضع... مؤكدا حدود الإيالة المغربية "وأما وادي الذهب فإنه بناحية أولاد دليم وقبيلته تسمى العروسيين الذين هم بخدمتنا الشريفة نازلين بنواحي مراكش وفاس، وتسمى عندهم بالداخلة.
وإن من أطرف ما تميز به مطلع القرن الهجري الرابع عشر هو إصدار السلطان مولاي الحسن لرسالة نشرت على أوسع نطاق بين الرعية... وقد كان من أسباب تعميم الرسالة الرد على التدخل في الشؤون الداخلية المغربية من طرف حركة ظهرت في السودان ! الأمر الذي قد يفسره أيضا تأكيد العاهل على أن حدود المغرب تمتد إلى السودان ذاته... !
وقد أصبحت الرسالة الحسنية بظهائر بتاريخ 1301 تطلب إلى عمال المملكة تعميم الانتفاع بالرسالة في كل الجهات.

15) الحسن بن محمد بن يوسف
1961 م
1380 هـ
كان اليوم الأول للقرن الهجري الخامس عشر هو الأحد الموافق 9 نونبر 1980
لقد رأى فيه جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله مخايل العبقرية فرشحه منذ نعومة أظفاره لولاية العهد، الأمر الذي استقبله الجمهور المغربي بكامل الرضى بالرغم من الموقف المعادي الذي اتخذته السلطات الاستعمارية.
كان لوالده العظيم نعم الصاحب في شتى الظروف وخاصة منها ظروف المنفى، وبعد عودة الأسرة المالكة إلى أرض الوطن وتحقيق الاستقلال، عين بتاريخ تاسع يوليه 1957 وليا للعهد بصفة رسمية... وبعد استشهاد الوالد يوم 26 يبراير 1961، في أعقاب عملية جراحية، جددت للأمير الحسن البيعة ملكا على البلاد...
وهناك ظاهرة تميزت بها تربية الأمير، ربما خفيت على البعض، ولكن الملاحظين يولونها أهمية بارزة، تلك أن جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله. "اختار أن يتلقى ولي العهد ما يجب أن يتلقاه من حقول المعرفة داخل البلاد، حتى يتمكن جلالة الوالد أن يتتبع عن كثب مراحل تلقي ابنه لمختلف العلوم واللغات، وحتى يظل سمو ولي العهد على صلة كاملة بالواقع المغربي".
لا أجرؤ على القول إنني أستطيع في هذه السطور القليلة تقديم هذا الملك الذي دوى صيته عبر القارات والذي أصبحت كلماته مثلا تضرب في المرويات، وأصبحت توجيهاته حكما تروى بين الناس...
حاولت أن أبرز جانبا من جوانبه لكنها جميعا كانت متوازنة، إنه ينتمي إلى خمسة أحياز كانت هي أصول مآثره وآثاره، حيز القارة الإفريقية، حيز العالم الإسلامي، حيز العالم العربي، حيز الفكر العربي وحيز الوطنية المغربية، رأيناه يسهم بحظ وافر في إنشاء إفريقيا الحرة... ورأيناه يتزعم العالم الإسلامي والعربي ويتحدث بلسانهما إلى العالم المسيحي، ورأيناه يصل بين قارة وأخرى سمعنا عن مغرب المؤسسات والمنشئات، عن مغرب السدود، وأصبحنا نقرأ في الموسوعات العالمية الحديث عن المسيرة الخضراء على أنها معلمة من المعالم التاريخية.
ونحن نعيش اليوم مع مغرب يتجدد باستمرار في سائر مرافق حياته وما يزال الناس يتتبعون ثنايا الخطاب التاريخي الذي وجهه إلى العالم الإسلامي بمناسبة مطلع القرن الهجري حيث أحيا سنة أسلافه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here