islamaumaroc

حول تبسيط الكتابة المطبعية

  عبد الوهاب بن منضور

6 العدد

كانت النتيجة التي انتهى إليها الأستاذ الأخضر مثار إعجاب وسرور في أفئدة جميع الغير على اللغة العربية المهتمين بمصيرها المشفقين على مستقبلها، ولست بمغال إذا قلت إن سروري باختراع الآلة الجديدة كان مضاعفا لأنني رأيت فيها حلما من أحلامي يتحقق بل رأيت فيها مشروعا باشرته بنفسي وحضرته بمجهودي الفردي يخرج إلى حيز الوجود على يد مثقف عناه من أمر الكتابة العربية ما عناني فهب يعمل بجهوده الخاصة لتبسيطها وحل عقدها حتى انتهى إلى النتيجة السارة التي عقد لها ندوة صحافية بوزارة التهذيب الوطني.

مازلت أتذكر أول يوم وقفت فيه أمام مطبعة عربية منذ عشرة أعوام لطبع بعض كتبي، لقد كان ضعف المصففين في العربية موجبا لوقوفي بجانبهم ساعات من اليوم وهم يصففون كلمات الكتاب، وكم كانت دهشتي عظيمة عندما رأيت بساطة صندوق الأبجدية اللاتينية وتعقد صناديق الأبجدية العربية، إن الأول لم يكن يحتوي إلا على أربع عشرات من الخانات يستطيع المرء بما فيها من الحروف أن يصفف أي النصوص يشاء مشكولة مضبوطة، كما يستطيع أن يحمله بيد واحدة ويحوله من جهة إلى أخرى من غير عنت ولا إرهاق، أما الأخرى فكانت تحتوي على بضعة صناديق نضدت فيها بضع مئات من الخانات المحتوية على مئات من أشكال الحروف التي ينوء حملها بالعصبة أولى القوة، والسبب في ذلك أن الحروف اللاتينية لها شكل واحد في أول الكلمة ووسطها وأخرها، أما الحروف العربية فأشكالها تختلف بدءا ووسطا ونهاية، ومثال ذلك أن حرف التاء له شكل واحد في مطبعة الأعجام، فيكتب دائما T أما التاء في مطبعة الأعراب فلها على الأقل ستة أشكال (تـ، ـتـ، ت، ـت، ـة، ة)، ولا أحدثك عن حرف الهمزة وكراسيه!.

كل هذا والأبجدية اللاتينية لها شكلها من جنس حروفها، فالفتحة تكتب بعد الحرف المفتوح، والضمة والكسرة كذلك. أما الحروف العربية فليس شكلها من جنسها، بل بعلامات تكتب فوقها آو تحتها، فلذلك اقتصرت المطابع في الغالب على طبع النصوص العربية غير مشكولة، لأن الشكل يزيد صندوق الحروف العربية تعقيدا على تعقيد، وتصوروا أشكال التاء المرسومة أعلاه وقد سبكت بالفتحات والكسرات والضمات والسكونات وأنواع الشد وأنواع التنوين، إن حرف التاء وحده سيصير له  من الخانات في الصندوق أكثر من أربعين، الأمر الذي يجعل صناديق الأبجدية العربية المشكولة تحتوي على أكثر من ألف شكل بكل تأكيد.

يضاف إلى ذلك أن الحروف العربية لا تسير على سنن مستقيم لاعوج فيه ولا أمت، فبعضها يسير إلى أسفل كالراء والزاي والواو، وبعضها يسير إلى أعلى كالألف واللام والكاف، ومثل ذلك واقع في تعريقات الحرف الأخير كالخاء والجيم، وهذا الاختلاف يجعل شكل الحرف العربي عريضا جدا، بحيث يأخذ السطر العربي الواحد الحيز الذي يأخذه سطران أو ثلاثة لاتينية، وفي كل ذلك من ضياع الوقت والمال وتشويش الذهن مالا يخفى على  من عانى الطباعة العربية واكتوى بنار تعقدها.
 
  وهكذا  فكرت في اختراع طريقة لتبسيط حروف الطباعة العربية وكتابتها مشكولة متجانسة فعكفت على العمل أزيد من سنة واستعنت عليه ببعض الرسامين والمهندسين، وهيأت أبجدية عربية مشكولة، مستمدة من الأبجدية القديمة، لا تختلف عنها إلا فيما يوجبه التبسيط والانسجام، وليست فيها بدعة إلا في الشكل الذي أصبح من جنس الحروف لا علامات توضع فوقها أو تحتها، ثم وقف حمار الشيخ في العقبة بعد ذلك، لأن قريشا قعدت بهم النفقة، فلم أستطع إخراج مشروعي إلى حيز الوجود، وبقي في ملفه حبرا على ورق بين إخوان له لم يقدر لهم العسر أن يروا النور.

وقرأت بعد ذلك عشرات من البحوث التي كتبت من قبل ومن بعد عن عسر الكتابة العربية وضرورة تيسيرها، وبعضها كان يذهب به الشطط إلى حد تفضيل الحروف اللاتينية على الحروف العربية والدعوة لاستبدال الأولى بالثانية، وكان الذي يشحن الصدر غيضا أنه لم يوجد في العالم العربي بل الإسلامي على اتساع رقعته هيأة ولا حكومة تتبنى مشاريع إصلاح الطباعة العربية وتنفق عليها وتطبقها في بلادها، وكان الألم يعظم عندما يرى المرء الحكومات والجماعات تتبارى في إنفاق الملايين والملايير على أعمال كمالية وأخرى لا فائدة منها مطلقا إلا حب التقليد وإرضاء الأجنبي بترسم خطاه فيما يقول ويفعل، في حين أنها تبخل بالنفقة على المشاريع الضرورية للنهضة، المريحة للذهن الموفرة للأموال الناشرة للثقافة والعرفان، وكان المسؤولون في الشرق يتضاءلون أمام عيني حينما لا أجد من بينهم من يعدل مصطفى كمال مؤسس تركيا الحديثة في عزيمته القوية، ومسارعته إلى تنفيذ المشاريع الإصلاحية التي يؤمن بفائدتها أحب من أحب وكره من كره، وأقول ليت لنا في عالم العروبة والإسلام زعيما حازما من نوع مصطفى كمال، يصلح الكتابة العربية فيقيها شرور الأخطاء التي ارتكبها مصطفى كمال، ومرت السنون تعقبها السنون وجدت أحداث وجرت شؤون، ولم يكن شيء منها لينسيني مسألة تبسيط الكتابة العربية أو يخفف عني عبء ما أحمل من الهموم في شأنها، إلى يوم 4 غشت الماضي، ففي صباحه الباكر كنت أتناول طعام الإفطار بدار السيد  المهدي بن بركة رئيس المجلس الوطني الاستشاري صحبة السيد محمد التازي، وبينما نحن نستعد للحاق بالأستاذ علال الفاسي بالقصر الكبير لنحضر بجانبه في ذكرى وقعة وادي المخازن إذا بالسيد ابن بركة يلقي إلى رقعة فيها نص عربي مشكول مطبوع بالآلة الكاتبة فقلت من الفرح: يابشراي، هذا تأويل رأياي من قبل قد جعلها ربي حقا.

والآن وقد أنجز المشروع وأبصر بعد الظلمة النور لا يسعنا إلا أن نهنئ الأستاذ الأخضر بهذه التحفة التي جاد بها على اللغة العربية وآدابها، ونقر له بالغيرة والعزيمة والنبوغ، كما لا يسعنا إلا أن نحمد الله أولا وأخيرا على أن ادخر هذه المكرمة للبلاد المغربية، ونشكر جميع الذين ساهموا في تحقيقها ماديا ومعنويا.

أما فائدة هذه الآلة الشاكلة المبسطة فهي فوق التصوير والتقدير، ويكفي أنها ستكون وسيلة فعالة لتقويم الألسنة على النطق الصحيح وإراحة الذهن من عناء التفكير في القواعد النحوية للوصول إلى فهم المعنى المقصود.

إن قارئ الحروف اللاتينية لا تكاد عينه تقع على الكلمة حتى ينطبع معناها في ذهنه، أما قارئ الحروف العربية غير المشكولة فإنه يحتاج إلى وقت لمعرفة موقع الكلمة من الإعراب وصورة بنائها قبل فهمها، وخذ مثلا كلمة(علم) فإنها من الممكن أن تكون فعلا ثلاثيا مبنيا للمعلوم أو مبنيا للمجهول، أو رباعيا مضعفا أو مصدرا بمعنى المعرفة، أوصفة مشبهة بفتح فسكون بمعنى العالم، أو مفتوح الأولين بمعنى انشقاق الشفة العليا أو الراية أو الجبل أو السيد الخ. فالآلة الجديدة ستكفينا مؤونة التفكير في القواعد الصرفية والنحوية وتجعل المعاني مفهومة بمجرد القراءة، وفي ذلك من راحة الذهن وربح الوقت ما فيه.

بقيت كلمة أخيرة أوجهها إلى المسؤولين المغاربة، وهي أن هذا العمل الجبار الذي قام به الأستاذ الأخضر ينبغي أن لا يذهب هباء ويترك ظهريا، فمن الواجب أن تصدر الأوامر إلى سائر الوزارات والعمالات والمؤسسات الحكومية باستعمال هذه الآلة والاقتصار عليها، وأرى أن يقوم سيادة وزير التربية الوطنية بتقديم نص قانوني إلى مجلس الوزراء في هذا الموضوع، وبذلك يتم نعمته على هذا المشروع الكبير الذي تبناه ونال منه كل تشجيع، ويكون أدى خدمة إلى المملكة المغربية خاصة والعالم العربي على العموم في جملة ما يؤديه من الخدم.

رف أن وراء هذا الرجل قصة تستحق الرواية، قصة تمت فصولها، بعد أن ألقيت نظرة على هذه الورقة الملقاة هنا، فدعني أرواها لك قال دون أن ينتظر موافقتي:" عندما اقبل عندي هذا الرجل كان في منتهى التعاسة، ولم يكن عندي غيره ... فوجدت من الصعب أن أساعده، لأنني لا أستطيع أن أساعد الا الجماعات من الحجاج،وليست استطيع أن اذهب إلى وزارة كذا أو هيئة كذا لأقول لهم أن عندي حاجا واحدا، فطلبت  منه أن ينتظر بضعة أيام ريثما يفتح الله علينا بحجاج آخرين.

وهو عندما فارق الدنيا لم يترك لأله شيئا يرثونه عنه، وجعل  كل ما كان في ملكه صدقة على أمته، ولم يقم لنفسه ولا لأله أدنى حق على أتباعه، بل حرم على أله أن يأخذوا شيئا من الصدقة، خشية أن تتقدم الأيام بأتباعه فيجعلوا صدقاتهم كلها لأله.

هل ينتهي بهذا فحسب ذكر مزايا هذا الرجل ومناقبه وكمال؟ الجواب: كلا، فانك إذا نظرت نظرة شاملة في تاريخ العالم، وجدت أن هذا الرجل الذي ولد قبل أربعة عشر قرنا في  مكة،ونشأ على الفطرة في بادية العرب، هو مِؤسس  العصر الحاضر،وسيد البرية،وزعيم الإنسانية في العالم كله، و أنه ليس بزعيم لمن يؤيؤمنون به ويعترفون له بالزعامة فحسب، بل هو كذلك زعيم لأولئك الذين ليؤمنون به ويعترفون له بالزعامة فحسب، بل هو كذلك زعيم لأولئك الذين ليؤمنون به ولا يعترفون له بالزعامة لأنفسهم.

ليشعر هؤلاء بأن الذي يعرضون عن أتباعه ويكذبونه ويطيلون فيه ألسنتهم بالذم والقدح، قد خالط أتباعه روح عصرهم الجديد،وأثر أبلغ تأثير في أفكارهم ونظرياتهم ومبادئهم لما يأتون أيتركون من أللأعمال  في الحياة.

فهو الذي قد غير مجرى تصورات الدنيا عن الأوهام والخرافات وعبودية العجائب والرهبانية، إلى التعقل، وإيثار الحقيقة،والدنيوية القائمة على التقوى وهو الذي بدل طبيعة الدنيا المطالبة بالمعجزات العقلية، واعتبارها مقياسا للصدق والحقانية.
 وهو الذي فتح عيون الباحثين عن أثار الألوية في الأمور الخارقة في الأمور الخارقة للعادة، وعودهم أن يروا آيات الله الدالة على وجوده وتوحيده في أثار الأفاق والطبيعة.

وهو الذي صرف الناس عن الاعتماد على الرجم بالغيب وسلك بهم طريق التعقل والتفكر والمشاهدة والتحقيق.

وهوا لذي وضع يد الإنسان على مابين العقل والحس والوجدان من الحدود، وجمع بين الروح والمادة، وبين الدين والعلم و العمل.

وهو الذي ٍأوجد في الدنيا الروح العلمية بفضل قوة الدين، والتدين الصحيح بفضل الروح العلمية. وهو الذي انتزع جذور الشرك وعبادة الخلق،للخلق، واصل مكانها بقوة العلم. الاعتقاد بالتوحيد، حتى اضطرت ديانات المشركين والوثنيين أنفسهم إلى أن تظهر للدنيا ولو يلمع من صبغة التوحيد.

وهو الذي غير التصورات الأساسية للأخلاق والمعنوية ، وبين اللذين كانوا ليعتقدون الأخلاق ألا في الرهبانية والأعراض عن الدنيا واضطهاد النفس وحرمانها من لذائد الدنيا ونعيمها- وكان خارجا من دائرة الآملان في نظرهم أن يترقى الإنسان روحا وينال النجاة مع أدائه ما عليه من الحقوق لنفسه وجسده واشتغاله بشؤون الدنيا- هو الذي بين لهؤلاء جميعا طريق الأخلاق الفاضلة، والارتقاء  الروحي وحصول النجاة، يمر من بين مشاغل الحياة المدنية والاجتماعية والأعمال الدنيوية البحتة.

وهو الذي عرف الإنسان بمنزلته وقيمته الحقيقية فالذين ما كانوا بحال يسلمون لأحد بحق في رايتهم وزعامتهم ما لم يكن دانا فوق البشر، أو منزلا من الله، أو ابنا له، هو الذي دلهم جميعا عل] أن الإنسان مثلهم، له أن يكون مندوبا إليهم من ملكوت السماء، وخليفة في الدنيا لرب العالمين.
والذين كانوا يتخذون  كل إنسان قوي إلها لأنفسهم ويطأطئون له رؤوسهم، هو الذي أرشدهم إلى أن ليس الإنسان- مهما كان قويا-شيئا غير الإنسان، فما  من أحد قد خرج إلى الدنيا من بطن أمه بحق السيادة والحكم على الناس، وما من احد دخل الدنيا وعلى جبينه وصمة العار والنحس والحكومية والخضوع والتذلل والعبودية.

و أن تعليم هذا الرجل، هوا لذي أنشأ في الدنيا نظرية الوحدة والمساواة والجمهورية والحرية الإنسانية.
هذا، وتعالوا نتجاوز الآن عن التصورات ونستعرض ما لزعامة هذا ألامي من النتائج  العملية في قوانين العالم وشؤونه المختلفة المتشعبة:
فكم من مبادئ الأخلاق والمدنية والحضارة والطهارة والنظافة عرضها هذا ألامي على الإنسان فانتشرت في العالم كله؟.
وكم من قانون في الحياة الاجتماعية أتى به هذا الأمي فحاولت ولا تزال تحاول الدنيا الاستقاء من منهله؟
وكم من حركة قد قامت ولا تزال تقوم في الدنيا على أساس ما أتى به هذا الأمي من المبادئ  في الاقتصاد والمالية؟.
وكم من ثورة قد حدثت ولا تزال تتأثر عليه نظم الدنيا للمحكمة وأفكارها القانونية بما أتى به هذا الأمي من المبادئ في العدالة والتشريع؟.
وماهر إلا هذا الأمي العربي الذي نفذ  في الدنيا فعلا لأول مرة نظام الصلح والحرب والعلاقات الدولية، وإلا فإن الدنيا ما  كانت تعرف قبله أنه  من الممكن أن يكون للحرب نائم، وأن تتم المعاملات بين مختلف أمم الأرض وشعوبها على أساس الإنسانية المشتركة.

إن شخصية هذا الرجل أبرز شخصية في منظر  التاريخ الإنساني، حتى أنكم إذا أقمتم بجنبه جميع أولئك الذين تعدهم الإنسانية منذ بدء تاريخها إلى يومنا الحاضر من الأكابر، فأنهم ليلوحون لكم بالنسبة لعظمته ألا أقزاما.

ليس من أكابر الدنيا وأعاظمها وعباقرتها من يجاوز لمعان عظمته وعبقريته شعبة وشعبتين من شعب الحياة الإنسانية، فمنهم من إذا  كان ملكا  في النظريات، فهو صعلوك  في القوة العملية.
ومنهم من إذا كان رمزا  للعمل والنشاط، فإنه ضعيف في الفكر.
ومنهم من أنما تنحصر عبقريته في المراوغات السياسية والذكاء العسكري.
 ومنهم من إذا ركز نظره في ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية، توارت عنه سائر نواحيها. ومنهم من إذا تناول بالبحث والإصلاح الأخلاق والمعنوية، غاب عن فكرة الاقتصاد والسياسة. ومنهم إذا تفرغ للاقتصاد والسياسة، انقطع نظره عن الأخلاق والمعنوية.

كٍأننا إذا كنا نجد في التاريخ رجلا من الأعاظم والعباقرة، فما عظمته وعبقريته إلا من ناحية أو ناحيتين من عدة نواحي العظمة والعبقرية.

 أما هذا الرجل فإنه نسيج وحده وفريد شأنه، قد أحاط بجميع نواحي العبقرية والكمال والعظمة، فهو نفسه الفلسفي والحكيم والمنفذ لفلسفته في الحياة العملية. وهو نفسه المدبر السياسي وقائد الجيش وواضع  القانون ومعلم الأخلاق ومزكي الأرواح والنفوس: يشمل نظره حياة الإنسان،وينفذ إلى كل جزء من أجزائها. وهو يصدر الأحكام والتعليمات في كل ما يتعلق بحياة الإنسان من آداب الأكل والشرب والجلوس والقيام، إلى العلاقات الدولية، وقرر مدنية مستقلة، ويقيم بين مختلف شعب الحياة المديدة اتزانا صحيحا لا إفراط فيه ولا تفريط. فهل ترى رجلا غيره جمع بين نواحي العبقرية والعظمة مثله.

ليس من أشهر وأعظم رجالات التاريخ آلا وفي نشٍأته فضل- قليل أو كثير- لبيئته أثرا ما في نشأته، ومن المحال أن يثبت بدليل عقلي أو نقلي أن كانت البيئة العربية  في ذلك الزمان تقتضي تاريخيا أن يظهر فيها رجل مثله، وغاية ميمكن أن يقال  في هذا الإنسان هو أن البيئة العربية في ذلك  الزمان،  كانت تقتضي أن يظهر فيها زعيم سياسي قومي، يؤدي بما  كان بين مختلف قبائلها من المشاحنة والعصبية وتفرق  الكلمة، ويصبها جمعاء في بموثقة قومية موحدة، ويسعى سعيه لسعادة  العرب وفلاحهم الاقتصادي، بالاستيلاء على ما حولهم من بلاد الدنيا، ويكون حاملا لكل  ما كان للعرب في ذلك  الزمان من المزايا  القومية، حتى يستعين بكل ما تصل إليه يده من وسائل الظلم والقهر والغدر والخديعة وسفك الدماء وما إليها للترفيه عن قومه والارتفاع بكلمتهم، ويكون بهم دولة قوية شامخة الأركان عزيزة الجانب مرهوبة المقام، ويتركها لورثته من بعده، أفمن الممكن أن يثبت شيء غير هذا من مقتضى بيئة العرب وتاريخهم  في ذلك الزمان؟.

 وغاية ما يمكن أن يقال بوجهة نظر فلسفة(هيجل) أو تفسير)ماركس) المادي للتاريخ، هو أنه كان من مقتضى تلك البيئة أو من المحتمل فيها،أن يظهر في العرب زعيم يجمع كلمتهم ويصبهم جميعا في بواثقة قومية  متحدة  تحت دولة موحدة يتركها لورثته من بعده. ولكن كيف لفلسفة –هيجل-أو تفسير- ماركس- المادي،إن يعبر عن الواقع التاريخي:
وهو انه ولد في تلك البيئة رجل عنى قبل كل شيء وبعده بإصلاح الإنسانية، وتزكية أرواح الناس. وتطهير قلوبهم وتحلينهم بمكارم الأخلاق، وسعى سعيه للقضاء على ماكانوا عليه من الخرافات والأوهام والعصبيات الجاهلية.

رجل تجاوز نظره عن الحدود القومية والجنسية والوطنية وشمل الإنسانية بأجمعها.
رجل أقام بناء نظام للأخلاق والمدنية والسياسة لا للعرب وحدهم، ولكن للعالم الإنساني بأسره.
رجل ما عالج معضلات الاقتصاد والسياسة والمدنية والعلاقات الدولية في عالم الخيال والفكر فحسب ولكن عالجها على أساس الأخلاق في عالم الواقع والحقيقة فعلا.
رجل مزج بين الروح والمادة مزجا معتدلا كان ولازال اكبر شاهد واسطع برهان على حكمته وعبقريته.فهل لأحد أن يقول بعد كل هذا،أن ذاك الرجل أنما كان نتيجة للبيئة العربية في الجاهلية؟
ليس هذا فقط، بل أننا إذا تأملنا فيما جاء به هذا الرجل في حياته من جلائل الأعمال،وجدنا أنه كان غير متقيد بحدود الزمان والمكان،وكان نظره يفصم قيود الوقت والأحوال،ويشق حجب القرون والأفاق، ولا يصده شيء عن التقدم إلى الأمام. كان ينظر إلى الإنسان في كل زمان وفي كل مكان،ويصدر لحياته تعليمات خلقية وعملية تصيب المزح وتعالج مشاكله بصفة متساوية في كل عصر وفي كل بيئة. وهو ليس من الذين قد أبلاهم التاريخ، ولا نقيض عليهم الثناء اليوم إلا من حيث كانوا دعاة الخير ومحسني الإنسانية في زمانهم، بل هو.
-خلافا لكل من سواه- زعيم الإنسانية ومحسنها الذي ليدانيه غيره، وهو يساير التاريخ، وهو جديد في كل زمان حياته.

والذين تضفى عليهم بكل سخاء ثياب المدح ويلقبون بصانعي التاريخ، ليسوا في حقيقة الأمر إلا ممن قد صنعهم التاريخ.

والحق أن ليس في التاريخ الإنساني كله رجل حاشا هذا الأمي، يجوز أن يقال عنه أنه صنع التاريخ، وما من أحد قد تم على يده نتع  من  الثورة في التاريخ الإنساني، ألا وتجد أذا أنت نظرت في حالاته وظروفه وبيئته، أن أسباب  الثورة كانت بنفسها مختمرة قبل أن يقوم لإحداثها، وأن هذه الأسباب نفسها كانت تعين الوجهة لعمله، فلم يكن من بطل الثورة ألا أن أخرج مقتضى ظروف بيئته وزمانه إلى حيزا لوجود ببذل جهوده وقوته،أي نما لعب دور ممثل يكون كل من المنصة ونوعية التمثيل مقررا منهيا له من قبل.
أما هذا الرجل فلا نظير له أبدا بين صانعي التاريخ ومحدثي الثورات في الدنيا قديما أو حديثا،لأنه بنفسه خلق أسباب الثورة، وأعد لها المواد الابتدائية، حيث لم يكن لها وجود،وبنفسه أعد لها الرجال الأكفاء بإذابة شخصيته العظيمة وإفراغها في قالب ألاف مؤلفة من الناس في بيئة جاهلية، ما كان في أهلها روح الثورة العملية ولا النشاط والاستعداد العملي لإحداثها.

هوا لذي أعد أسباب الثورة بقوة إرادته، وعين صورتها ونوعها، وهو الذي واجه الأسباب بعلو همته ومضاء عزيمته، حتى غير مجراها الوجهة أراد أن يوجهها إليها، فاني نجد صانعا للتاريخ ومحدثا للثورة على مثل درجته وشأنه؟

هذا وتعالوا نتفكر الآن: أي وسيلة كانت لما نشأ من العلم والنور ورباطة الجأش، وجاذبية الشمائل، ونفوذ الكلمة، والكفاءات والكمال والقوى المهذبة الفائقة دفعة واحدة، في رجل أمي يرعى الغنم، ٍأو يحترف التجارة،في ناحية من أرض منحطة مظلمة كجزيرة العرب قبل ٍأربعة عشر قرنا؟ تقولون أن كل ذلك ما  كان إلا مما اختلقه هو نفسه ونبع من ذهنه وأفكاره.

وأقول أنه لو كان الأمر كذلك، لكان على هذا الرجل أن يدعى الإلوهية، ولو أنه ادعاها، لما أبالدنيا أن تصدقه، في قوله وتؤيده في دعواه، إذ كانت هي التي اتخذت أمثال رام وكرش ويودا إلهة وجعلت المسيح ابن الله،وأي شيء من النار أو الماء ٍأو الهواء أو غيرها لم يكن يعبد فيها في زمانه؟.

ولكن انظروا واسمعوا ما يقول هذا الرجل عن نفسه بنفسه: أنه لافتخر بما جاء به، وليكسب الثناء  بنسبته  إلى  نفسه،وإنما ينسبه إلى الله الذي أكرمه به وأنزله عليه،ويقول ما إلا بشر مثلكم وكل ما عندي ليس من نفسي وإنما نزل على كل حرف منه من عند الله تعالى، فليستحق عليه الحمد والثناء إلا هو وحده.
وهذه القوانين التي أتيت بها لحياتكم، وهذه الآداب التي علمتها إياكم، ما أنا الذي اختلقت منها شيئا من تلقاء نفسي، ولا اقدر عليه،وأنا فقير إلى هدى الله تعالى ورحمته وفضله في كل شأن من شؤون حياتي،ولا أقول ولا أعمل إلا ما أتلقاه من عنده،سبحانه وتعالى.

انظروا إلى مبلغ هذا الرجل من الصدق والأمانة والتقوى،يحاول الكاذب أن ينصب إلى نفسه محاسن غيره، مع أنه من الممكن أن يعرف مصدرها بكل سهولة، أما هذا  الرجل، فلينسب إلى نفسه محاسن لو نسبها الى نفسه، لما استطاع أحد أن يكذبه لأنه لا يعرف ولا يستطيع أن يعرف مصدرها الحقيقي.
فأي دليل أقوى  من ذلك  على صدق هذا الرجل؟ ينال في نفسه كماليات منقطعة المثال بوسيلة خافية،ثم يبين للناس بدون تلكؤ والتحرج مصدرها.
قولوا بالله مالنا –بعد كل هذا- أن لا تصدقه فيما يقول؟
استعمال العلم
قال رجل للمهلب بن أبي صفرة:
كيف نجحت وبلغت ما بلغت من مركز رفيع؟
فقال المهلب:
إنما أدركت ذلك بالعلم وحده،فقال الرجل:
ولكن غيرك لم يصل إلى ما وصلت إليه وقد تعلم أكثر مما تعلمت؟ فقال المهلب أنني استعملت علمي ولم أحمله، بينما حمله غيري ولم يستعمله....

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here