islamaumaroc

مع الأسرة الكريمة

  دعوة الحق

223 العدد

شرف لي وأي شرف. وتكريم أجل تكريم. أن أعد نفسي من أسرة مجلة "دعوة الحق" الغراء. هذه المجلة التي مدت يديها الكريمتين إلى يدي في إعزاز ومودة، وتلقفت منى أقاصيصي وأبحاثي ونشرتها. فكان لها الذكر والحضور الأدبي والانتشار بفضل الله ويتفضل منها. أكتب هذا المقال المعترف بالجميل وتخالج ضميري مشاعر وذكريات من الماضي المغربي القريب. بكل ما فيه من بطولات وأمجاد عشناها. وكنا سعداء بأننا عشناها. وانفعلنا بها. وساهمنا بالجهد المستطاع – فيها. ثم تملينا بحلاوة الجني الطيب الناضج النافع. وقامت في نفوس الجميع أمال عظام لهذا البلد السعيد. في التقدم الكبير في جميع الميادين. وكان يشغلنا نحن هواة المطالعة أن يكون لنا مجد أدبي زاهر. مثل بعض البلدان العربية كمصر ولبنان. لأنه أصدق الأمجاد وأعلاها وأبقاها.
وما لبثنا إلا قليلا حتى ظهرت البادرة الأولى السعيدة. ظهرت المجلة. الكريمة "دعوة الحق" ظهور نجم لامع. فاحتفلنا بها وسعدنا. وحرصنا على اقتنائها ومطالعتها وتبويب بعض محتوياتها. وها أنا أكتب هذه السطور وأمامي على الرف 25 مجلدا. من أول عدد صدر إلى آخر عدد: 210 عدد بالتمام والكمال. حتى أبريل 1982 الأخير. مع اعتبار الأعداد المزدوجة. إني أفتخر بأنني من القلائل – فيما أعلم – الذين يتوفرون على المجموعة كاملة بلا نقصان.
وأظن أنه من المفيد أن يحكي أحد كتاب هذه المجلة الصامدة المفيدة كيف كانت بداية مشاركته في الكتابة بها. وما هي الخطوات والملابسات الأولى. إذ ذكر هذا يبين جانبا من مجهودات الكتاب ومعاناتهم في عهد النهضة الأدبية. ويبين – من جهة أخرى – أي دور. وأي جهد. وأي نضال أدبي صادق تحمله المتعاقبون على رئاسة تحرير هذه المجلة. جزاهم الله عن مجد أمتهم الأدبي خيرا. وكافأهم بالرضى والرضوان على أريحيتهم. وبرورهم بالكتاب واحتفائهم بهم. وبشاشتهم في وجودهم. وإعزازهم وتكريمهم بشكل نادر المثال. مع أنها خدمات للصالح العام. لا الصالح الخاص.
المنطق كان أنني كتبت عدة أقاصيص في أيام المحنة المغربية. وكنت قبلها مطالعا فقط. وربما كان ذلك بسبب التهاب عواطفنا وشدة حماسنا وانفعالنا في تلك الفترة، وأيضا بسبب مضايقتنا – ونحن الشباب الوطني الرافض للاعتداء والجور – وتهديدنا باستمرار. ثم تأثرنا قبل وأثناء ذلك وتجاوبنا مع الإنتاج الغزير الوارد من الشرق. خاصة من مصر المجيدة ولبنان النشيط... وبذلك توفر لي رصيد من الأقاصيص احتفظت به طي الملفات. ثم ارتأيت أن أنتخب منه مجموعة. وفعلا كانت مجموعة باثنتي عشرة أقصوصة. اخترت لها عنوانا باسم الأقصوصة الأولى... قدر العدس...
ولا أخفي أنني أحجمت عن إرسال أي شيء لأية جهة كانت، خوفا – والحق يقال – من سلة المهملات، التي سمعت البعض يتحدث عنها مستاء، ويعز علي كما يعز على أي كانت أن يرى "بنات أفكاره" توأد، وبعد تردد قمث بتجربة، فبعثت بإحدى أقاصيصي الوطنية إلى مجلة "المشاهد"، فاحتفي بها، ونشرت معززة برسم ملون، وفعلا ارتحت لهذه المعاملة، ورحت أفكر في اختراق الحواجز، بعد الأصداء التي خلفتها الأقصوصة البكر المنشورة.
وأستسمح في أن أمضي في سرد هذه الوقائع الأدبية الخاصة، فهي ستوصلني إلى بداية المشاركة السعيدة بالكتابة – مواظبا – في "دعوة الحق" لقد اتفقت مع زوجتي – غير المثقفة – على أن نأخذ من مدخراتنا وأن نقطع من ميزانية عائلتنا الصغيرة قدرا نتمكن به من نشر المجموعة الأولى القصصية، على أن يكون – وقد تعجبون لهذا – منى ومنها لجنة، نعمل على توسيعها بطلب مساهمة آخرين وأخريات، وهدفنا كان هو أن نتلقف الكتب المخطوطة من كتابها الشبان ونطبعها، مقابل اتفاق، دون حرص شديد على الربح، ووجدنا تسهيلات في الكلفة من صاحب المطبعة وهكذا خرجت المجموعة، وكانت أول مجموعة في الرباط لأن ثلاث مجمعات سبق أن نشرت في تطوان الفيحاء، من تأليف الأستاذ السيد محمد الخضر الريسوني، كما سبقتها مجموعة وطنية من تأليف الأستاذ السيد عبد المجيد بنجلون، ومجموعة اجتماعية من تأليف الأستاذ السيد أحمد عبد السلام البقالي، وقد نشرنا معا بالقاهرة المجيدة.
كانت مبادرة – على كل حال – سررت بها وسعدت، واستقبلها الأصفياء باعتزاز، وأفضل أن أصمت عن موقف الصحافة في الداخل كما صمتت هي، إلا ما كان من الأستاذ السيد مصطفى القباج، الذي استدعاني مشكورا لجلسة بالتلفزة المغربية، من خلال برنامجه الأدبي، أما من الخارج فلقد تلقيت مكاتبات كريمة من أساتذة أجلاء، كما علقت على المجموعة بعض الصحف الشرقية !
أما الاهتمام الأسعد فكان حين التقى بي الأستاذ المطلع السيد محمد بنعبد الله، وكان ودودا معي لما عبر عن تنويهه بالمجموعة تنويها كان بردا وسلاما على قلبي، وزاد في تكريمه فطلب مني أن أساهم بالكتابة في "دعوة الحق"، التي كان يرأس تحريرها يومئذ... يا له من تكريم أن أدعى للالتحاق بأسرة تضم أفاضل أجلاء بررة، شيء مشرف حقا، وبما أنني كنت منغمرا في الأندلسيات تاريخا وأدبا فبقد حررت أول أقصوصة تاريخية أندلسية بعنوان "آخر الفرسان" نالت تقديرا، وكبرهان على التقدير أخذ الأستاذ بنعبد الله يستعجلني في موافاته بالجديد، وفعلا نشرت لي المجلة خمس أقاصيص في خمسة أعداد من الأعداد الثمانية، للسنة العاشرة من عمر المجلة.
في تلك الأثناء التقى بي الأستاذ الأديب المرحوم السيد عبد القادر الصحراوي الذي كان أول رئيس للتحرير بالمجلة، فعبر لي عن سروره بما أنشر، ونوه مشكورا في كتاباتي المتواضعة ب "الوصف"، وكاد يعاتبني على عدم مكاتبته، ولو فعل لكان جوابي: أنني لم أدع فأستجيب على أنه لكل أجل كتاب.
وتسلم الأستاذ الغيور الودود السيد عبد القادر الإدريسي مهام رئاسة تحرير المجلة الغراء، والأخ الإدريسي تجمعني وإياه رحاب مكتبة عامرة، حيث نجئ معا لنقطف من ثمار العقول ونتاج القرائح الفياضة، ومن هذه المكتبة جدد أخوته طلبه إلي بأن أواصل الكتابة في المجلة، إن الإنسان ليمتلكه الفرح الزائد والاعتزاز الغامر وهو يرى هؤلاء الأفاضل يلحون عليه، تكرما منهم، ليكتب في المجلة، إنه شيء أعلى وأغلى من كل مكافأة، وأطيب على النفس وأشد تأثيرا فيها، كما أنها مواقف نبيلة تنسى كل المواقف الأخرى.
ومضيت أكتب في "دعوة الحق"، وكدت أعرف كاتبا مرتبطا كل الارتباط ب "دعوة الحق" وهذا حقا شيء يدعو إلى الفخر والاعتزاز، فالمجلة لها مكانتها، لأن لها نهجا محددا ثابتا، قوامه الإسلام، والدعوة الإسلامية والأمجاد.
الإسلامية، وهي مسائل حبيبة إلى القلوب، ومغذية للوجدان، ومعلية للمقام، لا تؤثر فيها الظروف المتقلبة والإيديولوجيات المتحولة والعواطف المنحرفة، والمجلة مع ذلك تهتم اهتماما بالشؤون التاريخية القومية والوطنية، وتوجد فيها مقلات وأبحاث من النوادر القيمة، التي كان لها الصدى البعيد، كما أن للأدب عموما حصة طيبة في المجلة، وهو غير محدود الآفاق، فهو أدب وطني، وأدب قومي. وأدب إنساني. وهو في كل الأحوال بعيد عن الإسفاف والسخف. وبرئ من التمسح بأذيال الأجنبي. ومن أن يكون ظلا مهزوزا للغير... أما الكتاب فهم في الغالب من المغرب، وهم أولى بمجلتهم، فحضورهم في مجلات الآخرين محدود، ومع ذلك فالأبحاث والمقالات التي كتبها غير المغاربة غير قليلة، وفيها دلالة على مرونة المشرفين على المجلة، وإيمانهم العملي الصادق بالأخوة العربية، وبالتقدير المتبادل... ويتصل بهذا اتصالا وثيقا الأخبار العلمية والثقافية والشهريات التي نشرتها وتنشرها المجلة – أن ربع قرن حافل بالوقائع والأحداث والمستجدات الثقافية مسطر تسطيرا في آخر كل عدد، وهو ذخيرة لا تقدر بثمن.
إن صفحات المجلة التي تعد بالآلاف، والتي حررها رجال العلم والفكر، وأهل الأدب والفن، والتي سهر على تصفحها وإعدادها وإخراجها رؤساء تحرير أكفاء غيورون صادقو التمييز، لتحفظ تاريخا قيما للحركة الفكرية بالمغرب، في فترة حاسمة، هي فترة ما بعد الاستقلال، فترة الترميم والتأسيس والتشييد، وكم تكون الخيبة مريرة لو لم تكن هذه الأسفار موجودة، تتحدث عن جانب من الواقع الثقافي المغربي، ليبقى للنقاد المقبلين والمؤرخين الأدبيين مجال الدراسة والبحث والمقارنة واسعا فسيحا.
لا يهم أن يتجاهل المجلة البعض من رجال الفكر، من داخل المغرب – خصوصا – لأسباب ظاهرة أو خفية، غالبها بسبب الاتجاهات الإيديولوجية، توهما أن المجلة تراثية ومتمسكة بالأصالة، فهي من أجل ذلك لا تعنى بالتطورات الفكرية والأحداث المعاصرة، ومعلوم أن هذا التوهم باطل من أساسه، لأن التراثيات والأصاليات – إن صح التعبير – منا وإلينا، وفيها وحدها ما يدل علينا، وعلى هويتنا، وعلى مكانتنا بين الأمم تاريخيا وحاليا، فالمغرب مثلا لا يعرف إلا بموقعه الجغرافي وبمدنه وقراه، وبمنشآته وعمرانه وبصروحه التي ينفرد بها – فإذا كان الأمر هكذا في الماديات التي لا يستطيع أحد نكرانها وحجبها والمغالطة فيها فإن المعنويات بجميع فروعها، والمعرضة للنكران والحجب والتغليط والمغالطة جديرة بالحماية والصيانة والدفاع، والاستماتة في الدفاع، تأكيدا للوجود، وفرضا لهذا الوجود، وتخليدا له على أرض هذا الوطن، وهذا ما قام به رجال أسرة "دعوة الحق" الكرام، بكل شجاعة، وصمود ومثابرة، طيلة ربع قرن.
إن المغرب – كما كان وكما سيبقى – مفتوح غير منغلق، مستقبل غير رافض، متجاوب غير متصامم... فجميع التيارات تمر به مرورا عابرا، أو مختلفة آثارا، والمثقفون المغاربة بدرجاتهم واعون بالأمور متفهمون ومميزون، والأخيار منهم، هم الذين يدركون أحوال أمتهم حق الإدراك، ويعتزون بما هي متميزة به، وفي نفس الوقت يحذقون ما يروج في عالم الناس من آراء ونظريات ومبتدعات، ليكونوا على علم أولا، ثم ليأخذوا ما يتلاءم مع ظروف بلادهم ويتجنبوا ما فيه مساس، أي مساس.
أكيد أن هذه المجلة المغربية الإسلامية التاريخية الأدبية سعت في تحقيق التوازن، فبقيت على خطتها المرسومة، منوهة من أمجاد الأمة بما يستحق التنويه، وفاتحة صفحاتها لفنون الآداب التي هي صور من خلجات وجدان هذه الأمة وهمسات ضميرها.
وإذا كان أهل الرأي الإسلامي في هذه الديار سيقيمون عطاءات المجلة خلال الخمس والعشرين سنة. وسيفحصون عن آمالهم المستقبلة، وإذا كان أهل التخصص التاريخي سيضعون الأبحاث التاريخية المنشورة في مكانها الصحيح من حيث الابتكار والجدة والطرافة، فإن الباحثين سيزنزن بميزان الذوق والنقد الموضوعي مآت المقالات الأدبية والمقطوعات الشعرية والنصوص القصصية.
ليس من حقي أن أنصب نفسي حكما على ما نشر من أقاصيص، فأنا منتظر لإحكام غيري فيما نشرت، وأنا متقبل لها، كانت لي أو على، إنها أعمال أدبية، حررت خلال ستة عشر عاما، أنجزتها وعمري يتراوح بين الأربعينات والخمسينات، وأنا موشك أن أكمل هذه الخمسينات، وهي فترة تعتبر أوج العمر، فإن كنت معبرا عن غبطتي وسعادتي في بدء هذا المقال، فلأنني ساهمت بقدر ما، في أدب أمتي، ليس قدرا كبيرا ولا فريدا من نوعه، ولكنه – على كل حال – إنتاج من جهدي واجتهادي وتصوري، أنه ليس مقلدا ولا متكلفا، وليس هو بدافع الكسب والربح، فهناك ميادين كان من الممكن أن أخوض فيها وأربح حقا، ولكني اخترت مصاحبة قلمي، وإبداع ما ينبض به فكري وتهج به عواطفي، ويهمس به ضميري... ولم أكن متهافتا على النشر حيث كان، وإنما اخترت مكاني وأناسي، فكانت إقامتي بمجلة "دعوة الحق" وكانت أسرتي هي أسرتها الكريمة، وأنعم بها من أسرة.
فما هي ميزات ما كتبت؟ وهل أنا راض عن هذا الذي كتبت؟
أولا، نعم أنا راض، فما لا أرضى عنه مقدما لا أرسله للنشر أبدا، وما أرضى عنه أبقى راضيا عنه حتى ولو لم ينشر، علاقة خفية قوية تربط بيني وبين إنتاجي المتواضع... فليباركه الله، أما المميزات فهي حقا مميزات، أقاصيصي الأندلسية المنشورة تبلغ 12 أقصوصة، ولا أعرف لها شبيهات، فيما عدا الروايات والقصص المطولات التي كتبها أستاذنا على الجارم "هاتف من الأندلس" و"شاعر ملك"، والتي كتبها الأستاذ الرائد جرجى زيدان في "فتح الأندلس" و"شارل عبد الرحمن" و"عبد الرحمن الناصر".
ميزة أخرى عملا بقول الله "وأما بنعمة ربك فحدث" هي أن جميع الأحداث الكبرى الوطنية السياسية والفدائية، كتبت فيها، وصورتها في مشاهد أعطتها حيوية، وملفي فيه منها 20 أقصوصة، هذه هي المميزات، أما الأقاصيص التاريخية والاجتماعية فأنا فيها مثل غيري من الكتاب والمفاضلة ليست من شأني.
أن عددا من الكتاب وجدوا مجالا فسيحا كريما سعيدا في صفحات مجلة "دعوة الحق" فأعطوا فيها العطاء السخي المتواصل، وارتبط اسمهم بها ارتباطا، ولم يكن ذلك احتكارا من المجلة لأسمائهم، ولكنها فقط الألفة الحميمة والاطمئنان التام، نفس شعور الإنسان بين أهله وذويه، من حيث لا يجد راحته وسعادته واستقراره إلا معهم، وتلك حالي شخصيا نحو الستة عشر عاما، تعددت كتاباتي أو قلت.
نعم، لقد نشرت قبل أن أنشر في "دعوة الحق" وظهر اسمي قبل أن يظهر فيها... ولكن إنتاجي المنشور في هذه المجلة هو الأعز على نفسي، ومكاني بين تلك الأسماء هو المكان الباعث لي على الفخر... ألم أقل في الأول أنه: شرف لي وأي شرف، وتكريم أجل تكريم، فالحمد لله أولا وأخيرا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here