islamaumaroc

دعوة الحق: تاريخ نهضة وتراث جيل.

  دعوة الحق

223 العدد

     مجلة ((دعوة الحق)) من المشاريع البارزة التي نهضت بأعبائها وزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية في بداية الاستقلال. وهي اقرب الأعمال المبرورة الجليلة الى الخير الخالص المحض ...وقد سدت فراغا هائلا كان يشكوه المغرب بعد الاستقلال في الميدان الثقافي والفكري والأدبي...وتحمل المسؤولون عن وزارة الأوقاف في سبيل  إبرازها من عالم الذهن الى دنيا الواقع صعوبات مادية و أدبية. ذللت عقباتها بفضل الهمم الكثيرة التي اذكت الشعلة وأنارت السبيل .
ولقد سلخت((دعوة الحق)) من عمرها المديد. باذن الله تعالى. خمسا وعشرين سنة عرف القراء عن طريقها النخبة المومنة التي يتسم نتاجها بالاقيلة الخصبة. والعقول النيرة والابحاث الناضجة... بل انها فتحت ذراعيها لجميع الكتاب و الشعراء من مختلف الطبقات اللذين يبعدون عن الثقافة الضحلة الى الدراسات الجادة العميقة التي تمتاز بالأسلوب المتفتح والسياق الواضح والمعنى الفحل.فلا تقفل الباب دونهم. بل انها تاخذ بضبعهم وتشجعهم. فتفسح امامهم مجال الدراسة النافعة والبحث البحت. حتى اصبحت من اجود المجلات التي تصدر اليوم في العالم الاسلامي.
    كما استطاع القراء في كل مكان. ان يلحظوا مدى الجهد الموصول الذي بذل لجعل هذه المجاة. التي بقيت على المستوى المعهود الذي يتسم باصالة الفقه وعمق النظر. وغزارة الفائدة. ملتقى اقطاب الفقه و الادب و التاريخ و الاجتماع الذين يتنامى عددهم للاسهام في حقولها. مستشعرين الشجاعة في مواطن الحق وحين الباس لتصحيح الزائف وتقويم المعوج.
وانبثقت هذه المجلة الى الوجود منذ ربع قرن وهي تحمل ((دعوة الحق)) وأسست على الهدى من اول يوم. وظلت أوسع دائرة للتثقيف و التوجيه تنير الذهان و تهذب الافكار وتحمل سريرة طيبة صافية. وقصارى جهدها ان تعمل على نشر آداب الاسلام و اظهار حقائقه. نقية من كل لبس. والضحة من كل غموض. تقذف (( بالحق)) على الباطل فيدمغه. فاذا هوزاهق.كما كان رائدها الكشف عما الحق بالدين من بدع ومحدثات مقررة حقائقه على وجهها الصحيح. داعية الى الفلاح بالتي هي ارفق و ادعى الى الرضى و القبول.
      وقد حرصت  مجلة (دعوة الحق)على تمتين الصلات الروحية و الفكرية بين اعضائها في المغرب و المشرق.واستقطبت حولها صفوة مختارة من الباحثين و مجموعة من رجال الفكر و الادب الذين اذكوا روح البحث و الدرس في هذه البلاد. و كشفوا للعقل آفاق المعرفة. ونهجوا للنفس طرائق الكمال محاولين انتشال هذا الوطن الغالي من ضروب التفسخ والانحلال. عاملين على حركة البعث و النشور. فاجتثوا شجرة هذه الادواء او كادوا ارسلوها ((كلمة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء )) كانت غذاء القلب و طمانينة الروح ومبعث حرارة الدفء.
في القلوب.فتدفعها الى الامام.وتملاها بالأمل والرجاء..مما شيد لهذه المجلة صرح مجدها خلال الخمس و العشرين سنة الماضية والتي تعتبر تاريخ نهضة وتراث فكر إنساني خلاق.
     ولقد اهتمت المجلة بما يحيط بهذا العنصر من مشكلات عقلية و معضلات ذوقية فحللتها تحليلا علميا على ضوء التفكير القوي القويم. و التعبير الدقيق المهذب اللذين يتمشيان وروح الاسلام ومقتضيات التطور حتى لا يبقى الفكر الاسلامي في عزلة عن أية مشاركة في تيار الحياة العالمية. لان أحوال العالم كما اراد الله تعالى في تجدد مستمر. وحاجات الناس في توسع مطرد.وعقولهم في نمو متكامل . فشرائعهم لا تقف بهم عند وضع واحد وإلا كانت الحياة جامدة هامدة. ولأمر ما يبعث الله تعالى على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها.
     وعملت كذلك على مقاومة البدع و الأوهام. وما لفق ضد الاسلام من ترهلات وأباطيل. وأنكر من بديهيات وحقائق. وكشف الغطاء عن السرائر.ممن بدت البغضاء من أفواههم. وما تخفى صدورهم اكبر.فيذهب الباطل زاهقا. وتبقى كمة الحق هي العليا.
     ولا تقتصر((دعوة الحق)) على ان تكون مرآة صافية لوجه المغرب بل عمدت لان تكون من أفضل الوسائل للتعريف بثرات المغرب في الأندلس.ذلك التراث الذي لم ينل من اهتمام الناقدين و الكتاب العرب الا الحظ المحدود.هذا مضافا الى انها جاءت ترجمانا صادقا للاتجاهات الأدبية في افريقيا العربية برمتها!
     لقد حققت للعالم العربي في مغربه ما يصبواليه من نزعات دينية وأدبية و علمية وفكرية. فجاءت مصداقا لروح المناضلة الطويلة من اجل الفكرة العربية وما يتصل بها من المواريث والامجاد.
     فللمجلة دعوة في الدين تنشرها باقلام من يحفظون اصوله و يحررون قواعده وفصوله. من المجددين الذين قال الرسول عليه السلام في حقهم، يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين و تأويل الجاهلين.فيعرضونه على الخاصة و العامة خاليا من الأوهام و الاباطيل، و التجديل و الاضاليل. عرضا سليما يبينون فيه اخلاقه و يجلون به احكامه العادلة و آفاقه.بطريقة تستلفت الانظار. وتستهوي الابرار والأحرار بما فيه من قيم روحية و مبادئ سامية.تبعث الهمم وتحفظ الذمم.وتتكون منها خير الروابط الاجتماعية بين الأفراد و الامم. وغرض المجلة من نشر هذه الدعوة...دعوة الحق...هو حفظ المجتمع المسلم من تيار هذه الموجة الكاسحة من الإباحية و الانحلال. حتى يعم الاعتراف من جديد بفضل تشريع هذا الدين وأخلاقه وآدابه على المجتمع.
   ولهذه المجلة أيضا رسالة في عالم الثقافة تريد أداءها فتكون صفحاتها معرضا تتجلى فيه بحوث علمية وتاريخية واجتماعية من مختلف العلوم والفنون القديمة و الحديثة ترفع المستوى الفكري وتفتح الوفاق العلمية و الأدبية امام روادها. وتربط ماضينا المجيد بمستقبلنا السعيد. وتظهر مالنا من تراث فكري ورصيد روحي. ومساهمة جلي في مضمار الحضارة الانسانية بمعناها الأوسع. كما تبين ما لنا من استعداد وإمكانيات لمسايرة التطورات العلمية و الأدبية في العصر الحديث.
    وتعمل هذه المجلة برغبة صادقة على إحياء اللغة العربية لغة الدين و الوطن و التي تنتظم بلاد العروبة جمعاء. وتحتطن جميع التراث الاسلامي في مختلف الأنحاء.فتعمل دعوة الحق على الدعوة الى تعميم تلك اللغة في كل المدارس و المعاهد. والمصالح العمة و الدواليب الحكومية والشعبية. حتى تعود الى ما كانت عليه في سالف عهدها...لغة الدين والعلم و الفلسفة والحضارة... فدأبت على نشر أدبها الرفيع. وقصصها البديع. الذي يحتفظ بالطابع الأخلاقي الجميل. وتكون مغازيه ومراميه ذات قصد نبيل .دون أدب المجون السخيف ولهو الحديث وتهييج الغرائز واستهواء النفوس المريضة .الذي هو من اكبر العوامل في هذا الانحلال و الا لحاد...فالمجلة تعتبر الادب خادما للمثل العليا. لا معلولا هادما للمجتمع.
       وهكذا ساهم كثير من العلماء و المفكرين من اصحاب الاقلام العالية. وفي ضمنهم صاحب هذا المقال. في تجلية هذه الاغراض السامية.بكل عناية واهتمام .فسدت هذه المجلة فراغا كبيرا في مجتمعنا. وذكر بعض كتاب الشرق انها وجه عرب في المغرب في المشرق. اذ بواسطتها بمثيلاتها يرى اخواننا العرب بعض مزايا المغرب فهي ترجمانه الصادق.
       لقد كانت ((دعوة الحق)) وما تزال وستظل بحول الله صلة وصل بين المغرب وغيره من الأقطار العربية و الاسلامية حيث تتمتع بسمعة طيبة واقبال عظيم...وهذه السمعة تعتبر تشريفا للمغرب وإعلاء لشانه...وان جلالة الملك الحسن الثاني يحرص على ان تظل هذه المجلة قوية العماد ثابتة الاركان تعطي بواسطة الدراسات القيمة التي تنشرها صورة صحيحة عن تعاليم الاسلام.وذلك في اسلوب علمي منظم يقدم للقراء اصدق صورة عن آراء الاسلام في كثير من المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .فهو حفظه الله حريص كذلك على تثبيت دعائم الدين. ونشر الثقافة العربية على نطاق أوسع. وتشجيع الحركة الفكرية الرامية الى خلق مثقف واع معتز بقوميته ومحافظ على شخصيته العربية المسلمة المغربية.
      وحينما تستعرض مجلتنا هذه مع قرائها اعمال الخمس و العشرين سنة التي انصرمت فإنها ستخرج بنتيجة سارة.ذلك انها استطاعت مواصلة هذه الرسالة وإدخال تحسينات إضافية سواء من ناحية المادة او من ناحية الإنتاج...وان الملمين بشؤون الثقافة و الصحافة و الطباعة ليعلمون حق العلم ما يتطلبه إخراج مجلة مثل((دعوة الحق)) من جهد ووقت ومال-غير ان الرسالة التي تضطلع بها...وهي رسالة سامية...تجعل كل صعب يهون.مستعينة على تذليل العقبات التي تعترضها بعطف صاحب الجلالة الملك المعظم وبمؤازرة رجال الفكر الباحثين في المغرب والمشرق الذين سادت فيما بينهم وبين إدارة المجلة روح التعاون الصادق.وتستعين كذلك على أداء هذه الرسالة برسائل التشجيع و الثناء التي ترد عليها من داخل المغرب ومن خارجه...كما انها تحرص على تسجيل الحوادث المهمة التي تقع في المغرب لتحتفظ بها كوثائق لها صلة بإحداث المغرب من تاريخه المعاصر...
       وهي بذلك تمثل صورة حية وعملا ايجابيا بناء في عهد الاستقلال. ذلك انها اصبحت تمثل اداة قوية لتعزيز شان اللغة العربية وتركيز سلطته. ونشر آدابها...وتلك رسالة لا يستهان بها في هذا العهد الذي يتطلع فيه المغرب الى سيادة لغته باعتبارها من المقومات الأساسية وجزء لا يتجزآ من السيادة السياسية.
      فوزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية التي تبنت مشروع مجلة ((دعوة الحق)) في وسطنا الاسلامي وأنفقت عليه بسخاء انما تنجز تعليمات وأوامر صاحب الجلالة الحسن الثاني الذي لا يريد غير الاصلاح الكامل لأحوال رعيته الدينية و الاجتماعية والذي اقام الدليل على عنايته وحبه ووفائه لهذا الشعب...وان وزارة الأوقاف يحق لها ان تشعر بالغبطة في نجاح مشروعها، الذي انما هو تدعيم لقيم الأمة الروحية التي تحرص هذه الوزارة على إسنادها وتقويتها في الأمة لان ذلك من اجل المقاصد في أعمالها المختلفة الميادين ...وهي تعلم حق العلم انه لا يمكن لآي امة ان تسعد في الحياة ماديا ومعنويا الا اذا عاش العلم في كنفها وأنزلته منها منزلة الروح من الجسد ،وهذا هو الصراط المستقيم الذي خطه لها الاسلام. صراط العمل المثمر النافع الذي يكفل حياة العزة و الكرامة تحت راية العلم والأخلاق.
      لقد مرت خمسة وعشرون عاما على صدور اول عدد من مجلة ((دعوة الحق)) وهي سنوات حافلة بالعطاء الثري زاخرة بالانتاج القيم .مليئة بالغذاء الصالح حيث واكبت الحركة الفكرية و العلمية منذ بداية الاستقلال. واستقطبت الصفوة المختارة التي تعد من الطراز الاول في ساحات الفكر و المعرفة و الدراسات الناضجة والتي تزخر بالعقول النيرة و الخلية الخصبة و النفوس الخيرة و العقيدة السليمة.والدين المتين..فباتت اعدادها كاملة مصنفة سجلا حافلا لتاريخ نهضة وتراث جيل...كما ان هذه المجلة الرفيعة كانت اداة تنفيس يعبر عما يختلج او يعتلج في ضمير الجماعة المفكرة العالمة التي يضمها هذا الوطن الحبيب الذي يزخر بطاقات فكرية نابضة في شتى المجالات. كما انها ايضا فتحت صدرها للشعوب المجاورة و البعيدة المغلوبة والتي كانت تعاني من ويلات الاستعمار في عز نهاره ونكبت به بلادها فوجدوا فيها متنفسا ومقيلا.ومفيضا لمطالبهم المشروعة، وعواطفهم الجائشة. وقد ندد كتابها .الى جانب ابحاثهم الاسلامية و الفكرية، بالاعيب الاستعمار كيفما كان لونه وجنسه وشجبوا مخلفاته...وانه ليحق لـ((دعوة الحق)) ان يحدوها الامل القوي لتحقيق مكاسب كثيرة.ويحفزها باعث ملح لتظيف الى سجلها الحافل مآثر اثيرة لمستقبل الثقافة وقضايا الفكر بنفس القريحة الصادقة. و الارادة المصممة التي غمرت كتابها الاوفياء واسرة تحريرها الوفية.لمواصلة الخطى ومتابعة السير قدما في السبيل القويم الذي انتهجته للعمل على انتاج فكر مغربي اصيل.
  واستجابة للنهضة العامة التي عرفها المغرب.وتاثرا بالنشاط الشامل الذي أدركته البلاد، فقد أثارت مجلتنا الغراء بأبحاثها الناضجة ودراساتها الاسلامية الملتزمةاذهان العامة. وهذبت افكار الخاصة.وسجلت احداث الزمن وجمعت مادة التاريخ. وحركت في الملكات الموهوبة ساكن الشوق الى الانتاج. واهابت بالقوى المجتمعة لتجميع شمل القوى المتفرقة حتى خرجت على يدها طبقة متنورة من الادباء وافواج من المفكرين الاعلام الذين ازدانت بهم الأبهاء العلمية و الأدبية في هذه الربوع. وهي الى ذلك تحاول دائما ان تعالج المشاكل التي يحياها الناس اليوم بالواقع الملموس بدلا من التحليق في أجواء النظريات المثالية او اجترار الحلول التي وضعها الأولون من العلماء الإجلاء على ضوء أزمنتهم وبياتهم الماضية ومستلزمات الحياة التي عاشوها.
       هذا ولقد أسهمت هذه المجلة منذ تأسيسها في تسديد وتطوير التحرك الاسلامي على مختلف المستويات الفردية و الجماعية. استجابة للفكرة التي نادى بها مؤسس بطل الاستقلال و النضال المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه الذي دعا لهذا الدين وعمل له. وجاهد دونه وكافح في سبيله كما جاء في الكلمة الافتتاحية التي توج بها رضي الله عنه اول عدد من اعدادها.
     ان حرصنا على الاعتصام بحبل الدين و التشبث بمبادئه و السير على سنته ليعد احد العوامل الأساسية في خروجنا من معركة الحرية ظافرين منتصرين بالرغم عما اعترض سبيلنا من عراقيل وما منينا به من أهوال وخطوب. وسيظل عاملا أساسيا في تحقيق أهدافنا المنشودة كاملة تواقة الى حياة راقية كريمة.
     ((ولذلك سرنا ان تتولى وزارة الأوقاف إصدار مجلة جامعة تعني بصفة خاصة بناحية الاصلاح الديني كما تعالج مختلف الشؤون الاجتماعية و الثقافية ولنا وطيد الامل في ان يلتف حولها دعاة الفكر و الثقافة والإصلاح في هذه البلاد وغيرها لتؤدي مهمتها احسم أداء...)) 
     وبمناسبة الذكرى الفضية لإنشائها.وقد أسست على التقوى و الخير المحض من اول يوم نبارك خطواتها العملاقة في دنيا الاسلام و البحث و الدرس و نزف تهانينا الى الكتاب وهيئة التحرير ورئيس التحرير الذي ينسق ذلك كله في باقة رائعة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here