islamaumaroc

مع اللغة.-2-

  دعوة الحق

223 العدد

أشرفنا فيما تقدم إلى كون بعض المفعولات وحالات أخرى نحوية تولدت عن حذف الجار، ومثلنا – ضمن ما مثلنا – بنحو قول الشاعر:
ولقد جنبتك أكمؤا وعساقلا
وبقوله تعالى: واختار موسى قومه سبعين رجلا
ونزيد على هذا قوله تعالى: وإذا كالوهم أو وزنونهم يخسرون" إذ التقدير "وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم"
وفي التعويض لمختلف المفعولات، فاتنا أن نذكر منها حالة من المفعول المطلق، وهو ذو التشبيه بعد جملة والذي قال فيه ابن مالك:
كذلك ذو التشبيه بعد حمله
كلى بكا بكاء ذات عضله
إذ التقدير في هذا "لي بكاء كبكاء ذات عضله" فحين سقطت كاف التشبيه أصبح دخولها يعرب مفعولا مطلقا وإلى جانب هذا هناك مفعول آخر، لا بد من أن تتقدمه "و" وهو المفعول معه، فهذا يصور لنا مرحلة متوسطة لهذه المفعولات، فقد استغني فيه عن "مع" التي كان مدخولها هذا مجرورا بالإضافة، كما قالوا – وإن كنت لا أرى هناك ظرفية استوجبها "مع" المضافة – وقامت مقامها الواو، فحولت المجرى والوضع، وصار مدخول "مع" منصوبا، حينما حلت محلها هذه الواو.
وأقول: "لا أرى هناك ظرفية في "مع" لأني لا أرى في "مع" هذه إلا ما أراه في حروف المعاني، وأن هذه الواو التي نابت عنها، كانت بادئ ذي بدء محافظة على الجر الذي كان بها، كما هي وقد أصبحت تشارك باء القسم وتاءه، واني لأشعر بهذه المعية التي هي في "مع" كائنة مع واو القسم، ومع بائه وتائه، فحينما يقسم الإنسان بالله مثلا، فهو يشرك المقسم به معه ويشهده على ما أقسم عليه، إذن فواو القسم هي أخت لواو المعية، فكلا الحرفين حصل به ارتباط واشتراك.
ننظر لهذا بما في الفارسية مثلا، فإنها تجعل علامة المفعولية واحدة ولا تفرق بين المفعول به وغيره، فعلامة المفعولية "را" آخرا تكون للمفعول به، كما في "عشق أزيدره عصمت بيرون آرد زليخارا" العشق أخرج زليخا من ستار العصمة" وتكون للمفعول له، كما في: "بوصل خود دوائي كن دل ديوانه مار" اجعل دواء بوصلك لقبنا الموله.
نعود إلى حروف الجر في العربية، فإنها تحمل معاني كثيرة مختلفة ومتعددة، ومرادفها في اللغات الأوربية، لا يتحد مدخوله في الوضع النحوي، فمنه ما يدخل على المضاف إليه، ومنه ما يدخل على المفعول من أجله، ومنه ما يدخل على الظرف كما نجد ذلك في الألمانية وباقي اللغات المعربة، وحتى الإنجليزية التي لا تعرب، نجدها كذلك تنص على مدخول هذه الحروف المختلفة إذا ما كان ذلك المدخول ضميرا، حيث إن الإنجليزية في الضمائر تنسى موقع الإعراب لها.
وقد قال بعض الباحثين في فقه اللغة العربية أن أصل الأفعال ثنائي، وإنما صار ثلاثيا فيما بعد، حين حصل الاختزال فيما تعلق به ونظروا لذلك بفعل "جاب" بمعنى أحضر، فإن الأصل فيه جاء بكذا، ثم سقط مدخول الباء، فاتصل بالفعل، وادعوا هذا في نحو "كتب" فإن أصل الفعل كان "كت" وما اتصلت به الباء إلا وقد اختزلت من الآية التي كتب بها.
فالكت معناه الحضر، وهو الذي حافظت عليه الكلمة وقد شددت تاؤها، فأصبحت ثلاثية بذلك على قاعدة كل مشدد أصله حرفان ونحن ننظر لهذا، بنحو "بت" وبتر وبتل وبتك وبتع، فهذه كلها فيها معنى القطع، وإن كان البتع أصبح في التوكيد دالا على الجمع، وهذا لا ينقص القضية، كما نرى فيما يلي:
نقول "تبت يداه" أي انقطعت، ونقول منه "استتب الأمر" أي تم
فكيف حصل هذا التناقض؟
حصل أنهم أجروا المعنى الأول وهو الانقطاع في نحو "استب السبيل" أي تم قطعه وانتهى انقطاعه، ففهم منه الاستقامة فيه، فهو "الصراط المستقيم" المعبد الذي يجتاز بسهولة، فاختفى بذلك القطع والانقطاع وتشبث بنتيجة وهي التمكن منه، لاستقامته فقيل مثلا "استب الأمن والنظام والأمر" بمعنى أنه تم وتحقق واستقام، فتحول الانقطاع إلى ضده، كما تحول البتع إلى ضده وهو الجمع، فقلنا قام القوم أجمعون أكتعون أبتعون، يعني انضم بعضهم على بعض وانقطع عما كان عليه، ويسمى الجمع من المواشي "قطيع"، وتستعمل العامية انكطع فعلا للشرود ومهما يكن فإننا بهذا نضيف "كتع" إلى "كتب" فيكون أصل كليهما "كت" وتكون العين فيها هي التي في "عن" مثلا أو "على" كذلك، اختزلت والتصقت بها، وهي للتعدية والتجاوز في "عن" والاستعلاء في "على" ففيها تتجاوز كذلك، كما أنها تحل محل "عن" أيضا ولهذا صارت تنازعها في "رضي" و"سخط" مثلا.
ويلحق بفعل "بت" فعل "بث" كما يلحق به "مت" الذي أصبح يناقضه ويضاده، فالبتات عكس المتات، وإن كان الأصل واحدا فالميم تحل محل الباء، والعكس صحيح، كما في مكة وبكة، ولأجل هذا الاتصال، صرنا نقلب النون مبهما إزاء الباء، كما في الألفية:
وقبل باء اقلب ميما النون إذا
كان مسكنا كمن بت انبذا
ويلاحظ أن التباب، صار يدل على الهلاك والضياع،  وكلاهما فيه انقطاع.
وكأني بمخلد إلى أرض الراحة متقمم من ذلك الساحة، يقول كيف يتصور حفر بالقلم؟
فنقول له إن الكتابة كانت بالحفر، وما زالت الآثار تطالعنا بذلك، قائما منها ومنقولا، في كل أرض وفي كل أمة.
أما القلم نفسه فإن العربية لم تعرف الكتابة إلا به بعد ما انتقلت الكلمة إليها من اليونانية التي تسمى القصبة عامة باسم "كلاموس" فكانت تكتب به، كما جاءت بعدها شعوب اللاتين فكتبت بريش طاووس مثلا، فسمت القلم باسمها "بلوما" أي ريشة وقد سمعت شيخنا سيدي الحسن الزرهوني رحمه الله – ينشد بيتين أو ثلاثة في كاتب الوثيقة، علق بخاطري منهما أو منها قوله:
ويل له ما أتبعه
تبا لرزق خارج
من شق تلك القصبه
فالقصبة أو اليراعة كانت تتخذ منها الأقلام، وفي القرآن "الذي عم بالقلم" وإن كان المكتوب لذلك العهد غالبا ما كان اللخاف لقد زاحمت "القلم" عندنا "البلوما" ومن العجيب أننا نسمي أسلتها "ريشة" البلوما، مع أن البلوما نفسها معناها الريشة واليوم زاحمت هذه أو زاحمها "استيلو" وصارت كلمة القلم مجهولة أو كادت تكون كلك عند الجمهور، ولا يمضي ربع قرن حتى تجهل تماما وسيتلوها كلمة "بلوما" فلا يحتفظ بها وبتلك إلا في معاجم اللغة، وقد سمعت وأنا تلميذ بالثانوي، طالبا بدويا سماها "يلم" ببوزن "قلم" يكاد أن يختفي في نطق الثاء في جل الناطقين بالعربية، فمنهم من ينقطها سينا، تقليدا للفرس والأتراك، ومنهم من ينطقها تاء مثناة وهذا في الواقع كان موجودا في لغة خيبر، التي قالها قائلها:
ينفع الطيب القليل من الرو
ولا ينفع الكثير الخبيث
القديد:
استمعت في مناسبة المولد النبوي الشريف إلى أحد الذين تكلموا بالإذاعة عن النبي عليه السلام، وأعجبني كلامه، لولا ما ورد فيه من ذكر "القديد" مشدد الدال، إذا عانا لما هو معروف عندنا، مع أنه مخفف الدال، لأنه فعيل بمعنى مفعول، مثل خليع، بمعنى مخلوع، وقد ورد ذكر هذا في جغرافي المقدسي، باسم مخلع، اسم مفعول من الرباعي، حيث قال عن بعض البلاد "اللحم المخلع أربعة أمناء بدرهم "فهذا اللحم قد خلع منه العظم، فسمي بذلك مخلعا، وعرف عندنا بالخليع، مخفف اللام، وكذلك يقال في القديد مخفف الدال.
اللسن واللسان:
قرأ أبو السملال "وما أرسلنا من رسول إلا بلسن قومه"
قال ابن جني كتابه المحتسب: فاللسن واللسان، كالريش والرياش، فعل وفعال، بمعنى واحد، هذا إذا أردت باللسان اللغة والكلام، فإن أردت به العضو، فلا يقال فيه "لسن" إنما ذلك في القول لا العضو، وكان الأصل فيه العضو، ثم سموا القول لسانا، لأنه باللسان كما يسمى الشيء لملابسته إياه، كالرواية والظغينة ونحوها.
وبهذا التخصيص كان محمودا منا أن نقول "اللسنيات" ولكننا قلدنا الجاهلين، بهذه التفرقة التي تجب في الاصطلاحات العلمية لأنها كالتعاريف، يجب أن تتنكغ فيها الاشتراكات والمجازات والمترادفات وصرنا نقول "اللسانيات" وركبنا في هذا رؤوسنا الخاوية على عروشها، والمليئة بعنادها وشرسها.
ومما يجب ذكره هنا أن اسم الكتاب "المحتسب" بفتح الين، لأن صاحبه احتسبه لله، كما بالمقدمة، وليس بكسر السين لما قال شوقي:
ودخلت في ليلين فرعك الدجى
ولثمت كالصبح المنور فاك
كان متأثرا في المصراع الثاني، بصنيع الأتراك، حيث يقدمون المشبه به وأداته على المسبه، وأداة التشبيه عندهم لاحقة لا سابقة أما في قوله:
ولا ينيبك عن خالق الليالي
كمن فقد الأحبة والصحابا
فإنها أي الكاف حلت محل "مثل" الواردة في قوله تعالى، "وإليها نظر ولا شك، ولا ينيبك مثل خبير" الفعل الماضي كالفعل المضارع، يأتي في الشروط ولا يراعى زمنه، كما هو ذلك في اللغات الأوربية، قال تعالى "وإن عدتم عدنا" وقال كذلك "وإن تعودوا نعد".
النظر إلى المعنى يحول مجرى القواعد العامة، في النحو، فقد سمع دخول نون التوكيد على الماضي، لأنه استعمل لزمن غير ماض، كقول الشاعر:
ذا من سعدك إن رحمت متيما
لولاك لم يك للصبابة جانحا
لأن الفعل لما خرج عن الماضي، باستعماله في الدعاء، شفع له أن تتصل به نون التوكيد، كما يصح قياسا أن تدخل عليه "لا" كقوله:
ألا يا سلمى يدارمي على البلى
ولا زال منهلا بجرعات القطر
أما أن تدخل "لا" على الفعل بدون شروطه التي ذكرناها عدة مرات وذكرها السابقون، فإنه لحن لا يرتكبه إلا الجاهلون أو المعاندون الذين "ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون".
الهاء المجردة للإشارة:
نجد هذا لا يزال مستعملا في الشام، وهو استعمال عربي قديم نجده مثلا عند الشنفري، حين يقول:
إن يك من جن لأبرج طارقا
وإن يك أنساماكها الأنس يفعل
المداهنة من الكلمات التي ما أدركت غور معناها إلا في هذه الأيام الأخيرة، ومنذ شهر تقريبا وتذكرت قوله تعالى "ودوا لو تدهن فيدهنون"
ذلك أن صديقا حمل على عاتقه راية التأزير لآخر، فحملت ذلك لأول وهلة محملا خفيفا، قلت لأنه يشاركه في لقب من الألقاب التي حملت بها بطون العصر، سفاحا أو مباحا، ولكني أدركت بعد ذلك جلية الأمر، فهذا يدافع عن ذاك، مقابل شيء قاله له أو فعله، وذاك يدافع عن آخر، لأنه قال كلمة في حقه وقد أقيمت له  ندوة في بيت دكتور وعقيلته الأستاذة، ختمها بقول أبي نواس:
ليس على الله بمستنكر
أن يجمع العالم فيواحد
وبهذه "الاستراتيجية" فهمت أن كلمة "مداهنة" ما هي إلا مفاعلة من الدهان، فكل يدهن لصاحبه خبزه بالزبدة مثلا أو بالشحم ونحوه، كما يقول المثل العامي "جكة بحكة" ولعنة الله على هذه وتلك، فلقد عمت بها البلوى في الغرب والشرق، كما قال لي أستاذ من مصر كبير
حفظ التوازن:
ذكر الثعالبي منه في فقه اللغة، تظنون بالله الظنونا" "أضلون السبيلا" والليل إذا يسر" يوم التنلد" "يوم التلاق" وهذا التوازن اعتبر في الأسجاع، كما اعتبر في القوافي، لأنها أختها، من حيث التطريب والتنغيم، بنهاية الفواصل، كما هو بنهاية الأبيات، التي هي وحدات مرصوصة، مستقلة بداخلها، متتابعة لخارجها، شأن الأبيات من الشعر والخيام.
أفعل وفعل (بالتضعيف)
تعرض النحاة والصرفيون، للصيغتين وسووا بينهما غالبا، ولكن ذلك من حيث العمل، كما في أنبأ ونبأ، وقالت الخلاصة في هذا:
وكأرى السابق نبأ اخبرا
حدث أنبأ كذاك خبرا
وشاهد هذا قوله تعالى "قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير"
في أن المستقرئ يجد في الغالب أن الأول يعمل في غيره، ضربة لازب، بدون تكرار، وأن الثاني، يعمل بمعاناة وتزجية، ومن شواهد النحو، قامت تنزي دلوها تنزيا كما تنزى شهلة صبيا فمن الأول أعلم، ومن الثاني علم فالإعلام يكون لأول مرة، والتعليم يكون بالتكرار والتدريج وقد يكون لأحدهما طريق دون طريق الآخر، مثل أقام، وقوم، فالأول أقام الشيء جعله يقوم ويقف منتصبا ومن الثاني، قوم العوج، أي جعله قويما، فاستقام، ومنه ما ورد في مناظرة كسرى للعرب، ومن تقويم الأود، وقول الصحابة لعمر، والله لو رأينا فيك اعوجاجا، لقومناك بسيوفنا، وبعبارة: إن الإقامة، امتدادها عمودي، كإقامة الصلاة، وإن التقويم امتداده أفقي، كتسوية الطريق جعله سويا، وتذليله جعله ذليلا، جمعه ذلل، كما في القرآن "فاسلكي سبيل ربك ذللا" لقاعدة وفعل لاسم رباعي بمد قد زيد قبل لام إعلالا فقد وقد يكون بهذا جمع ذلول ومن شواهد الخليل في العروض، وما ظهري لباغي الضيم بالظهر الذلول وقد وقع لابن الجد الأندلسي أن استعمل الإقامة في التقويم حيث كتب عن الملك المرابطي علي بن يوسف إلى ابن حمدين، كما في القلائد، يوصي بعياض، رحمهم الله فقال: "وقصد تلك الحصون ليقيم أود متونها فكان عليه أن يقول "ليقول أودمتونها".
هذا الفرق أساسي وهناك جهات يجتمعان فيها زيادة على ما سبق، كالإزالة، في بعض الأفعال، وعدم التعدية، في أفعال أخرى، مما يطول به البحث، ويمكن الاطلاع عليه وعلى غيره، فيما أتى به ابن قتيبة أواخر كتابه "أدب الكاتب" وكان له امتداده عند ابن القوطية، الذي خصص للأفعال، وهو من تلاميذ القالي، جهدا مشكورا، تجلى في كتابه "الأعال" فكان أول كتاب تعرفه العربية، كما في علمنا، يوضع خصيصا فيها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here