islamaumaroc

ربع قرن في عمل مثمر وجهاد مستمر

  دعوة الحق

223 العدد

مدخل
عندما دعتني وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى المساهمة في العدد الخاص بتخليد العيد الفضي لمجلة (دعوة الحق) حاولت استعراض شريط حياة المجلة منذ نشأتها لاستلهام موضوع لهذه المساهمة، ولا مناص من الاعتراف بأني لم أساير حياتها بانتظام، وإنما اطلعت على بعض أعدادها بالصدفة وعلى فترات، ولست أدري هل كان هذا الموقف "إهمالا" مني لمجلة تعنى بالفكر والدعوة إلى الله، أو "تقصيرا" منها في غزو المجتمع المغربي وإبلاغ صوتها إلى كل الأصقاع وجميع الطبقات.
والحقيقة أن مواكبتي لنشاطها ومساهمتي المتواضعة في حقلها لم تتعد عشر سنوات خلت، حيث شعرت بأنها تحررت من كابوس الاحتكار الذي كانت ترزح تحت أثقاله، وفسحت المجال للمثقفين المغاربة على مختلف مستوياتهم، وفتحت الباب على مصراعيه لأقلام المتعددة الاتجاهات والتي لا تقبل المساهمة بإنتاجها إلا في جو الحرية الفكرية التي أتاحها للمجلة سماحة الشيخ محمد المكي الناصري عندما تولى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافية.
هذه المقدمة كان لا مناص منها كشفيع إذا ما قصرت في إنزال هذه المجلة المنزلة التي تستحقها والمكانة المرموقة التي هي جديرة بها وقد قطعت ربع قرن من حياتها، وإني لأرجو أن يكون عمرها طويلا وطافحا بتعميق الفكر الإسلامي في الوسط المغربي المتطلع دائما والتواق باستمرار إلى المزيد من التحليق في الأجواء الإسلامية التي كانت وستظل القوة الدافعة لرفع مستوى الإنسان والأخذ بيده إلى الهدى والرشاد، باعتبار أن الإسلام هو طوق النجاة لهذه الإنسانية الحائرة والمتخبطة في مشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية وعقائدية خطيرة، والسائر في متاهات حضارة صماء لا تقيم وزنا لخلق رفيع، ولم تستطع أن تقدم الاطمئنان النفسي حتى لأصحابها والمفتونين بسرابها رغم ما صلوا إليه من تفوق في مجالات كثيرة وإنجازات متنوعة، فهم في تعب ونصب، وحيرة وارتباك، وربية وفزع، وخوف وهلع، مما أعدته حضارتهم من وسائل التخريب والتدمير.

رسالة
وإني على يقين من أن ربع قرن ليس بالشيء الكثير في حياة "الأمة" ولكنه بالنسبة "لمجلة" لا يستهان به وله وزنه الثقيل إذا ما قسناه برسالة سامية تتصل بالعقيدة والأصالة كمجلتنا التي نحتفل معها بهذه الذكرى الفضية التي تدل على صحة اتجاه الفكر المغربي في مساره الثقافي والفكري والإسلامي.
فدعوة الحق في نظري "رسالة" والقيام بأعباء الرسالة يتطلب نفسا طويلا وعميقا ليقتحم كل ميدان، ويغزو كل مجتمع، وينفذ لكل قلب، ويدق بلين كل باب يحجب
الحقيقة ويخفي القلوب المظلمة والعقول المهزوزة والمجتمعات الضالة، لينتشلها كلها من ظلمات الحيرة والارتباك إلى نور اليقين والهدى.

التزام
وإذا كانت مجلتنا تضطلع بأعباء هذه الرسالة السامية، فهي "ملتزمة" من تلقاء نفسها وبحكم انتمائه إلى وزارة لها ارتباط وثيق بالإسلام كعقيدة وبتوجهاته كسلوك وقانون.
وهذا الالتزام وتلك الرسالة من ميزات شعبنا، فتطوعه لأداء رسالة الإسلام والتزامه بالدفاع عن العقيدة المحمدية عرضته لكثير من المضايقات وعديد من الأزمات، وخلقت له شرذمة من الحاسدين والمعاندين الذين جردهم التنطع من كل خلق شريف فعجزوا في مسيرتهم عن أي إبداع، ولم يتقنوا إلا المكر والخداع، ورحم الله فاروق الإسلام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال: "يا حق ! ما تركت لي من صديق".

الحقل المثمر
والواقع أن الفكر الإسلامي وجد في المغرب الميدان الواسع للإنتشار، وفي قلوب المغاربة وعقولهم ووجدانهم الحقول الخصبة والصالحة للبذر والنمو والازدهار، وكأن شعبنا كان على موعد مع الإشعاع الإسلامي والامتداد الروحي لبلورة طاقاته الفكرية وإبراز إيمانه الصادق والعميق برسالة السماء، ففي ربوعنا أينعت شجرة الفكر الديني الخلاق، حيث تعمقت جذورها، وتطاولت فروعها، وامتدت أغصانها ليستظل بها من هم وراء صحرائنا.

المواطن العادي
وجدير بالملاحظة أن الإشعاع المغربي الذي امتد خارج حدودنا الجغرافية لم يساهم فيه العلماء والمثقفون والمرشدون وحدهم، وإنما شاركهم في أداء هذا الواجب الديني والقومي المواطن العادي بسلوكه المتزن، ومعاشرته الممتازة، وهيامه بالفضيلة، وتدينه الصادق، فكان داعيا إلى الله بفطرته، وقدرة لمن عايشه وتعامل معه في تجارته عبر أقطار نائية، مما يؤكد أن المغاربة أخذوا العهد على أنفسهم بأن يكونوا دعاة للإسلام ومبشرين بعقائده لهداية الضالين إلى الصراط المستقيم.

تعبير صادق
وإذا كانت "دعوة الحق" قد التزمت طيلة ربع قرن بأداء هذه الرسالة الرفيعة وتطوعت لحمل أعباء الدعوة إلى الله فهي تعبر أصدق تعبير عما يختلج في صدر كل مسلم في هذا البلد الأمين على العقيدة الإسلامية، وتترجم بالمقالة والقصيدة والدراسة عن إحساسات المواطنين والمواطنات في هذه القلعة الصامدة في وجه التيارات الملحدة والدعوات الهدامة التي تعمل جاهدة على تخريب العقول وإفراغ القلوب ليسهل بعد ذلك اقتناصها بسهولة لفائدة الإلحاد والزندقة والانحراف بأشكاله الواضحة والخفية.

جسامة المسؤولية
من هنا ندرك جسامة المسؤولية الأدبية التي تضطلع بها مجلة إسلامية ملتزمة كدعوة الحق، وهي رسالة ثقيلة وضخمة جدا، ولكنها سامية ونبيلة ورفيعة، ولو لم تكن مجلتنا صادقة في التزامها لما استطاعت مواكبة الزمن طيلة خمسة وعشرين سنة دون تعثر في السير ومن غير التواء في الأسلوب.
وكفاها فخرا أنها حافظت على العهد، وواكبت المغرب الظافرة، وساهمت بجدية وفعالية في إثراء الفكر الإسلامي والثقافة العربية داخل المغرب وخارجه.

تقدير وتطلع
وإني وإن كنت لا أقنع في هذه المجالات كلها بما بذلته المجلة من جهد، وما قدمته من عطاء، ولا أشبع في ميدان الدعوة إلى الله بما هو أكبر وأعظم مما بذلته من خدمات، فإني أقد مواقفها المشرقة كل التقدير، ولكنها في نظري مدعوة إلى مضاعفة الجهد ومزيد من العطاء في حقل الإشعاع الحضاري والفكري والديني حتى نراها في مستقبل قريب بحول الله وقد تضاعف حجمها، وتكاثرت أقلامها، وتعددت أبوابها، وتنوعت موضوعاتها، طبقا لسنة التطور وتطلعا منا إلى أن تظل رائدة على الدوام والاستمرار.
وبعد
وبعد، ففي تصوري أن "دعوة الحق" لها وزنها الثقيل ولها طابعها الخاص وذوقها الحلو، فقد ساهمت بجهد كبير وتضحية عالية لإبراز معالم الحضارة الإسلامية، وواكبت الأحداث الداخلية والخارجية التي لها ارتباط بالإسلام والمسلمين بموضوعية واتزان، ودافعت بشجاعة عن عقيدتنا ومكتسباتنا وحقوقنا، وهي مواقف تستحق عليها كل تبخيل وإكبار وتنويه واعتبار.
فتيحة من الأعماق لدعوة الحق وهي تستقبل عاما جديدا ومشرقا من حياتها، ومرحى لأمتنا بمجلة ترفع رأسنا عاليا بين الأشقاء في دنيا العروبة والإسلام، وهنيئا لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتبنيها لمجلة تدعو إلى الله في ظل أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني الحارس الأمين والمدافع الشجاع عن الإسلام والمسلمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here