islamaumaroc

فعالية التراث الشعبي في العلاقة بين التنمية والثقافة.

  دعوة الحق

223 العدد

ترتبط بمجلة (دعوة الحق) ثلاث خصائص او حقائق لا مجال لاحد ان ينكرها او يتجاهلها مهما كان موقفه، وهي:
اولا : انها اولى المجلات المغربية من حيث الصدور المنتظم و المستمر.
ثانيا : انها استقطبت – ولفترة غير قصيرة وخاصة في النصف الاول من عمرها- كتاب المغرب وشعراءه  من مختلف الاجيال و الانتماءات السياسية و الاتجاهات الفكرية.
ثالثا: انها- الى جانب عنايتها الاساسية  بالدراسات الاسلامية- سبقت الى فتح صفحاتها للبحث في قضايا الفكر المغربي وتناول موضوعات كانت تعتبر يومئذ جديدة. ولعل بعضها لا يزال كالثورة الثقافية و الموقف من التراث و الشعبي منه خاصة.
وكنت لاول عهدي للكتابة فيها. بدءا من سنة احدى وستين. وعلى امتداد فترة طويلة. اوافيها من  باريز و القاهرة بمقالات وابحاث طرحت فيها غير قليل من هذه الاشكاليات. وكانت عندي اصلا لبعض ما نشرت فيما بعد مؤلفات.
لذا ، وتاكيدا لهذه الحقيقة التي اود تسجيلها بفخر و اعتزاز لمجلتنا الموقرة. يسعدني ان اهديها هذا العرض الذي شاركت به في الندوة التي نظمها من فاتح الى رابع فبراير سنة احدى و ثمانين. معهد الدراسات الافريقية و الاسيوية التابع لجامعة الخرطوم بالسودان ، في موضوع ((الفلكلور و التنمية)) فلعلي بذلك ان اعرب عند بعض ما اكنه للمجلة و القائمين عليها من عميق الوفاء و عظيم التقدير، مع صادق املي ان يمتد بها العمر و تستمر في اداء الرسالة التي تتحملها في واجهات متعددة.
لا يخفى ان ظاهرة التنمية  برزت في اعقاب المشاكل التي نتجت عن اطراد تطور الدول في المعسكرين الراسمالي و الاشتراكي. واستمرار منافستهما لتحقيق رخائهما وبسط نفوذهما .مما كشف عن جزء من العلم يقف متخلفا عن مسايرة المعسكرين. وهو الذي تمثله البلدان التي كانت مستعمرة ثم لحرزت على كيان مستقل.
انطلاقا من هذا الواقع. طرح مفهوم للتخلف و معالجته. ارتبط بمدى حاجة تلك البلدان الى المساعدات المادية و الفنية التي تقدمها لها الدول التي كانت تستعمرها. وكان الخروج من التخلف ربط فقط بإدخال التقنية او التكنولوجيا.ونعتقد ان هذا المفهوم خاطئ لسببين:
اولهما: انه يفرض هيمنة الدول المتقدمة على الدول المتخلفة و يضمن هذه الهيمنة.
ثانيهما: انه لا يراعي التحليل العلمي الموضوعي، و المعطيات التاريخية و الذاتية و الخارجية للدول المتخلفة. ان المشكل في حقيقته ذو ابعاد تاريخية انسانية تتسم بالاتساع و الشمول وتستوعب قيم المجتمع و مقوماته. وما له من اسس وعلاقات. وما يعرفه واقعه من تحرك وتطور. لان التخلف ليس مجرد تاخر في الصناعة او في الانتاج المادي يؤدي الى قلة الربح والى ضعف الدخل الفردي و القومي و يضفي الى التبعية . ولكنه عام يمس جميع مناحي الحياة الفردية و الجماعية ومختلف الجوانب الحضارية و الثقافية. بالاضافة الى ان للتبعية جانبا فكريا كثيرا ما ينسى في هذا المضمار رغم ثقله وخطورته وعواقبه.
ومن ثم يتحتم وجود تناسق بين لونين من التطور: التطور التقني الآلي من جهة. والتطور الانساني في نظام المعطيات الثقافية من جهة ثانية.
  اننا حين نتحدث عن التقنية وعن الثورة التي حققها العالم المتقدم في هذا المجال. اقصد نحن الذين لا نساهم في هذه الثورة ونكتفي بالتفرج من بعد منتظرين ان تعرضه علينا بعض مظاهرها لنقتبس منها ونستهلكها ننسى دائما  ان نطرح  تساؤلا حول وجود الانسان ودوره في هذه الثورة ولو طرحناه لانتهينا الى ان الانسان هو المنتج الحقيقي او هو المسيطر على عملية الانتاج الصادر عند الالة التي لا يمكن ان تعمل بدون تدخله . وان انتاجيتها مرتبطة بتوجيهه وبما يصنع لها من برامج ومخططات و بالمردود الذي يجنيه منها. ولانتهينا كذلك الى ان الانسان بهذا الموقف هو المشرف في النهاية على عملية التطور التي لا تتم خارج ارادته و بطريقة قسرية او مفروضة او لصالح قوة مهيمنة او حتى بطريقة فوضوية ارتجالية. مما يجعله يحقق تقدمه في نطاق ممارسته لطاقاته الذاتية أي ممارسته لانسانيته.
 من هذه الحقيقة نستطيع ان نخلص الى ان التقدم اذا كان يقاس حقا بمستوى الانتاج . فانه قبل ذلك يقاس بالمستوى العلمي للانسان ومستوى قدراته المبتكرة لهذا الانتاج و الموجهة له. وكذلك مستوى الفئات المستفيدة منه. في حين ان التخلف يقرن بالحاجة الى انتاج الاخرين لاستهلاكه .وبالحاجة الى الاطر و الطاقات البشرية الاجنبية وجلبها لتصريف هذا الانتاج المستورد الذي غالبا ما يبقى في غير متناول الشرائح الاجتماعية العريضة التي تشكل صلب الشعوب المتخلفة.
وهذا يعني ان الفرق بين شعب متقدم وآخر متخلف كامن في مدى تفوق الاول على الثاني في مجال الامكانات الثقافية  ومدى معرفة توظيف هذه الامكانات في تنميته وتطويره وترقيته. لكنا مع ذلك يجب ان نعترف بواقع يتصل بالثقافة العربية. وهو انها في نوعيتها يغلب عليها الطابع النظري التجريدي. وانها تركز على الجانب المدرسي  منها دون اعتبار الثقافة الشعبية بالاضافة الى انها ظلت-ولفترة طويلة- تعد اداة تسلية وترفيه وامتاع لطبقة راقية عاطلة من حيث انها لا تساهم في عملية الانتاج . فيلا حين نجذ ان  الثقافة في العالم المتقدم- وحتى في نظر التقنيين والاقتصاديين- تحسب راس مال ووسيلة للاستثمار . وعامل انتاج واداة للتطور و التقدم. ويكفي ان نعرف ان الشعوب الجاهلة تكون غير قادرة حتى على تقبل ظروف التنمية . وهذا ما يجعلنا نعد الثقافة داخلة في مجال الاقتصاد و الانتاج. ومن اكثر من ناحية او على الاقل من هذه النواحي الاربعة:
1-باعتبارها تعمل على تكوين البنيات الاقتصادية الاساسية و بلورتها.
2- باعتبارها بنية تاطيرية لتلك البنيات الاساسية، أي تاطيرية للمنتج و المستهلك في نفس الآن.
3- باعتبارها منطلق كل البرامج و المخططات المتعلقة بالتنمية.
4- باعتبارها تكنولوجيا من نوع آخر. تهدف الى صنع الانسان عقلا و وجدانا.
هنا تطرح اشكالية ربط الثقافة بالتنمية . ويطرح معها سؤال: كيف يكون دور الثقافة في مضمار التنمية؟
وقبل الرد. نشير الى حقيقة لا مجال لإغفالها . وهي انه في المجتمعات المتخلفة يكون للعوامل غير الاقتصادية اكبر الاثر على انجاح مخططات التنمية او افشالها. ويعتبر العامل الثقافي في طليعة هذه العوامل.

اما الجواب على السؤال فيتضح من خلال هذه النقاط الخمسة:
اولا :
ضرورة اعطاء الثقافة مفهوما واسعا ينظر اليها في معناها العام الذي يجعلها تمثل كل النشاط الانساني. ماديا وفكريا وروحيا . مدرسيا كان او شعبيا. كما ينظر اليها في معناها الخاص الذي يجعلها انتاجا ذهنيا يقوم به اناس متخصصون .
ثانيا: وجوب طرح قضية الثقافة ليس من خلال هدف ذاتي . بل من خلال التطور الاجتماعي ودورها في هذا التطور . من حيث هي عامل اساسي في الانتاج . ومن حيث هي عنصر فعال قادر على تغيير واقع التخلف.
ثالثا : الزام المثقف في البلاد المتخلفة ومطالبته بان يعي اوضاع بلاده بعمق. أي  اوضاع. التخلف. وان يساهم بالعمل على الخروج من هذه الاوضاع. والا يكتفي بالوصف او اثارة السخط في نفسه او حوله او تقديم الشكاوى و المطالب.
رابعا: لكي
تتم هذه المساهمة. لا بد للثقافة ان تخرج عن نطاق التامل و التفكر لتمارس و تعمل على نطاق جماهيري واسع. وهو مطلب لا يمكن ان يتحقق الا بمعرفة الواقع عن طريق الدراسة و البحث و العمل الميداني. وتوضيح آفاق المستقبل. وحصر الامكانات المادية و البشرية والتخطيط و البرمجة وفق منظور وطني و ليس بناء على رؤية اجنبية او مستوردة. ثم توعية الجماهير العريضة بظروف التنمية وتعبئتها لمواجهة هذه الظروف واستيعابها والتحكم فيها والمساهمة في تحقيقها. ويكاد يكون عنصر التوعية و التعبئة في طليعة الشروط . وهو لا يكون بدون اتصال عضوي و ميداني مع الجماهير ينطلق من معايشة واقعها الحي و التعرف الى حقيقة المشاكل التي تعاني منها واشراكها في مناقشة قضايا التنمية و الوطن عامة . كما ينطلق من محو الامية ومن توظيف الثقافة في نطاق الخدمات الاجتماعية التي يجب على الدولة ان تتيحها للمواطنين.
خامسا: مثل هذه المساهمة لا تكون فعالة الا اذا تحقق امران:
1- ان تلتحم الثقافة مع التنمية من زاوية السمة الوطنية، أي ان تعتبر التنمية معركة وطنية، وان تقوم هذه المعركة على ثقافة وطنية، أي ثقافة تتحرك من واقع المجتمع وتطلعاته. وتكون قادرة على التوجيه وتستطيع تحقيق اهداف. انطلاقا من التعليم الذي ينبغي ان يعكس مضمونه ابعاد المحتوى الوطني وان توضع له مناهج مرتبطة بنمو الامة في مختلف المجالات.
2- ان تنمي الثقافة ذاتها في اتجاهين متناسقين. حتى لا يحدث لي خلل.
أولهما : عمودي كيفي يقصد الى تعميقها ورفع مستواها عن طريق البحث العلمي و الاحتكاك بالثقافات العالمية.
وثانيهما: افقي كمي يسعى الى توسيع قاعدة الثقافة على نطاق الجماهير وتسطيحها حتى تتحقق لها السمة الوطنية في بعد شعبي يجعلها في متناول جميع المواطنين. باعتبارها حقا مشروعا لهم. وباعتبارها تخدمهم وتنير لهم الطريق وتهيء لهم فرص الوعي بالتنمية . وباعتبارها بعد هذا نابعة منهم بما لهم من مشاركة في ابداعها.
واذا كنا نطرح الملمح الشعبي للثقافة بهذه الأبعاد. فلأننا نعتقد ان الثقافة في مفهومها العام هي مجموع ما ينقل الانسان بالوراثة و الممارسة و التربية والتعليم. وما يكتسب بقصد وبدون قصد من معارف وخبرات وقدرات تهذب طبعه وتربي عقله وترهف إحساسه وتحدد ملامح  شخصيته وتخدمه في حاضره وتنير له آفاق المستقبل . لا فرق فيها بين ان تكون مدرسية او شعبية.
  من هنا تبرز ثقافية التراث الشعبي. هذا التراث الذي نرى اطلاقه بديلا لمصطلح الفولكلور الشائع عند كثير من الدارسين. وهو يتجلى فيما انتج الشعب بافراده وجماعاته  خلال الاجيال وفي مختلف المجالات. به اكد وجوده وحقه في الحياة وصراعه من اجل الاحسن و الافضل . واثبت قدرته على ممارسة العقل والروح والعطف والذوق. فهو بهذا يعتبر الوثيقة التي يقدم فيها الشعب نفسه مبرزا مجموع مكتسباته. سواء تلكم التي اكتسبها بتجاربه الخاصة فكانت بنت ظروفه البيئية او تلكم التي انتقلت اليه نتيجة اتصاله بغيره. فاقتبسها كما هي او طورها  حتى توافق.مزاجه وفطرته. ومبرزا كذلك مجموع الانماط التي يمارسها بعفوية وتلقائية في الغالب. وفي توافق مع نفسه وبيئته. وهي انماط مرتبطة بالأرض التي يعيش عليها وبحياته المادية عليها. بكل ما تقتضي من ظروف التطور و التقدم وهي في نفس الوقت متطلعة الى ما وراء المكان والزمان وما فوق الطبيعة . مما يشكل معتقداته الذهنية وروابطه الروحية.
   وان هذا التراث ليعد دون شك خلاصة ما ابدع الشعب بمختلف طبقاته البدائية و المتمدنة من ثقافة وحضارة لا تقومان على اسس علمية مدروسة، تبدو ظواهره فيما يمارس من عادات وتقاليد وما يتمثل من قيم واخلاق وما يحس من مشاعر ووجدان. وما يتداول من قصص وامثال واشعار وما يزاول من فنون وصناعات . كلها تعيش في اعماق الواعية و اللاواعية . يحسها مرة ولا يحسها مرات، ولكنها ابدا معه وفي حياة مستمرة. تكيف مزاجه وتطبع شخصيته وتميو عبقريته وتشغل بذلك وجوده وان كان لا يشعر بها في اغلب الاحيان .
  واذا كان تمثل هذا التراث يعني تمثل الماضي و الدور اداه فيه. فان من المؤكد ان هذا الدور لم يكن دور التسلية والترويح عند النفوس المكدودة كما يظن ولكنه دور تنموي وتقدمي وتحرري. تهدف وظيفته الى المحافظة على ذات الفرد و الجماعة في اطار مواطنة عزيزة تكفل الحياة الكريمة بعيدا عن أي مظهر من مظاهر التخلف. وفي نطاق سيادة ترفض كل انواع التبعية والاستبداد.
    ومع ذلك فان الحياة الحديثة بما يجد فيها من مظاهر الحضارة الالية السريعة ترفض هذا التراث ولا تتيح  له فرصة الوجود و المعايشة . ولكن الانسان المعاصر غدا اليوم حتى في ارقى البيئات الحضارية يخشى ان تطغى عليه الآلية و تجرفه وتجرده من انسانيته وتقضي عليه. بما تهيا لها من كثرة الوسائل وسرعة الانتشار وقوة المفعول. مما جعله يبحث عن تراثه ويتشبث به . ليس فقط ليصونه من الضياع ويحفظ كيانه . وانما كذلك ليربط به حاضره و يؤكد الصلة به في حياته. ولا عجب فهو يعاني صراعا في نفسه. لا تلبث العاطفة فيه ان تكشف عن ميلها وحنينها وتمسكها بهذا التراث. لما تحس فيه من حماية للبيئة البشرية من اضرار التكنولوجيا واعراضها السلبية لمتفشية. ولما تحس فيه كذلك من تمثيل للروح القومي و الشخصية الذاتية والخصائص الشعورية للمواطن. بالاظافة الى ما يمثله هذا التراث من طاقات وامكانات لو تزود بها الانسان وعرف كيف يستغلها لفتح لنفسه كثيرا من الآفاق الجديدة للابداع. وخاصة في مجال الفنون والآداب.
   و التراث الشعبي تعبير عند نفسية الشعب ومفتاح شخصيته . لهذا لم يكن غريبا ان يطلق عليه بعض العلماء الايطاليين و الفرنسيين مصطلح الديموبسيكولوجيا. أي علم نفسية الشعب . ولم يكن غريبا كذلك ان يكون الاهتمام بهذا التراث بدا مع ظهور الحركات الشعبية التحررية التي ثارت على العبودية و الاستعمار. وبحثت عن ذاتها فلم تجد غير الالتفات الى تراثها لتبرز شخصيتها وتؤكد قدراتها وطاقاتها وامكانها تخطي كل الظروف الطبيعية و الاقتصادية و السياسية . والارتفاع عن الالتزامات و الضروريات العادية المحدودة الى مجال القيم الانسانية. منطلقة من كيان اصيل ومن الاحساس بالروح القومي و الرغبة في المحافظة على الذات وما فيها من عناصر الاصالة . بل لم يكن غريبا ان يعني الاستعمار نفسه بالتراث الشعبي في محاولة منه للتعرف الى نفسية الشعوب التي استعمرها او يريد ان يستعمرها ليتسرب الى كيانها وينسق اعماقها من الجذور.
3- ان التراث الشعبي هو النافذة التي يمكننا الاطلال منها على اصول ثقافتنا لنتعرف عليها والى ما طرا عليها من تغيير. والى مراحل تطورها وما كان لها من تاثر وتاثير  نتيجة التفاعل والاتصال بغيرها من الثقافات . و لنتعرف في النهاية الى الخصائص التي تميزها عن غيرها. ومتى بلغنا هذه الغاية امكننا ان نصل الى تجديد ملامح الصورة الحقيقية للشخصية الوطنية التي لا يوضحها لنا التراث المدرسي او لا يطرحها لنا كاملة. و لعلنا في غير حاجة الى ان نثبت ان هذا التراث ناقص من جوانب يحتاج في تكميلها الى التراث الشعبي الذي ينقل اشياء اغفلها التراث المدرسي او لم يغفلها ولكنها محيت في مسيرة التطور او ضاعت في جملة ما ضاع. وبهذا يجتاز الهوة الفاصلة بين التراثين. طالما ان كلا منهما يكمل الاخر. فليست تخفى صلته حتى بالجغرافيا البشرية وحياة الانسان وتطورها. سواء على الصعيد المادي او الروحي او النفسي. وكذلك الجغرافيا الطبيعية لتاثر الانسان في سلوكه واخلاقه وقواعد معاشه بطبيعة البيئة التي يعيش فيها . ولا سيما حين تكون البيئة متنوعة ومتصلة ببيئات مختلفة حولها.كما هو الشان بالنسبة لمعظم الاقطار المتنامية.
  وتجاوز الهوة بين التراثين سبيل الى تحقيق التوحيد الذي لابد منه في أي مجتمع حتى يكون متجانسا في فكره. لا تفرق بينه النزاعات الثقافية المختلفة و المتضاربة  في بعض الاحيان والتي من شانها ان تفكك الفكر و تقضي على كيان الجماعة وبتحقيق هذه الوحدة يتحقق معنى الاستمرار. استمرار الذات و استمرار الارادة. وفيهما يتمثل معنى استمرار حق الانسان في الحياة واستمرار سموه على كل مظاهر الكون و الطبيعة حتى ولو كانت من صنع يديه كالالات او غيرها مما وصل اليه العلم الحديث في مجال الاختراع. وبدون ذلك يطغى التقدم الحضاري المادي على المجتمع الذي يتغير و يتطور بسرعة. مما يؤثر على توازنه ويخلق نوعا من التفكك يفضي الى التخلف الثقافي ويعوق مسيرة النمو و التقدم.
 ولن تنجح هذه المسيرة اذا هي لم ترتكز في اساسها على قاعدة الجماهير الشعبية التي انتجت هذا التراث وما زالت تنتجه. مادامت تلك المسيرة في امس الحاجة الى العنصر البشري. وهو عنصر مرتبط على الدوام بثقافته عامة و تراثه الشعبي خاصة. بل ان اية خطة للتنمية لا تكون ايجابية اذا هي لم تقم على فلسفة شعبية تراعي الراي الوطني و الشعور العم وتفكير الجماهير وذوق الشعب و مختلف جوانبه العقلية و الذهنية و النفسية و الوجدانية. بدءا  من تراثه بما يمثل من عادات وتقاليد و حرف وصناعات و سلوك واخلاق. وبما يفرز من انماط اجتماعية وما يتولى عنها من مسؤوليات يتحملها الرجل و المراة في المجتمع. وبدون ذلك لا نتصزر الشعب يتقبل مخططات التنمية فضلا عن ان يشارك فيها او يستفيد منها . طالما ان التنمية يجب ان تهدف الى خدمة الجماعة وليس الى خدمة فئة معينة او طبقة خاصة. مهما كانت هذه الطبقة او تلك الفئة.
    و الاستفادة من التراث الشعبي في هذا المضمار تقتضي الكشف عن جوانبه الايجابية القادرة على التكيف و التطور. لي الكشف فيه عن طاقات الوظيفة لتطويعها واخضاعها حتى تمد معركة التنمية. بعيدا عن أي موقف متطرف للتراث يتم بالتقديس او الرفض. بل بعيدا حتى عن مجرد موقف المعايشة او المسايرة.
  واذا كانت هذه  العملية تطرح اشكالية التوصل الى ما في التراث الشعبي كمن عناصر صالحة لتوظيفها ، والى ما فيه من عناصر فاسدة لالغائها. فان المقياس يكمن في استخلاص البعد القادر على ان يكون فعالا في حاضر المجتمع ومستقبله. وهو البعد التاريخي الحق المتضمن للمسات الصادقة في حضارة الشعب و ثقافته ونفسيته ووجدانه.
  وحتى لا يطعن اخيرا في قابلية الجماهير وقدرتها على خوض معركة التنمية يكفي ان نذكر بان المنتجين و المشاركين في تنمية المجتمع. كانوا في السابق من الحرفيين و المهنيين و الصناع التقليديين. أي انهم كانوا من المنتمين للتراث الشعبي واقعا و فكرا وابداعا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here