islamaumaroc

الرسالة الملكية بمناسبة القرن 15 الهجري.

  دعوة الحق

223 العدد

** تتضمن الرسالة الملكية السامية. التي وجهها صاحب الجلالة نصره الله إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن خلاصة التوجيهات التي يمكن بها ترشيد مسيرة الإسلام والمسلمين في القرن الجديد. وتعتبر هذه الرسالة التاريخية التي تم إبلاغها إلى جميع أصقاع الأرض وثيقة عمل للتغيير الإسلامي المنشود. سواء في الفكر والتصور والرأي والتنظير. أو في الواقع والحركة والفعل الحضاري لأمتنا من جهة. وللإنسانية جمعاء من جهة ثانية.
وقد تجلى في الرسالة الملكية بعد نظر جلالة الملك وحصافة فكره وسعة أفقه. بحيث يمكن القول. وفي دائرة الاهتمامات الفكرية والإيديولوجية ومن واقع الرصد الدقيق للتيارات والمدارس العقلية السائدة. أن جلالة الملك بلغ شأوا بعيدا في الأفكار التي طرحها حفظه الله والدعوة التي وجهها والتحليل الذي ساقه للواقع المتعدد الجوانب في البلاد الإسلامية.
وقد سبق لهذه المجلة أن نشرت النص الكامل للرسالة الملكية السامية. ويسرنا ونحن نحتفل بالذكرى الثالثة والخمسين لميلاد كاتب رسالة القرن جلالة الملك الحسن الثاني. ونحيي في نفس الوقت الذكرى الفضية لصدور هذه المجلة التي أنشاها ملك رائد كبير. أن نعيد نشر رسالة القرن الخامس عشر حتى نتيح لقرائنا فرصا جديدة للقراءة والتعمق والتأمل والتدبر**

هو الله وحده  والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله
من عبد الله المعتمر على الله المتوكل عليه في سره ونجواه أمير المؤمنين من أمير المؤمنين أنزل أمير المؤمنين عن التدأمري. ورفع قرون. وخلق في الصالحات ذكرى إلى بنائه المغاربة خصوصا، وإخوانهم المسلمين بجميع أقطار الأرض عموما.
وفقكم الله وهداكم. وجعل فيما ينهيه محياكم ومماتكم. وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد. لقد شاءت الأقدار الإلهية. والعناية الربانية. أن نحيى ونموت أعمارنا. حتى نشهر فترة حاسمة في تاريخ أمتنا وحياة ملتنا فلما يشهرها الجميع. ألا وهي نهاية القرن الرابع عشر الهجري الزي كان مليئا بالمكايد والمغامرات. وبداية القرن الخامس الهجري الزي يلوح في الأفق انه سيكون مليئا بالتحديات والمفاجآت. ولا شك انه ما من أحد من خاصة المسلمين وعامتهم الزين شهروا هذا الحادث التاريخي السعيد. وهو من عهد التأمل قي الماضي القريب والبعيد. تأملا دقيقا المستقبل. واستشراق ما يتوقع فيه من وقائع وإحراث تنعكس آثارها على مسيرة الإسلام وحياة المسلمين.
وقرا رشدنا كتاب الله إلى أن في تداول الليالي والأيام. فضلا عن توالي السنين والأعوام. عبرا ومثلا ينبغي استخلاصها والاستنارة بها للسير قدما إلى الأمام. فقال تعالى "وهو الذي جعل الليل والنهار خلقة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا" (س.الفرقان 62)، فمن وجد خيرا حمد الله وشكر، ومن وجد غيره تدبر واعتبر، وأصلح فيما بدى منه فيما مضى وغبر.
وامتثالا لما أنهت عليه الأحاديث النبوية الشريفة من أن الدين النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم. وان النصح لكل معلم شهد أساسي في صحة الانتماء إلى الإسلام "وان من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" وان كل مسلم ذكرا كان أو أنثى. عظم شانه أو كبر. يعتبر راعيا ومسئولا عن رعيته كل في دائرة اختصاصه ومسؤوليته. وتجديدا لتفليس شريف متعارف عليه منذ عهد أجدادنا المنعمين. ملوك المغرب الميامين. كلما انتهى قرن. وبزغ فجر قرن جديد. رأينا من الواجب علينا. بصفتنا قائدا من قادة المسلمين وأميرا من أمراء المؤمنين. أن نتوجه في هذه المناسبة التاريخية الفريدة بالنصح الخالص والإرشاد. إلى أبناءنا الأوفياء في هزم البلاد. والى إخواننا المؤمنين الأعزاء في بقية البلاد. فقد حض كتاب الله كافة المومنين على أن يتواحدو بالحق حتى يتجنبوا الوقوع في مزالق الباطل. وان يتواصوا بالصبر حتى يواجهوا بعزم وحزم جميع التحديات والأزمات. ولا يبخلوا في سبيل نصرة ملتهم بالصبر" (س.العصر).

معاشر المسلمين
إن من منن اله على خلقه ورحمته بهم أن بعث فيهم سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلامه عليه برسالة إلهية هي خاتمة الرسالات. تهديهم إلى محجة الصواب. وتفتح لهم من وجوه الخير والبر كل باب. فادى الرسالة. وبلغ الأمانة. وترك من بعده كتابا محكم الآيات. من تمسك به لم يضل. وسنة وثيقة الأسانيد والروايات. من افتقد أثرها لم يزل. وافتضحت حكمة الله أن يضع على عاتق خلفاء المسلمين وأمراءهم أمانة خلافته في الأرض فيجعل بذلك على رأس مهامهم مسؤولية الزود عن الشريعة والحفاظ على الدين وحماية المجتمع الإسلامي من كل زيغ أو ضلال مبين. وقد امتاز المغرب الإسلامي بتعاقب ملوك بردة جعلوا الحفاظ على الإسلام والدفاع عنه فيما وراء البحار. ونشره فيما جاوره من الأفكار مهمتهم الأولى. وتثبيت تعاليمه في النفوس غايتهم المثلى. ومن بينهم ملوك شرفاء من آل البيت الكرام. طليعتهم أسلافنا الملوك العلويون المنقمون في دار السلام.
ومن ولانا الله أمر هذا الجانب الغربي من دار الإسلام ضاعفنا الجهود لتعزيز جانب الدين في كل حين. ولم ننقطع عن العمل المتواصل لبعث حيويته وتجريد معالمه وإبراز محاسنه للموافقين والمخالفين. افتراء بصاحب الرسالة وخاتم النبيئين عليه الصلاة والسلام. وأيمانا منا بان دين الحق لا بد أن يبقى كثائرا مستمرا على مر الأيام مصداقا لقوله تعالى: "ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا" (ص. الفتح 28).

معاشر المسلمين.
لقد أكرمنا الله بدين متين الأساس راسخ البنيان. صالح لكل زمان ومكان ما من شعيرة من شعائره. ولا شريعة من شرائعه. ألا وهي مؤسسة على تقوى الله ورضوان. فهو دين يقدر كرامة الإنسان. ولا يرضى له بالتعرض للذل والهوان وهو دين العلم والحرية. الزي لا يغرف التحفظ ولا التقية.يدعو إتباعه دعوة ملتحمة آلة تعلم العلوم والفنون واللغات. ويسمح لهم بالتفتح على جميع أنواع الحضارات. إذ بذلك ينالون أسباب القوة والخلود. ويتفادون أفكار الجمود والجحود. وهو دين الوفاء بالعهود. والعول الوارف الضلال والإحسان الشامل للوجود. وهو دين تقوم تكاليفه على أساس الرفق والتيسير. ورفع الحرج والبعد عن كل تعبير. وهو دين يعامل الناس بالإنصاف والسوية. ويلزم بالشورى بين الراعي والرعية. ويحرر المسلمين من التنازع المؤدي الى الفشل. ويحضهم عل وحدة الحق والهرب والعمل. فبالوحدة يجمعون أمرهم. ويتغلبون على الصعاب التي تعترض مسيرهم. ويتمكنون من استيعاب البناء والتسيير. والإصلاح والتجريد. في عالم الإسلام الواسع المريد. وإذا جمعت المسلمين كلمة التوحيد وربطتهم شريعة الإسلام. بلا خوف عليهم من غوائل الدهر ومفاجآت الأيام. قال تعالى: وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاهم به لعلكم تتقون (س. الأنعام 153).

معاشر المسلمين.
من حقنا أن نحمد الله حمدا كثيرا. ومن واجبنا أن نشكره شكرا جزيلا على أن جعل ديننا دينا ملائما للفطرة القويمة. تستسيغه وتنسجم معه كل الطباع والعقول السليمة. فهو دين يحل جميع "الكتيبات" ويجعلها في متناول الإنسان. دون طبقية ولا عنصرية. ولا يحرم عليه. وقاية له. إلا الخبائث" التي لا يقبلها الطبع ولا تعود عليه بمنفعة حقيقية. وهو دين يعتبر كل عمل صالح وسعي نافع نوعا ممتازا من العبادة ما دام لهدف من نفس العمل خدم الفرد والجماعة. تتبادل الإفادة للاستفادة. وهو دين يحض على الشكر في ملك الله وملكوته واسع الأكناف. ويدعو إلى التدبر في آياته المبتوة في الكون الشاسع الأطراف تجديدا لفيض الإيمان. وتعريفا بأسرار الكون المسخر لمنفعة الإنسان. قال تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم" (س. الروم 30). وقال تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أمرهم بأحسن ما كانوا يعملون" (س. النحل 97). وقال تعالى: " يسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات بقوم يتفكرون" (س. الجاثية 13).

معاشر المسلمين.
إن من تيسير الله لنا في معالجة شؤون الدنيا وشؤون الدين، جعل التشريع الإسلامي التي أكرمنا الله بها شريعة فكرية في أدائها، منطقية في أحكامها، قادرة على استيعاب مراحل تتطور بأجمعها، مستجيبة لحاجيات المجتمع على اختلاف مستوياتها وأنواعها، صالحة للتكييف في كل عسر وجيل. دون حجة إلى إدخال أي تغيير على بناءها آو تبديل. ففي نطاق أدائها وقواعدها والمحافظة على روحها يمكن لكل مجتمع إن غاية ما يطمح إليه من التطور والنمو. والكمال السمو. كلما تقدمت البشرية خطوة إلى الأمام، وجدت مثل الإسلام سابقة لها متقدمة عليها. تضيء لها الطريق على الدوام فما يتوقف الأمر على من يستوعب نموها ويدرك مفادها نفهم أسرارها ويأخذ على عاتقه أن يستخرج نفائسها ودورها، لذلك أمر مرهون بإعداد مجموعة كافية من العلماء والمفكرين مثل مستوفين لشروطه الاجتهاد والنظر في شمول الدين. ويكرسون جهودهم لإحياء تراث الإسلام الثمين. وصياغته صياغة جديدة تجعله في خدمة جماهير المسلمين.
فمن واجب القادة المسؤولين والزعماء البارزين في العالم الإسلامي أن يفتحوا الطريق أمام القائمين بالبعث الإسلامي والدعوة الإسلامية. وان يشملوهم بالرعاية الكافية. حتى يؤذوا رسالتهم أحسن أداء. كما أن من واجب دعاة الإسلام أنفسهم أن يجتمعوا على كلمتهم سواء، ويدعموا فيما بينهم روابط التضامن والإخاء. وان يعملوا على أن تكون دعوتهم خالصة لوجه الله يسودها طابع التعاون والصفاء. فبالتخطيط الإسلامي المحكم والعمل المتواصل المنضم للدعوة الإسلامية الموحدة، يتغلب المجتمع الإسلامي على كثير من الأزمات ويتصدى بفعالية ونجاح لمواجهة الكثير من التحديات ويمارس مسؤولية تكرره ونموه بنفسه وفي نطاق حضارته، دون أدنى تبعية، ولا ضغوط خارجية. قال تعالى: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" (س. التوبة 122) وقال تعالى: "ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات" (س.آل عمران 104-105).

معاشر المسلمين.
إن الإسلام دين ترتكز فيه الحياة كلها على مبدأ المسؤولية، وهي في مفهومه فردية وجماعية، فما من أحر منا ألا وهو يتحمل حظا منها لا يضيق أو يتسع بقدر ما يوضع بين يديه. ويتصرف فيه. من مرافق خاصة أو عامة. وان مراقبة الله. والشعور بالمسؤولية أمام خلقه بحافز كبير على أداء الحقوق والأمانات إلى أهلها. ودافع قوي للقيام بالتكاليف والواجبات في وقتها والمبادرة بتدارك ما فات منها، ولن تؤتي المسؤولية أصلها إلا إذا كان المسؤول يقدر مسؤوليته حق قدرها. ولا يفرط مكلفا  في أمرها، وإلا إذا أعطى القدرة الحسنة من نفسه للقريب والبعيد، وصرف اكبر حظ من نشاطه في العمل المفيد والقول السديد، وان الخطر كل الخطر في إهمال المسؤولية بعد حملها، أو وضعها في أيدي المتكفلين عليها ومن ليسوا من أهلها، إذ بذلك تضيع الحقوق وتتعرض المصالح المشروعة للإهمال، ويختل نظام المجتمع ويهاب بالتفكك والانحلال، وعلينا نحن المسلمين كلفة. فرادى وجماعات، أن نتحمل مسؤوليتنا التاريخية بكل شهامة وحزم، داخلا وخارجا، حتى يواصل الإسلام سيره دون تراجع ولا وقرب، ويستعيد سيرته الأولى ومركزه الممتاز في مقدمة الصفوف. قال تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان (س. الأحزاب 72) وقال تعالى: "وان ليس للإنسان إلا ما سعى وان سعيه سوف يرى ثم جزيه الجزاء الأوفى وان إلى ربك المنتهى" (س. النجم 39-40).

معاشر المسلمين.
لقد شرفنا الحق سبحانه وتعالى بأمر عظيم، عندما كلفنا بهداية أنفسنا هداية الإنسانية. ودعانا آلة أن نتمسك بالخلق الكريم والسلك القويم، حتى يصبح كل مسلم إنسانا كاملا في نفسه وأسوة حسنة لعموم البشرية، وعندما أراد أن يجعل امتنا "خير أمة أخرجت للناس" لم يجعل خيرتها مشتقة من سمو في العرف والجنس والسلالة. إذ لا فضل في الإسلام لآدمي على آدمي إلا بالتقوى، وكلكم من ادم وادم من تراب" كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام. وإنما جعل خيرية امتنا قائمة على مقدار ما تبذله من جهود هادفة في إصلاح شؤون البلاد والعباد وتطهير الأرض من الفساد.
نعم عندما حققت أمة الإسلام في عصرها الذهبي مراد الله منها في إقامة معالم الخير والشر، ونشر ألوية المروءة والفضيلة وضمان العدل والإحسان لجميع بني الإنسان، استخلفها الله في الأرض، فأصبحت خير الأمم وأعلاها شأنا وأعمها ازدهارا وأوسعها عمرانا، وأقواها نفوذا وأعظمها سلطانا، وقامت تحت ظلها اكبر دولة عرفها التاريخ تمتد من شواطئ المحيط الأطلسي غربا إلى مياه المحيط الهادي شرقا، وأتم الله عليها نعمته، بجعل أهم الممرات العالمية مضايق وبواغيز تحت إشرافها ورعايتها، فلا وسيلة للاتصال بين بناء الإنسانية إلا عن طريقها وفي كفالتها، وليس في إمكان بقية الأمم أن لا تتعاون معها أو تتجاهلها وتسقطها من الحساب، وهي في سرة العالم وبيدها مفاته أهم الممرات والأبواب. كما جعل الحق سبحانه وتعالى تربة أراضيها تربة طيبة مباركة يختلف مناخها من إقليم إلى آخر يتصلح بمجموعها المختلف صنوف الزرع والنبات في جميع الفصول والأوقات. وادخر فيها لخير المسلمين ورفاهيتهم والمراد الإنسانية جمعاء أهم ما يتوقف عليه العالم من مواد أولية وكنوز طبيعية وثروات، هذا مع الاتصال الطبيعي والجغرافي المباشر بين كافة أجزائها، مما يعد عاملا مهما من العوامل المساعدة على تلاحمها وتضامنها وعلى يسرها ورخائها. وهكذا منح الحق سبحانه وتعالى امتنا المسلمة من عناصر الخلود والبقاء ما يجعلها امة حية قوية الكيان. لا تنال منها عوامل الفناء وأم طال الزمان، قال تعالى: "واذكروا إذ انتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره، ورقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (س. الأنفال 26). وقال تعالى: "وأورثكم أرضكم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا" (س.الأحزاب 27) وقال عليه السلام: "إن الله زود لي الأرض -أي كنواها وجمعها- فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها".

معاشر المسلمين.
إذا كان الله تعالى قد امن على أمتنا الإسلامية أعظم منة، بجعل ظهورها على مسرح التاريخ حدا فاصلا بين مرحلتين من مراحل التاريخ البشري، ومنطلقا لتغيير جذري عميق في خريطة العالم اتنوغرافيا وجغرافيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وحضاريا، وأناها من فضله أضخم تراث طبيعي مكنوز في جوف الأرض، وبارز فوق سطح الأرض، فما لذلك إلا أن لنحسن استثماره. وتنظم الانتفاع به في كل عصر، بالوسائل التي تناسب ذلك العصر بحيث لا تتركه هملا، ولا تنقضي حياتنا سهلا بل ننتفع به في أنفسنا وننفع به غيرنا. قال تعالى "يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" (س. الحجرات 17). وقال تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين" (س.الممتحنة 8).
وإذا كان الله تعالى فرامتن على امتنا الإسلامية بأزكى تراث روحي وحضاري عرفته البشرية، فما لذلك إلا لنكون أمناء عليه، حماة له من الضياع والنسيان، وما ذلك إلا لتكون حياتنا الخالصة والعامة مرآة ساطعة له في كل حين، وما ذلك إلا لنعمل على تقديمه عظما طريا، إلى كل المتشوقين إليه والراغبين في الاطلاع عليه من أبناء الأمم الأخرى. قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (س.الأنبياء 107).
وإذا كان سلفنا الصالح قد قاموا بالدور الحضاري الذي ألقاه الإسلام على عواتقهم أحسن قيام، حسبما أدركوه وتهوروه وعلى النحو الرائع الذي أبرعوه وابتكروه، فان ذلك يرفعنا إلى مواصلة نفس الدور، لكن على نحو جديد ونمط جديد يتناسب مع معطيات هذا العصر، وإن في الإسلام –والفضل لله- لطاقات زاخرة لا تزال مكنونة لم تستثمر لحد الآن بما علينا إلا أن نكشف الستار عنها، ونستثمرها أفضل استثمار لخير امتنا وخير الإنسانية جمعاء، وإنها الكفيلة بصنع المعجزات وتقديمك أروع المنجزات. قال تعالى: "نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر" (س. القمر 36). وقال تعالى: "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم"(س. إبراهيم 7).

معاشر المسلمين.
إذا اردما تدارك ما فات والتغلب على المصاعب والأزمات. فعلينا أفرادا وجماعات. أن نستعمل رصيدنا من الوقت أحسن استعمال في جميع الظروف والأحوال فمن لم يعمر الوقت بلبنات جديدة في صرح الحضارة والعمران، واتكل على جهود من سيفوه من بني الإنسان ولم يحاول أن يكون في تفرع مستمر، بفضل طاقاته الفكرية ومدخراته من الوقت لم يلبث إلا قليلا حتى يصبح في تأخر مطرد يهوي به إلى الهاوية إذ الإنسان في هذه الحياة سائر لا واقف، فأما أن يتجه إلى أمام وإما أن يتجه إلى وراء، إما أن يصعد إلى أعلى وإما أن ينزل إلى أسفل.
وكما قال أحد حكماء العلماء: "ليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هي إلا مراحل تطوى طيا، بمسرع ومبطئ ومتقدم ومتأخر، وإنما يختلف الناس في جهة المسير، وفي السرعة والبطء، وليس في الطريق واقف اللهم إلا إذا كان الوقوف لمجرد الاستجمام، والعودة للسير مع الركب إلى الأمام، قال تعالى: في محكم كتابه: "وما هي إلا ذكرى للبشر كلا والقمر الليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر كل نفس بما كسبت رهينة" (س. المدثر 32-38).

معاشر المسلمين.
إن الطريق إلى مركز الهدارة بين الأمم مفتوح في وجه الأمة الإسلامية لا يحول بينها حائل، لضمان ذلك أن لا تقتصر عنايتها على الجانب المادي وحرة، وعليها أن توجه حظا كافيا من اهتمامها إلى الحفاظ على تلاحم الأسرة المسلمة وحمايتها من عوامل التفكك والانحلال، أن تعيد للتربية الدينية والخلقية ما كان لها من الاعتبار والأهمية في تنشئة الأجيال، وأن تجعل من الأم المسلمة أما مثالية تعتز بان تكون هي المربية الأولى للناشئة والأطفال فداء لرأينا، وإخلاصها لوطنها، وان تجعل من المدرسة والكلية والجامعة –إلى جانب المسجد- الملتقى المفضل والرامي للعلم والإيمان، وان نتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، وان نزيل من طريق التضامن الإسلامي الكامل والشامل كل ما يعرضه للانتكاس والاختلال، وان تقبل على حل مشاكلها الطارئة والمزمنة بجدية وواقية وتخطيط، بدلا من اللامبالاة والإهمال والارتجال.ويتجد في تراثها الروحي والحضاري الخالد ما يعنيها على طرح هذه المشاكل طرحا واضحا معقولا، وحلها حلا إسلاميا مرضيا ومقبولا، ولا غرابة في ذلك، ما دام ديننا الحنيف هو دين الحق وامتنا المسلمة هي "امة الحق" بشهادة قول الله تعالى: في محكم كتابة "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق" (س. الفتح 28) وقوله تعالى في منزل خطابه "وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون" (س. الأعراف 181).
ولعل أجمع وأنفع وصية يوصي بها كل مسلم أخاه في بداية القرن الجديد هي أن نطبع فكرنا وحياتنا وسلوكنا الخاص والعام بالطابع المميز لحضارتنا الإسلامية الزي ارتضاه الله لنا، إلا وهو طابع الاعتزال والوسط، المنافي لكل إسراف وشطط، والمترفع عن كل تهريج لفظ، ففي نطاق المبدأ الإسلامي "الوسط" والحد الفطري "الوسط" لاكبت ولا إباحية، وإنما علاقات شرعية أخلاقية، وفي نطاق المبدأ الإسلامي "الوسط" لا محل للإسراف والتبذير، كما انه لا محل للشح والتقتير، ولا محل للغنى الفاحش، كما انه لا محل للفقر المدقع، ولا محل للفوضى، كما انه لا محل للاستبداد، ولا محل للغو في الدين، كما انه لا محل للتطاول على فراسة الدين ولا محل لطغيان مطالب الروح على مطالب الجسد، كما انه لا محل لطغيان مطالب الجسد على مطالب الروح.
وحيث أن "الأمة الوسط" هي الأمة المثالية التي تقوم الحياة فيها على قاعدة التوازن والانسجام، التكامل التناسق التام، فقد اختار الله لنا أن نكون "امة وسطا" رحمة بنا، وحفاظا على وحدتنا وأنفسنا وضمانا لاستمرار حياتنا، وحماية لنا من أخطار التطرف التي قد تمردنا فقال تعالى "قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكذلك جعلناكم امة وسطا يكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" (س. البقرة 142-143).

معاشر المسلمين.
لنتوجه إلى الله العلي القدير- ونحن في مفتتح هزه المرحلة الجديدة من تاريخ امتنا- سائلين منه سبحانه أن يمنحنا نعمة السراد والتوفيق وان يسلك بنا وبالإنسانية جمعاء أقوم طريق، ولنستقبل هذه الفترة الفرية من حياتنا بكل اطمئنان وتفاؤل، ولنعمل على تصفية ما يبرر في الجو من بعض الغيوم العابرة، بإحياء روح التآخي والتواصل، وان خير تستقبل به هذا القرن الجديد هو الاجتماع على كلمة سواه تجعل منا بحق امة الوحدة والتوحيد. قال تعالى "إن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" (س. الأنبياء 92). ولنعقد العزم على تأدية رسالتنا، بأداء حقق الله وحقوق العباد، وعون عشاق الحرية على التحرر والخلاص في كافة أرجاء البلاد، ولا سيما إخواننا الأماجد من أبناء شعب فلسطين المجاهد، وقبلتنا الأولى وقدسنا الشريف الخالد، ولنقف على قدم الاستعداد، كل ما يلزم من العدة والعتاد واثقين بحقنا، متمسكين في نفس الوقت بديننا، معتزين بحضارتنا، حريصين على حفظ مقوماتها والدفاع عن كياننا، ملتزمين في حياتنا اليومية بآداب عقيدتنا وتعاليم شريعتنا ولنتسلح لمواجهة مسؤولياتنا الثقيلة والمتنوعة هذا العصر- باكتشافات القوة الفكرية التي هي "قوة العلم" وأدوات القوة المادية التي هي "قوة السلاح" وطاقات القوة الروحية التي هي "قوة الأخلاق". لنجعل شعارنا اليومي الدائم "العلم النافع، والعمل الصالح والإنتاج المستمر، والكسب المشروع، والرقي المطرد، والتنافس المحمود، والسير الدائم إلى الأمام، وضرب المثل لبقية الأقدام"، ولنحول دنيا الإسلام الواسعة التي لا تغيب عنها الشمس إلى "مسجد كبير" نعبد الله جميعا في محرابه، وتقوم فيه بالخلافة عن الله في الأرض، طبقا لما جاء في كتابه، كل بقدر ما تاه الله من علم وفهم وخبرة وتجربة، وما وهبه من مواهب فكرية ومكتسبة. ولنكن معاشر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مستوى مسؤوليات هذا القرن الجديد، ولنجعل منه حلقة ذهبية في سلسلة تاريخ الإسلام المجيد، وعلينا أن نتخذ كتاب الله في جميع خطواتنا دستورا ورائدا، ونجعل رسوله المصطفى إماما وقائدا، فبذلك نعود إلى حظيرة الإسلام الصحيح ونربط الماضي بالحاضر، ونعد الحاضر للمستقبل، ونفتح صفحة أخرى بيضاء نقية في تاريخ امتنا وتاريخ البشرية قال تعالى: "والذين امنوا وعملوا الصالحات وامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم" (س. محمد 2). وقال تعالى: "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين" (س. فصلت 33).
وقال تعالى: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني سبحان الله وما أنا من المشركين" (س. يوسف 108).
والسـلام على أبنائي المسلمين وإخواني المسلمين في كل مكان ورحمة الله وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here