islamaumaroc

الدين والفلكلور في البرازيل.

  دعوة الحق

222 العدد

تحل في هذه الأيام ذكرى عيد الفصح أو الأسبوع المقدس عند النصارى و بعده تعقب احتفالات ذات الصبغة الاجتماعية بعد ما تنتهي الاحتفالات الدينية في بعض الأقطار المسيحية و أخص بالذكر منها البرازيل التي تحتفل (بالكرنفال) و التي تشتهر به من بين دول العالم، و قد شاءت الأقدار ان أقيم في بريو ذي جانيرو عاصمة البرازيل سابقا بحكم عملي الدبلوماسي أربع سنوات، و كنت قبل ان احل بهذا البلد اسمع كثيرا عن كرنفال و خاصة كرنفال الريو ذي جانيرو الذي طبقت شهرته الآفاق إلى ان كتب علي ان أعيش أربع مرات و احضر حفلاته الخاصة منها و العامة، فلبرازيليون يقيمون هذه التظاهرات الكرنفالية في كل أرجاء الوطن البرازيلي لكن كرنفال الريو ذي جانيرو يمتاز عن باقي كرنفال نواحي أخرى و له خاصية تميزه عن غيره، وبالمناسبة أردت ان أعطي نظرة موجزة للقارئ عن هذه العادة الاجتماعية التي يسمع بها الجميع و لا يعرف عنها شيئا إلا القليل من الناس.
ان الكرنفال في حد ذاته هو تظاهرة الفرح و النشاط لكل طبقات الشعب، فهو في الحقيقة احتفال شعبي بكل ما في الكلمة من معنى، فالكل يحتفل به حسب مستواه الاجتماعي، فالطبقة الفقيرة تحتفل به في الشوارع، و الطبقة الغنية تحتفل به داخل الاندية و الدور الفخمة، و الكرنفال عند البرازيليين من أهم التظاهرات الوطنية و قد تغنت به شعراؤهم و كتب عنه أدباؤهم و تخصص فيه اناس فألفوا فيه عدة كتب ونشروا عنه دواوين شعرية و قصص نثرية، و له قوانين و قواعد خاصة به و مدارس للتدريب على فنونه، و كان فيما قبل يعد فلكلورا شعبيا، اما الان فقد تبنته الدولة و أصبح له كيان خاص به او قوانين ليسير عليها او يتقيد بها، و تشرف عليه و تراقبه كتابة الدولة في السياحة، و اهم احتفال للكرنفال يقام بالبرازيل هو كرنفال (كاريوكا) أي كرنفال الريو ذي جانيرو (اهالي الريو يدعون بكاريوكا).
اما تاريخ الكرنفال بالبرازيل فيرجع عهده الى ايام الاستعمار البرتغالي حيث كان الشعب يعيش حياة الرعب و الخوف و كان الشجاع و البطل هو الذي يستطيع ان يتحدى كل شيء و يخرج للشارع متظاهرا باللهو و المرح متحملا اللكم و الضرب و رجمه بالازبال و القاذورات و الذي لا يستطيع تحمل ذلك يحرم  من متعة هذه التظاهرة المخزية، و كان المتفرجون يقفون للمشاهدة و لكن كل طبقة من الطبقات الاجتماعية تقف بمكان خاص بها، فالاغنياء وحدهم في جهة والفقراء في جهة خاصة بهم، و غالبا كان الاغنياء يقومون باحتفالهم داخل بيوتهم و لا يشاركون الشعب في الشارع لانهم لا يتحملون ذلك. و يقول اماوري جوريو في كتابه "مدارس السامبا في الاستعراض":
ان التظاهر في الشارع بهذه الكيفية انما كان بمثابة انبوب للتنفس عند الشعب الذي كان يعيش حياة الذل و الهوان يوميا، ولو ان هذه التظاهرة كانت تكتسي صبغة العنف و الاصطدام الدموي حتى كانت تنتهي بسقوط القتلى" . و بقي الكرنفال يتطور بتطور العقول و الافكار الى ان وصل الان الى طور مظهر من مظاهر الفرح و النشاط و ابراز كل فن من فنون الزينة، وكان نوع من انواع المظاهر الخلابة و الجذابة في كل ناحية من النواحي الاجتماعية سواء في الغناء او اللباس او البهلوانية الى غير ذلك من الاشياء التي تدخل السرور و المرح و النشاط على النفس البشرية بدلا من العنف و الكراهية و خاصة على الطبقة الفقيرة من الشعب و جلها من السود الواردين قهرا من افريقيا ايام الاكتشافات و الاستعمار، هؤلاء هم الذين يجدون متنفسا في الكرنفال للترفيه عن انفسهم من حياة التعاسة التي يقاسونها، لذا نجد اللباس التقليدي للكرنفال  يرتدونه ليلة الاستعراض الكبير يمثل يمثل لباس الامراء و النبلاء و الملوك مرصع بالجواهر و اليواقيت كان لسان حالهم يقول ما حرمنا منه في الحياة الحقيقية نلبسه على الاقل كلباس بهلواني نكذب به على انفسنا، انها حالة نفسية تجيش في قرارة افكارهم و عقولهم و لم يستطيعوا الوصول اليها في الحقيقة فحققوها في الخيال حتى يكونوا في يوم من الايام متشبهين باسيادهم، و لكن الشعور الداخلي للاسود لم تغادره تلك الروح الاليمة التي بقيت تجيش في قرارة نفسه من مرارة الماضي المؤلم رغم التظاهر بالبهجة و السرور فهو يرقص و يمرح و يغني ، و كل شعر غنائه يعبر عما لاقاه الاسود من عذاب و ماسي في حياته التي هي عبارة عن حياة الذل و الهوان والعبودية و فقدان الحرية منذ ان سرق من افريقيا ارضه الاصلية.

كيف يهيأ للكرنفال؟ :
ان موسم الكرنفال ليس له تاريخ محدد فهو ينتقل بين شهري مارس و ابريل تبعا لتاريخ عيد الفصح وهو اسبوع كامل، و لكن يهيأ له  - ان لم نقل كل السنة فجل زمنها – و على الخصوص في مدينة ريو ذي جانيرو الذي طبقت شهرة كرنفاله  الافاق، توجد بهذا البلد اثنتا عشر مدرسة تدعى "بمدارس السامبا" كل مدرسة تحمل اسما خاصا بها، و هذه المدارس هي التي تقوم بالاستعراض السنوي الضخم لليلة الرسمية من بين الليالي السبعة الايام الكرنفالية، فتجلب الفتيات و الفتيان للتدريب يوميا على الرقص و الغناء، فكل مدرسة تقدم اغنية خاصة بما تؤديها الفتيان و الفتيات اثناء الاستعراض، كما ان لكل مدرسة لباس خاص بها يرتديه مستعرضوها، و ايام التدريب بل شهور التدريب لا تجد ربات البيوت او ارباب الحرف من يشتغل ، و اذا وجد يشترط على مشغليه ان يخرج من العمل مبكرا لقصد الذهاب الى مدرسة السامبا للتدريب و التهيئ ليوم الاستعراض في الكرنفال.

الاغنية:
كا مدرسة من مدارس السامبا تقدم اغنيتها للهيئة المشرفة على الاستعراض التي تتكون من اشخاص موثوق بهم و لهم باع طويل و خبرة في فن العرض، تعقد الهيئة اجتماعا رسميا باحد ملاعب الغناء و الفلكلور تعينهم كتابة الدولة في السياحة لدى ريو ذي جانيرو و تستدعي له الشخصيات الرسمية و السلك الدبلوماسي الاجنبي و تؤدي كل مدرسة اغنيتها و تحكم إذ ذاك الهيئة باصلح الاغنية لتكون هي الرسمية لكرنفال السنة، و الاغنيات المقدمة لا تذاع و لا تغنى إلا بعد هذا الاجتماع ، و كل مدرسة احرزت اغنيتها على الاسبقية تصبح اغنية كرنفال تلك السنة فتحتفي بالشهرة و المدخول المادي.
اما موضوع الاغنية فغالبا ما يكون شعرها يعني شيئين لا ثالث لهما ، الالم، و الدين، فالالم يعني به تغني الانسان الاسود بحاضره المؤلم بفراق وطنه الاصلي افريقيا و استعباده في الاشغال الشاقة من طرف الانسان الابيض في ارض الغربة. اما الناحية الدينية فغالبا تعني المدح و الثناء لمريم ام المسيح او التعظم و التبجيل لشخص قديس من القديسين الى غير ذلك.

استعراض الكرنفال.
ان الاستعراض الكبير للكرنفال يكون يوم الاحد يبتدئ في الساعة التاسعة ليلا يوم الاحد و ينتهي في التاسعة صباح يوم الاثنين، فكل مدرسة من مدارس السامبا و عددها اثنتا عشرة مدرسة بريو ذي جانيرو تقدم في الاستعراض كل واحدة منها ما ينيف على خمسمائة شخص ما بين فتيان وفتيات، و كل مدرسة لها لباسها الخاص يرتديه مستعرضوها ، و غالبا يمثل كل لباس فترة من فتراة تاريخ البشرية ، فمنها ما تكون بزي ايام لويسيس بفرنسا ، و منها ما تكون بلباس الفراعنة ، و منها ما تكون بلباس رعاة البقر بامريكا، و منها ما تكون بلباس الهنود الحمر الى غير ذلك .
و كل مدرسة يستغرق تهيئ لباس مستعرضيها شهورا و التي تكون عادة مرصعة باليواقيت والاحجار الكريمة و خاصة رئيسة او رئيس القافلة الذي يكون في الطليعة، و المرأة او الرجل الذي يكون على رأس استعراض المدرسة غالبا ما يختاره احد الاثرياء و اغنياء المدينة فيهيئ له اللباس و يؤدي لتهييئه بدور الازياء الخاصة بذلك ثمنا باهضا حتى اذا احرز في مسابقة البسة الكرنفال على الدرجة الاولى يصبح صاحبه يتباهى و يفتخر بان لباسه احرز على جائزة الدرجة الاولى في كرنفال سنة كذا كما يقال في جائزة نوفل لسنة كذا مثلا، و المحصل على الدرجة الاولى يستعرض لباسه عدة مرات خاصة في النوادي الفخمة بريو ذي جانيرو، كل ناد يقيم له ليلة خاصة به تقام له على شرفه احتفال خاص يستدعى له رجال السلطة و علية القوم بلباس رسمي على عشاء فاخر و رقصات السامبا تلك الليلة. كما يقيم المجلس البلدي ايضا حفلة رسمية لهذا الغرض بالمسرح البلدي بريو ذي جانيرو و يستدعي لها رجال السلطة و السلك الدبلوماسي.

المدعوون لمشاهدة الاستعراض و لجنة التحكيم:
الشعب له الحق في مشاهدة الاستعراض بالشارع و لكن الحكومة تضع اماكن خاصة بالمدعوين من رجال السلطة  و السلك الدبلوماسي، و المدعوون يحضرون ببطاقة خاصة توزع عليهم من طرف السلطة المسؤولة عن تنظيم  احتفال الكارنفال. كما يوجد مكان خاص بلجنة التحكيم التي تراقب سير الاستعراض و تحكم في النهاية باحسن مدرسة من مدارس السامبا ادت مهمتها على اكمل وجه سواء من ناحية الرقص او اداء الغناء او اللباس، و في النهاية تداع نتيجة الحكم بواسطة الصحف و اجهزة الاعلام، فالمدرسة التي احرزت على الاولوية تخصص لها جائزة ويستدعون افرادها الاولون للاندية و الدور الفخمة للاستعراض الخاص ثم تصبح اغنيتها ذائعة خلال كل تلك السنة.

رقصة السامبا:
ان استعراض مدارس السامبا يمر على انغام الموسيقى، فكل مدرسة لها جوقها الخاص بها، واثناء المرور لا يسكت و لا يقر لحظة واحدة عن اداء الموسيقى التي يغلب عليها ايقاع الطبول، فلكل يرقص رقصة السامبا، فكل برازيلي يفقد شعوره اذا سمع الطبول تقرع السامبا فيترامى بدون وعي و لا شعور و يندفع و يصير يرقص رقصة السامبا المفضلة عندهم، و لا فرق في هذا الشعور بين الطبقات و لا السلالات (و البرازيل مكونة من سلالات بشرية متعددة و السامبا هي رقصة البرازيل الخاصة بها حتى انهم  اسسوا المدارس باسمها كما قدمنا ، و يقضون الساعات الطوال في الرقص فاقدين شعورهم بدون ان يصيبهم عياء و لا كلل و لا ملل، وهي رقصة يقول الاستاذ خوسي ريفييرو في كتابه : " البرازيل في الفلكلور" اصيلة نابعة من روح الشعب ، ثم يقول : "انها من تاثير و من نوع ايقاعي افريقي". و قد امتزجت السامبا بحياة البرازليين حتى صارت تؤدى في الافراح و الاقراح على السواء، فالطبول تقرع بالسامبا في حفلات الزفاف و في الحفلات الشعبية و في الاماكن الدينية، فتوجد طرق صوفية عندهم لها مراكز كزوايا عندنا و طقوسها المسيحية ممزوجة بالشعوذة الافريقية استوردها الرجل الاسود معه من افريقيا، و هؤلاء منهم فرقة تدعى بالمؤمنين لا يشربون الخمر و يلبسون لباسا خاصا بهم و يؤدون الطقوس الدينية على ايقاع الطبول فقط. يؤدون بواسطتها دعواتهم الدينية و يرقصون اثناءها رقصة السامبا ثم يطلقون البخور اذ لا يختلف عندهم هذا كثيرا عن طريقة كناوة عندنا، ولا يستغرب في هذا فالكل ات من منبع واحد هو افريقيا، فهم مزجو ذلك بالديانة المسيحية ونحن نسبناها الى طوائف تكتسي صبغة ايضا دينية اسلامية.

التأثير الاجتماعي للكرنفال:
من الناحية الاجتماعية فالكرنفال هو تظاهرة للفرح و نسيان الهموم كما يقول البرازيليون، فهم يطلقون العنان لشهواتهم بجميع انواعها و لا يتقيدون باي قيد من قيود التقاليد الاجتماعية او مبادئ دينية فتصبح عندهم الحرية المطلقة بكل ما في الكلمة من معنى، و يباح كل عمل شيطاني اثناء موسم الكرنفال، فالرجل حر في تصرفاته و لا تواخذه زوجته على ذلك فهو لا يطرق باب منزله في تلك الايام و الزوجة تعمل مثل عمله فلا حسيب و لا رقيب، و الابناء يطلقون العنان لنزواتهم في الشوارع، فلا يسألون عنهم اباؤهم ، كان كل شيء مشروع قانونيا و دينيا، حتى انك اذا سألت خادمة بالبيت عن اب رضيعها اجابتك: انه ابن الكرنفال، ان الرجل الاسود هو المبتكر للكرنفال، انه ينتقم للقدر و ما حل به من ماسي – كما يقول – في الوقت الذي يدفع بنفسه الى ماسي جديدة مصدرها ارسال العنان لشهواته بكل انواعها و اندفاعه في احضان الرذيلة بكل معانيها لينسى الالم و ما هو نسيان الالم عنده، انه كالنعامة التي تضع رأسها في الرمال ليلا ترى ما سيأتيها من اخطار ، هذا هو الفلكلور الذي يصفه بعض مؤلفي البرازيل ، و منهم الاستاذ جوسي ريبيرو في كتابه: " البرازيل في الفلكلور" : "ان الكرنفال هو وسيلة للتحرر مما يجيش في النفس  من حسرة و الام". و يقول : ان الكرنفال هو اعظم احتفال سنوي عند البرازيليين فهو بمثابة عيد ميلاد المسيح عند الاوربيين، فالشعب يحيى السنة كلها وهو يقتصد في نفقات عيشه بل يضيع عمله لاجل ان يعيش حرا في الثلاثة ايام العظيمة للكرنفال ليرفه عن نفسه، و أي ترفيه هذا عواقبه وخيمة! .
و يختلف كرنفال البرازيل عن كرنفال اوربا ، فالبرازيليون لا يضيعون المقنعات على وجوههم، و هذه عادة عند البرازيليين حميدة لان المقنع يمكنه ان يرتكب جريمة بدون ان يتعرف عليه.
ثن ان البرازيليين يتظاهرون و يجرون في الاستعراض على ارجلهم بينما في اوربا يجرون راكبين على العربات .
اظن قد اعطينا فكرة من هذه التظاهرة الشعبية لشعب مصدره عدة شعوب، كما يقول رئيس جمهوريتهم عندما يخطب في مناسبة : يا سكان ارضنا . و لا يقول يا شعب البرازيل لان شعبها الحقيقي هم الهنود الحمر المنبوذين في الغابات و الاحراش بالامازين و لا ذكر لهم في المجتمع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here