islamaumaroc

المغرب مسؤولية حضارية -1-

  دعوة الحق

222 العدد

خلق الله الانسان واستخلفه في الارض ليعمرها وقد بين له منهاج العمل وزوده بالوسائل والطاقات والقدرات لتسخير ما يحيطبه من اجل سعادة نفسه، وتعمير الارض الذي يعني بالغة الجديدة:الحضارة، فالحضارة هي تلك الشحنات النورانية المقدسة المتدفقة في نفس الانسان وروحه وعقله وجسده  تبعثه دائما ان يرتبط بوقته وارضه ومحيطه ارتباطا عضويا يتيح له دائما الابداع في ميدان الفكر و المادة  لاشباع حاجته المشروعة ومواجهة المشاكل الناجمة عن تطور وارتياد الافاق المستقبلية متحكما في الاحداث يسيرها بارادته في نطاق بشريته ومسؤوليته صانعا تاريخه بنفسه موجها طاقاته الفردية و الجماعية لمصلحة الفرد و الجماعة و الانسان مستلهما ذلك النور الرباني الذي اوجدته العقيدة السليمة و القيم الخالدة في اعماقه ووجدانه.
وقد عاش المغرب ردحا طويلا من الزمن على هامش التاريخ او بعبارة اخرى، اما خارجه او داخله ، ولكن لا يظهر على شاشته الا في دور التابع لغيره، وان بذل الكثير للتحرر و الانعتاق وهكذا غالبا ما نبدا الحديث عن التاريخ المغربي ، ايام الاحتلال الفينيقي او القرطجني او الوندالي او الروماني.
وكان يمكن ان يقع للمغرب مثل ما وقع لكثير من الشعوب ، اما ان يذوب في غيرها و يصفى كما صفيت شعوب بكاملها رغم ما كان يتسم به من شجاعة وجراة وباس.
غير ان القوى العضلية لا تضمن لاصحابها الاستمرار في الحياة دون ان تكون لها موجبات حضارية ، وقد استطاع المغرب ان يحتفظ بكيانه التاريخي رغم الماسي التي عاناها  من الغزاة المتعددين الى ان قيض الله له ان يدخل التاريخ كشعب متحضر محضر يستلم قيادة الانسانية في جهة من جهات العالم مؤسسا ومشاركا وذلك عندما آمن بالدين الجديد : الاسلام الذي تجاوب معه تجاوبا شاملا وعميقا ومخلصا وابديا لانه وجد فيه تحقيق فطرته وتحقيق انسانيته.
لقد فجر هذا الدين في الشعب المغربي كوامن قوته ووجه طاقاته توجيها فعالا اذ اشعره بقيمته الانسانية وبمكانته في هذه الدنيا ، فلم يعد المغربي يجرد سيفه  لحساب غيره او يدفع ماله لرفاهية غيره او يقدم تضحياته لسعادة غيره وشقاء نفسه وانما أصبح يشعر انه ذو شخصية من نوع جديد يتحمل مسؤولية ويؤدي أمانة انتقلت اليه عبر القرون وفتح قلبه لها ورحب بها ولذلك كان اتصال المغرب بالإسلام جدا فاصلا وحاسما يمثل نهاية لعهد التبعية او الخمول او النشاط غير الخلاق و بداية لعهد التبعية او الخمول او النشاط غير الخلاق  وبداية لعهد الزيادة و القيادة و النشاط الفعال. وقل ما يحدث في التاريخ نور الحضارة الجديدة بقيادة طارق النفري وبجيش يتكون معظمه من المغاربة الذين اسلموا. ولم يحدث في التاريخ ان يضع  جيش نفسه بين خطرين : العدو من الامام و البحر من الوراء مثلما فعل المغاربة المسلمون ، وفي سنة 92 أي منذ الفتح الاسلامي الاندلسي بالطلائع المؤمنة اشرقت على جديدة تخالف حضارة الرومان واليونان و الفراعنة ، وقد كان لانحصار الفتح الاسلامي عن باقي اوروبا تاثيره السيء على عملية تحضير الانسان الاوربي الامر الذي جعل الحضارة تتقهقر عن تلك البلاد مدةقرون عديدة.
وفي الاندلس بدات الحضارة تنمو بعناصرها البشرية التي كان العنصر المغربي اكثرها عددا ونصيبا وتاثرا وتاثيرا ، ويتتبعنا لمنازل البريد بالاندلس نجذ ان هذا القطر لمن تخل ناحية منه دون ان تكون بها جماعة من البربر، فقد استقروا في اقصى الشمال وفي الوسط و الجنوب والشرق و الغرب.
ولا تزال اسماء القبائل المغربية ثابتة في الاعلام الجغرافية بشبه الجزيرة الاندلسية مثل ارئيلا ، مكناسة ، صنهاجة، كتامة، غمارة. وقد تتبع بعض الباحثين الاسماء المغربية بالاندلس تتبعا يثير الاعجاب ، كما ان بن حزم ذكر اصول المغاربة  بالاندلس ومنازلهم مثل امراء الثغر كبني هذيل وبني عبدوس وبني غزلون، وبني عميرة، وبني ذي النون ،وبني رزين الى غير ذلك مما يجعلنا نقول مطمئنين بان العقلية الاندلسية قد تاثرت الى حد كبير بالعنصر المغربي الذي كان يفد على الاندلس طيلة حياتها ، وهذا يعني ان المغاربة الذين حملوا مشعل الحضارة الى الاندلس ، ساهموا بحظ وافر في ظل عقيدتهم الاسلامية في بناء الحضارة الاندلسية واستمرارها وقد راينا عناصر مهمة منهم من تنبغ في ميدان العلوم و اللغة و الفقه في زمن مبكر ، مثل طارق بن زياد وابي موسى الهواري وعباس بن فرناس وال وانسوس القارة الافريقية، وقد كان يحيى الليثي  المصمودي يمتاز بوقار العلماء وورع الفقهاء و صرامة القادة ، ومنذ ان تولى يحيى القيادة الفقهية قي الاندلس لم يعد مجال آخر لغير مذهب الامام مالك الذي استطاعت مدارس الاندلس ان تخرج منه لنا عباقرة افذاذا في الميدان الفقهي ، وليس عجبا ان تحرص الاندلس و المغرب على وحدة المذهب الفقهي لان العقلية المغربية هنا وهناك تكره التفرقة حتى في المذاهب الفقهية لما قد يترتب على ذلك من تمزق في وحدة الشعب الواحد كما وقع بالفعل في بلدان اخرى.
  وفي ظروف خطيرة من التاريخ الحظاري الاسلامي يوم كانت هذه الحضارة مهددة بالتقويض و النهيار انبرى المغرب للقيام بدوره القيادي منقذا وحارسا ومعطيا ، وذلك ايام حكم الطوائف بالاندلس ، فقد كانت هذه البلاد تجتاز مرحلة حرجة منحياتها ولا تكالد تمر فترة   وجيزة حتى يسمع بوقوع  ماساة تنخلع لها القلوب وتتمزق لها الاكباد من ضياع قلعة او سقوط مدينة وقتل الكثير وسبي الكثير وتشريد الاكثر.
   ان الاندلس في هذه الفترة كانت تنهخار وتتساقط بكل سهولة ويسر لانها كانت قد بلغت من التعفن و التميع و التاكل والاختلال مبلغا يؤدي طبعا الى ذلك المصير!!
   وخير ما يوصف في هذه الحالة ابن بسام اذ يقول : (( وكانت طوائف الروم مدة ملوك الطوائف بافقنا قد كلب داؤهم بكل اقليم فلاطفوهم بالاحتيال واستنزلوهم  بالاموال  فلم يزد دابهم الاذعان و الانقياد وداب النصارى التسلط و العناد حتى استصفوا الطريف و التلاد واتى على الظاهر و الباطن النفاذ بما كانوا ضربوا على انفسهم من الضريبة الى ما يتبعها من هديات ونفقات )) وقد بلغ الانهيار النفسي و التعفن الخلقي وتلوث الضمائر الى درجة اننا وجدنا الشعراء يمتدحون مواقف الهوان ويشيدون بالدنية و يهتفون بالاذلاء الذين يعطون الاتاوات عن يد وهم صاغرون فيقول ابو بكر الداني للمعتمد بن عبد الذي كان يدفع هذهالاتاوات للنصارى:
  في نصرة الدين لا اعدمت نصرته   
             تلقى النصارى بما تلقى فتنخدع    
تنيلهـــم نغما في طيها نقـــم  
             سيستضر بها من كان ينتفــع    
وقل ما تسلم الاجسام من عرض    
            اذا لوالي عليها و السبـــــــع     
 لا يخبط الناس عشوا عند مشكلة  
            فانت ادرى بما تاتي وما تدع   
يعلق ابن بسام على هذه الابيات بقوله :
(( وهذا مدح غرور وشاهد زور وملق معتف سائل وخديعة طالب نائل، وهيهات !!  بل حلت الفاقرة بعد بجماعتهم حين ايقن النصارى بضعف المنن وقويت اطماعهم بافتتاح المدن واضطرمت  في كل جهة  نارهم ورويت مندماء المسلمين اسنتهم  وشفارهم ومن اخطاه القتل منهم قائما هو بايديهم سبايا يمتحنونهم  بانواع المحن و البلايا حتى دنوا مما ارادوه من الوثب واشرفوا على ما املوه من التغلب )).
وهكذا سقطت مدينة قورية الى عدة حصون وقلاع اخرى في غاية الحصانة و الامتناع ثم  سقطت مدينة طليطلة وذلك في سنة 478 وقبل ذلك سقطت مدينة بربشتر سنة 456 بعد ان ظلت في يد المسلمين منذ الفتح 363 وقد قتل وسبي فيها  اكثر من خمسين الفا وقيل مائة الف ، وقد سبي الاف الابكار من المسلمات.
 في هذه الظروف بعث الله دولة بالمغرب لتنقد الحضارة الاسلامية من الاندثار بالاندلس ورغم ما كان يشغل المرابطين من امور جليلة في الداخل من اجل توحيده وترابطه ونشر الاسلام في افريقيا فانهم  استجابوا لدعوة الاندلس ، ولبوا استنجادهم ، ومن حسن سياسة يوسف  بن تاشفين انه طهر المغرب من الانشقاقات و الاختلافات  وقضى قضاء مبرما على البورغواطيين  بطنجة واخيرا بسبتة في صفر 476، وفي سنة 4798 كان المرابطون جاضرين بقواتهم العظيمة بالاندلس و استطاعوا سحق الجيوش الغازية النصرانية في معركة الزلاقة الشهيرة ، ولكن ما ان عاد المرابطون الى المغرب حتى عاد ملوك الطوائف الى ما كانوا عليه سابقا من التخاذل والتامر و التعاون مع النصارى على اخوانهم  دون ان يعتبروا بالماضي ، بل ان بعضهم صار يتامر على الحامية المرابطية التي تركها هناك لمساعدتهم وامام الاخطار المتوقعة افتى علماء الاندلس بوجوب خلع  هؤلاء الرؤساء المفسدين في الارض.
 وكان ما كان  من ضم الاندلس الى المغرب وتحقيق وحدة اسلامية عظمى ، وقد اثار هذا العمل الجليل في اوساط الحاقدين من المستشرقين ضجة كبرى فحملوا  على المغاربة حملة شعواء وراحوا  يندبون مال نظم الطوائف.
 والدافع الذي دفع بهؤلاء الى الحملة على المرابطين ليس الا بطولاتهم التي استطاعوا بها ان يختطفوا الاندلس من اشداق القوى النصرانية التي كادت تلتهمها وحدة من غلواء احتلالها واوقفتها عند حدودها وفي سبيل ذلك استشهد عشرات القادة من كبار رجالها على الثغور الاندلسية دفاعا عن الحضارة الاسلامية التي كانت انذاك في اوجها و التي  استمرت في الازدهار و التطور في ظل المرابطين ثم الموحدين مما دفع بمستشرقين اخرين الى الاعتراف بالحقيقة وهي ان المرابطين كانوا عاملا هاما في الازدهار الحضاري بالاندلس.
ان معارك الزلاقة و الارك والمخازن وانوال و البيوت ووادي لو و الشاون مشرقة ومضيئة في تاريخنا تدل على مدى بسالة هذه الامة في الدفاع عن حضارتها وكيانها ، وقد ادرك غيرنا كما ندرك نحن هذه الحقيقة وهبي ان المغرب قلعة حضارية منذ ان امن اهله  بالاسلام ولم تستطع الاطماع الاجنبية على كثرتها و الحاحها وتنوعها ان تنال من عزمه ووحدته، لذلك نجد المؤرخ الفرنسي الكبير اندلري  جوليان يصرح اخيرا بقوله :
((فالظاهرة المسيطرة على المغرب هي الدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد في مواجهة كل الاطماع الاجنبية )).
وليس لهذه الظاهرة  من تفسير  سوى ان العناصر الحضارية التي التحمت بالنفسية المغربية هي اعمق غورا واقوى حيوية وصمودا من ان تنهزم اما التحديات الخارجية الشرسة والمستمرة.
ومعنى هذا انم الموجبات الحضارية التي تعبر عنها هذه التوراث الواعية صاحب المغاربة خلال تاريخهم الطويل منذ ايمانهم  بالاسلام وهي التي حركت طاقاتهم الاجتماعية ووجهتها وايقضت فيهم الاحساس بالخطر فجعلتهم يوثرون الموت على الاستسلام ، فحالفهم النصر كلما استلهموا عقيدتهم واتصلو بمصدر فعاليتهم واستقامت حياتهم وفق يفسر عليهم تلك التعاليم التي آمنوا بها ، وبهذا يفسر قوة المغاربة عبر التاريخ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here